الدين الفرنسي: لماذا بدأ بعض كبار المستثمرين في بيع السندات الحكومية الفرنسية؟
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
تتعرض السندات الحكومية الفرنسية منذ عدة أسابيع لضغوط غير معتادة في الأسواق المالية.
فقد أقدم مدير أصول ياباني كبير على بيع سندات فرنسية، فيما أعلن صندوق استثماري دولي تقليص انكشافه على الدين الفرنسي، كما عمدت عدة صناديق تحوّط إلى إغلاق مراكز مالية مرتبطة بهذه الديون. وفي الوقت نفسه، تقرّ باريس بتراجع الطلب على بعض السندات ذات آجال الاستحقاق الطويلة جدًا.
ولا تعني هذه التحركات أن المستثمرين الأجانب بصدد التخلي بشكل جماعي عن فرنسا، لكنها تكشف أن إقراض الدولة الفرنسية لم يعد يُنظر إليه بالطريقة نفسها التي كان يُنظر بها إليه قبل بضعة أشهر.
أهم ما يجب معرفته
3595.5 مليار يورو: حجم الدين العام الفرنسي في نهاية جوان 2026.
119% من الناتج المحلي الإجمالي: نسبة الدين العام وفقًا للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية.
70 نقطة أساس: ارتفاع عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات خلال سبتمبر، وفقًا لوكالة رويترز.
نحو 160 نقطة أساس: الفارق المسجل مؤخرًا بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات، وهو الأعلى منذ سنة 2012.
340 مليار يورو: قيمة قياسية من السندات تعتزم فرنسا إصدارها في سنة 2027 لتغطية احتياجاتها التمويلية وإعادة تمويل الديون التي يحين موعد استحقاقها.
أولًا: ما هي السندات الحكومية الفرنسية؟
عندما تحتاج دولة إلى تمويل، يمكنها الاقتراض من الأسواق المالية. وفي فرنسا، يتخذ جزء كبير من هذه القروض شكل سندات الخزانة القابلة للدمج، المعروفة اختصارًا بـ OAT.
وبالتالي، فإن المستثمر الذي يشتري أحد هذه السندات يقرض أموالًا للدولة الفرنسية مقابل الحصول على فوائد واسترداد أصل المبلغ عند حلول تاريخ الاستحقاق.
ويمكن إعادة بيع هذه السندات لاحقًا في الأسواق. وعندما يرغب عدد كبير من المستثمرين في بيعها، ينخفض سعرها ويرتفع عائدها. وبالنسبة للدولة، يعني ذلك تدريجيًا ارتفاع تكلفة الاقتراض الجديد وإعادة تمويل الديون السابقة التي يحين موعد استحقاقها.
مدير أصول ياباني كبير يبيع سندات فرنسية
فقد أعلن مدير الأصول الياباني أنه قام مؤخرًا ببيع سندات حكومية فرنسية لشراء سندات ألمانية ويابانية بدلًا منها، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز.
وقد قُدّم التوجه نحو الدين الألماني باعتباره خطوة تهدف إلى البحث عن أصول أكثر جودة وأمانًا. لكن من الضروري التمييز هنا بين الجهات المعنية، إذ لا يتعلق الأمر بأن «اليابان» تبيع الدين الفرنسي، بل بمدير أصول ياباني اتخذ هذا القرار بخصوص بعض المحافظ الاستثمارية التي يديرها.
مستثمرون آخرون يقلصون بدورهم انكشافهم على الدين الفرنسي
لا تقتصر هذه التحركات على اليابان.
فقد أفادت شركة Keyridge Asset Management في نهاية سبتمبر بأنها تعتمد بالفعل مركزًا استثماريًا منخفض الوزن النسبي في السندات الفرنسية. ويعني ذلك أن مدير الأصول، الذي ينشط أساسًا في المملكة المتحدة، يحتفظ بحصة من الدين الفرنسي أقل مما تقتضيه عادة استراتيجيته الاستثمارية المرجعية. كما أشار المسؤول عن استثمارات السندات بالشركة، جون ثورنتون، إلى إمكانية تقليص هذا الانكشاف بدرجة إضافية.
وفي أسواق العقود الآجلة، نقلت رويترز أيضًا أن بعض المستثمرين يتخذون مراكز مالية للاستفادة من احتمال حدوث تدهور إضافي في وضع السندات الفرنسية، ولا سيما من خلال بيع العقود الآجلة المرتبطة بسندات الخزانة الفرنسية (OAT).
صناديق تحوّط اضطرت أيضًا إلى إغلاق بعض مراكزها
ساهم عامل آخر في زيادة عمليات البيع، يتمثل في اعتماد عدد من صناديق التحوّط استراتيجيات مالية مرتبطة بالسندات الحكومية الفرنسية وأسعار الفائدة.
وقد حددت وكالة بلومبرغ خصوصًا صندوقي Taula Capital Management UK وBalyasny Asset Management ضمن الجهات التي اضطرت إلى إغلاق بعض هذه العمليات بسرعة عندما شهدت السوق الفرنسية انعكاسًا في اتجاهها.
وهذا التمييز مهم، إذ لم يكن الأمر يتعلق بالضرورة بمستثمرين قرروا منذ البداية أن «فرنسا أصبحت شديدة المخاطر». فقد أُغلقت بعض المراكز المالية بسبب الخسائر الناجمة عن تحركات أسعار الفائدة. غير أن عمليات الخروج هذه ساهمت بدورها في زيادة ضغوط البيع على السوق الفرنسية.
الإشارة الأهم: ألمانيا تستعيد مكانتها كملاذ آمن
يظهر هذا التحول بوضوح في مستويات أسعار الفائدة.
فخلال سبتمبر، ارتفع عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات بمقدار 70 نقطة أساس، ليبلغ أعلى مستوى له منذ سنة 2002، وفقًا لوكالة رويترز.
والأهم أن الفارق مع عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات اقترب من 160 نقطة أساس، أي ما يعادل نحو 1.60 نقطة مئوية. ويُعد هذا الفارق مقياسًا للعلاوة الإضافية التي يطالب بها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية بدلًا من نظيرتها الألمانية.
ويمثل ذلك أعلى مستوى لهذا الفارق منذ أزمة ديون منطقة اليورو سنة 2012. وفي المقابل، استفادت السندات الألمانية من عمليات شراء مدفوعة بالبحث عن الأمان.
لماذا أصبح المستثمرون أكثر حذرًا؟
تتداخل عدة عوامل لتفسير هذا التحول.
فقد بلغ الدين العام الفرنسي 3595.5 مليار يورو في نهاية الثلاثي الثاني من سنة 2026، أي ما يعادل 119.0% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (Insee). وارتفع حجم الدين بمقدار 59.6 مليار يورو خلال ثلاثة أشهر.
ومن المتوقع أن يبلغ العجز العمومي نحو 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2026. وتسعى الحكومة إلى خفضه إلى 5% في سنة 2027، في وقت لا تزال فيه الأسواق متشككة بشأن القدرة السياسية على تنفيذ إجراءات التوفير المعلنة بصورة مستدامة.
ويضاف إلى ذلك سياق عالمي يتسم بارتفاع عوائد السندات. ولذلك، فإن فرنسا ليست البلد الوحيد المتأثر بهذه التطورات، غير أن مستوى مديونيتها وعجزها العمومي وحالة عدم اليقين السياسي زادت من حدة الضغوط على سنداتها الحكومية.
باريس تقر أيضًا بتراجع الطلب على الديون طويلة الأجل جدًا
جاءت إشارة أخرى مباشرة من الحكومة الفرنسية.
فقد أعلنت وزارة المالية الفرنسية، يوم 7 أكتوبر، أن البلاد أصدرت مؤخرًا كميات أقل من السندات التي تتجاوز آجال استحقاقها 30 سنة، بعدما أبلغ المتعاملون المختصون في تسويق الدين الحكومي عن تراجع الطلب على هذه الآجال خلال الأشهر الأخيرة.
كما تطرق وزير المالية رولان ليسكور إلى إمكانية اعتماد آجال استحقاق أقصر قليلًا لبعض الإصدارات المستقبلية، مع التأكيد على أن الأمر لا يتجاوز تعديلًا محدودًا. وتؤكد الوزارة أنه لا يوجد تغيير شامل في استراتيجية إصدار الدين.
لكن لا توجد حتى الآن موجة انسحاب جماعي للمستثمرين
وهنا تكمن النقطة الأساسية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار.
فأحدث الإحصائيات التفصيلية الصادرة عن بنك فرنسا تتعلق بالثلاثي الأول من سنة 2026، أي قبل التوترات الحادة التي شهدتها الأسواق خلال شهري سبتمبر وأكتوبر. وتُظهر هذه البيانات أن المستثمرين غير المقيمين كانوا، على العكس، يواصلون خلال تلك الفترة شراء سندات الدين الفرنسية بكميات كبيرة.
فخلال الثلاثي الأول، اشترى المستثمرون غير المقيمين سندات دين أصدرتها جهات مقيمة في فرنسا بقيمة 132 مليار يورو. كما ارتفعت حصتهم في حيازة ديون الإدارات العمومية طويلة الأجل من 54.6% إلى 55.9%.
لكن هذه الأرقام لا تسمح بتحديد ما حدث منذ الارتفاع الحاد في عوائد السندات خلال سبتمبر.
فرنسا لا تزال تجد مشترين لسنداتها
رغم الضغوط الحالية، لا تزال الدولة الفرنسية قادرة على الوصول إلى الأسواق المالية للاقتراض.
ففي الأول من أكتوبر، نجحت وكالة الخزانة الفرنسية في طرح سندات حكومية طويلة الأجل بقيمة 11.999 مليار يورو. وبحسب مختلف فئات السندات المعروضة، تراوحت طلبات المستثمرين بين 2.00 و3.02 أضعاف المبالغ التي تم تخصيصها فعليًا.
ويُظهر ذلك أن المشكلة الحالية لا تتمثل في الغياب التام للمشترين، بل تتعلق أساسًا بمستوى الفائدة الذي يطالب به المستثمرون لإقراض فرنسا، ومدى استعدادهم للاحتفاظ بسنداتها الحكومية عندما تتوفر بدائل يعتبرونها أكثر أمانًا.
أهم ما يجب معرفته
• أقدم عدد من المستثمرين بالفعل على بيع سندات فرنسية أو تقليص انكشافهم عليها أو إغلاق مراكز مالية مرتبطة بالدين الفرنسي.
• تستفيد ألمانيا من توجه المستثمرين نحو الأصول الأكثر أمانًا، على حساب فرنسا خصوصًا.
• أصبحت فرنسا تدفع علاوة أعلى بكثير من ألمانيا مقابل الاقتراض من الأسواق.
• تراجع الطلب على السندات الحكومية الفرنسية ذات آجال الاستحقاق الطويلة جدًا.
• لكن البيانات المتاحة لا تسمح بالحديث عن تخلي المستثمرين الأجانب بصورة جماعية عن الدين الفرنسي.
وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كان «المستثمرون يفرّون من فرنسا»، بل يتمثل أساسًا في معرفة إلى متى سيظل هؤلاء المستثمرون مستعدين لتمويل الدولة الفرنسية دون المطالبة بعلاوة مخاطر تتزايد باستمرار.
“`
احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب