إليك مقال مطول ومفصل باللغة العربية، يلخص كل ما قاله المدرب صبري اللموشي عن تجربته مع المنتخب التونسي، مصاغاً بأسلوب صحفي احترافي وجذاب:
صبري اللموشي والمنتخب التونسي: كشف المستور عن إقالة صادمة وجرح عميق لم يندمل
في حوار مطول يتسم بالصراحة والشفافية عبر بودكاست "KAMPO"، فتح المدرب السابق لـ "نسور قرطاج"، صبري اللموشي، صندوق أسراره ليروي تفاصيل تجربته القصيرة والمريرة مع المنتخب الوطني التونسي. بين خيبة الأمل، فوضى التحضيرات، التدخلات الخارجية، والإقالة السريعة، قدم الفرانكو-تونسي روايته الكاملة لتجربة وصفها بـ "العنيفة" والتي تركت في نفسه ندبة عميقة.
خيار العاطفة الذي تحول إلى "فخ"
عندما تلقى اللموشي اتصالاً من نائب رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم مطلع عام 2026، لم يتردد للحظة. مدفوعاً بأصوله وحبه لبلد والديه، وافق على تولي المهمة دون حتى أن يناقش الشروط المالية أو مدة العقد. يعترف اللموشي اليوم بمرارة: "إنها المرة الأولى التي أوقع فيها عقداً بهذه السرعة ودون أي نقاش.. لقد أدركت لاحقاً أن خيارات القلب غالباً ما تكون خطيرة".
كان هدف اللموشي واضحاً: ضخ دماء جديدة في المنتخب، والاعتماد على اللاعبين مزدوجي الجنسية لبناء مشروع ناجح على غرار ما فعله وليد الركراكي مع المنتخب المغربي وجمال بلماضي مع الجزائر، خاصة بعد خيبة الأمل التي رافقت مشاركة تونس في كأس أمم إفريقيا.
بدايات واعدة تلتها فوضى عارمة في التحضيرات
بدأت رحلة اللموشي بشكل مبشر. خلال المعسكر الذي أقيم في كندا، قدمت التشكيلة الشابة أداءً جيداً بفوز على هايتي وتعادل مع كندا، مما أعاد شيئاً من الأمل للجماهير. لكن الأمور انقلبت رأساً على عقب خلال التحضيرات النهائية في أوروبا استعداداً لكأس العالم.
كشف اللموشي عن كابوس تنظيمي رافق رحلة النمسا وبلجيكا؛ فبعد مباراة النمسا، تم إلغاء رحلة الطيران، مما اضطر اللاعبين للانتظار 5 ساعات في المطار ثم التجول في شوارع فيينا لعدم توفر غرف فندقية، وهو ما خلق حالة من الإحباط والغضب الشديد داخل المجموعة.
أما عن الهزيمة الثقيلة (5-0) أمام بلجيكا، فقد أوضح اللموشي أنه تعمد إراحة 6 لاعبين أساسيين تجنباً للإصابات قبل المونديال، مشيراً إلى أن طرد اللاعب الشاب "إسماعيل الغربي" في وقت مبكر عقّد المباراة ودفع الفريق للانهيار أمام منتخب يمتلك جودة عالية.
الندم الأكبر: استبعاد الفرجاني ساسي
بشجاعة كبيرة، اعترف اللموشي بارتكابه بعض الأخطاء، لكنه أكد أن الخطأ الأكبر الذي يندم عليه بشدة هو عدم استدعاء لاعب خط الوسط "الفرجاني ساسي". وأوضح أن فريقه الشاب كان يفتقر بشدة إلى "القادة" داخل الملعب، ورغم إعجابه الكبير بساسي بعد لقائهما، إلا أنه استسلم للضغوط والمشورة التي أكدت له أن "الشارع الرياضي التونسي لم يعد يرغب في رؤية ساسي".
يقول اللموشي بحسرة: "لقد فكرت فيما سيقوله الرأي العام.. هذا خطأي، وأنا المسؤول الأول عنه. كان يجب عليّ أن أتبع قناعاتي فقط".
كابوس المونديال: إهانات وإقالة في لمح البصر
بلغت المأساة ذروتها في المباراة الرسمية الأولى (والوحيدة) للموشي في المونديال ضد السويد. كشف المدرب أنه تعرض لشتائم وإهانات قاسية من بعض المشجعين التونسيين المتواجدين في المدرجات المخصصة لمسؤولي الجامعة التونسية، وذلك قبل حتى أن تبدأ المباراة وأثناء عزف النشيد الوطني. وعلق على ذلك بأسى: "أن تأتي بكل هذا الكراهية والغضب والمباراة لم تبدأ بعد.. هذا أمر غير مقبول ومحبط للغاية".
انتهت المباراة بخسارة تونس بسبب أخطاء فردية، لكن الصدمة الكبرى كانت في رد فعل الجامعة. فقبل 24 ساعة فقط من المباراة، اجتمع مسؤولو الجامعة باللموشي لتهنئته على عمله، مؤكدين له استمرار المشروع والتحضير لكأس أمم إفريقيا القادمة مهما كانت النتيجة. ومع ذلك، بعد 48 ساعة فقط من تلك الوعود، وجد اللموشي نفسه مُقالاً ومُرحلاً إلى منزله. وعلق على ذلك قائلاً: "هذا أمر سخيف ولا معنى له على الإطلاق".
معارك وهمية: قضية نجله وأزمة حراس المرمى
ندد اللموشي بالبيئة الإعلامية السامة والجدل العقيم على منصات التواصل الاجتماعي. وضرب مثالاً بـ "الضجة الوطنية" التي أثيرت حول تواجده نجله البالغ من العمر 21 عاماً في معسكر "طبرقة" مرتدياً زياً رياضياً، حيث تم اتهامه بتوظيف ابنه في الطاقم الفني، وهو أمر عارٍ تماماً عن الصحة. وأبدى استياءه من صمت الجامعة التونسية التي لم تتدخل ببيان واحد لحمايته من حملات التشويه.
كما دافع اللموشي بشراسة عن حراس المرمى (أيمن دحمان، الشامخ، بشير بن سعيد، وصبري بن حسن)، مؤكداً أن مستوياتهم متقاربة، وأنه من الخطأ تدمير الحارس نفسياً وتحميله عبء الهزيمة عند أول خطأ، مضيفاً: "حتى أفضل حراس العالم يخطئون.. الحارس يحتاج إلى الثقة والدعم، وليس إلى التدمير".
دعوة ملحة للاستقرار
في ختام حديثه، وضع اللموشي يده على الداء الحقيقي الذي ينخر كرة القدم التونسية: غياب الاستقرار. وأشار إلى أن تونس غيرت 21 مدرباً في 22 عاماً، قائلاً: "نحن لا نحتاج إلى مدربين، بل نحتاج إلى سحرة ومشعوذين في ظل هذا الوضع!".
ودعا اللموشي الجماهير والمسؤولين إلى التحلي بالصبر، وحماية المواهب الشابة (خاصة مزدوجي الجنسية)، ومنح أي مدرب قادم فرصة لا تقل عن عامين لبناء مشروع رياضي متكامل، على غرار ما تفعله الدول المجاورة.
وشبّه صبري اللموشي ألم هذه الإقالة بالصدمة التي عاشها عام 1998 عندما تم استبعاده من قائمة المنتخب الفرنسي قبل كأس العالم. ورغم الجرح الذي أكد أنه "لن يندمل بسهولة"، أصر على أنه لا يحمل ضغينة لأحد، متمنياً أن تشرق شمس "نسور قرطاج" من جديد وتجد الكرة التونسية الاستقرار الذي تحتاجه بشدة.
المصدر:
الشروق