الزلزال لا يطرق الباب. لا يرسل إشعارًا، ولا يترك موعدًا، بل يأتي بشكل مفاجئ ليتسبب في ارتجافٍ مفاجئٍ، تكثر في أثنائه مشاعر البشر الخائفة.
ومع أن العلماء لم يتعلموا أبدًا كيف يتنبأوا بالزلازل، إلا أنهم صاروا بارعين في أمرٍ آخر لا يقل أهمية، وهو أن يفهموا كيف ستتصرف الأرض عندما تصلها الموجة الزلزالية.
من هنا تبرز قيمة دراسة جديدة نشرت بدورية "سيام: جورنال أوف ساينتفك كومبيوتنج" (SIAM Journal on Scientific Computing)، حيث تمكن العلماء من تطوير "خدعة رياضية" تجعل محاكاة الموجات الزلزالية أسرع وأخفّ بكثير، وهو أمر يسرع من فهم العلماء لسلوك الزلازل في منطقة ما.
يتم ذلك عبر ضغط المسألة الرياضية نفسها التي تشرح سلوك الزلازل إلى نموذج صغير قد يكون أقل تعقيدًا بنحو ألف مرة، من دون أن يضيع شكل الإشارة التي تعتمد عليها محطات الرصد.
يحتاج العلماء بشكل دائم إلى محاكاة الزلازل، لأن الخطر الزلزالي محلي، فقد يمر زلزال واحد على مدينة فيُسقط أبنيةً، وعلى مدينة أخرى فيترك أضرارًا محدودة، والفرق غالبًا في تركيب التربة والصخور وسمك الطبقات.
علماء الزلازل يستخدمون تقنيات تصوير متقدمة مثل "الانعكاس الموجي الكامل"، فيبدؤون بتخمين أولي لشكل الطبقات تحت الأرض، ثم يشغّلون محاكاة زلزال اصطناعي، ويقارنون النتائج بما سجّلته محطات القياس الحقيقية، وبعد تكرارات كثيرة من التخمين ثم التصحيح، يقترب النموذج من الواقع، وتتحسن صورة باطن الأرض.
لكن هذا النوع من المحاكاة مكلف للغاية، من حيث الوقت والجهد، فهناك ملايين متغيرٍ، وآلاف تشغيلٍ متكررة، وقد تستغرق محاكاة واحدة ساعات حتى على حواسيب عنقودية قوية، ما يجعل المراقبة المستمرة أو تحديث النماذج أمرًا باهظًا وصعبًا.
وفي الزلازل، فما يهم فعلاً في كثير من التطبيقات ليس كل التفاصيل الميكروية عالية التردد، بل شكل الإشارة الزلزالية كما تُرى في محطات الرصد، وغالبًا ما تُعالَج هذه الإشارات بمرشحات منخفضة التردد لتقليل الضوضاء والتركيز على الجزء الأوثق والأكثر دلالة.
هنا تأتي الخدعة الرياضية، فبدلاً من أن يحسب العلماء حركة الموجات الزلزالية لحظة بلحظة عبر الزمن، وهو أسلوب يضطرهم للتعامل مع كل الترددات، بما فيها الترددات العالية التي تجعل الحساب بطيئًا جدًا، اختار الباحثون طريقًا آخر أبسط، حيث نقلوا المشكلة، باستخدام تحويل لابلاس، إلى نطاق يهمل الترددات العالية، التي تعد الأكثر إزعاجًا وكلفة، ويبقى دقيقاً.
تساعد هذه الطريقة في تسريع تصوير باطن الأرض وتقدير خصائص الطبقات عبر محاكاة الموجات الزلزالية بسرعة كبيرة، ما يساعد في تحسين تقييم الخطر، وتحسين خرائط الخطر الزلزالي ودعم قرارات الهندسة وأكواد البناء عندما تتوفر بيانات رصد كافية.
كما تفتح الطريقة الباب أمام تشغيل عدد أكبر بكثير من السيناريوهات في وقت أقل، وهو مهم في تطبيقات تتطلب محاكاة متكررة، سواء الزلازل التي تتطلب دراسة مستمرة، أو محاكاة موجات التسونامي بسرعة ضمن نافذة التحذير، وهنا قد تساعد في إعطاء إنذار أبكر للشواطئ المعرضة لضربات التسونامي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة