فرنسا: غلاء المعيشة واحتجاجات طلابية ومديونية قياسية… لماذا يتصاعد التوتر؟
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلغلاء المعيشة، تلاميذ المعاهد في الشوارع، أعمال عنف على هامش الاحتجاجات، دين عمومي يناهز 3600 مليار يورو، ارتفاع أسعار الفائدة وجدال جديد حول جوردان بارديلا: أزمات عديدة تتزامن حاليا في فرنسا.
لفهم الوضع، يجب التمييز بين الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمالية والسياسية. ولا يعني أي من هذه المؤشرات، بمفرده، أن فرنسا تمر بأزمة مالية، لكن تراكمها يقلص هامش تحرك الحكومة قبل بضعة أشهر من الانتخابات الرئاسية لسنة 2027.
* التضخم: يُتوقع أن ترتفع أسعار الاستهلاك بنسبة 3.0% على أساس سنوي في سبتمبر 2026، مع زيادة بنسبة 21.2% في أسعار الطاقة و9.9% في أسعار المنتجات الغذائية الطازجة.
* التشغيل: بلغت نسبة البطالة 8.3% خلال الربع الثاني، أي ما يعادل 2.7 مليون شخص، بزيادة قدرها 261 ألف عاطل مقارنة بالعام السابق.
* تلاميذ المعاهد: شارك في احتجاجات 6 أكتوبر ما بين 266 ألف متظاهر، وفق وزارة الداخلية، و450 ألفا بحسب المنظمين.
* الدين: بلغ الدين العمومي 3595.5 مليار يورو في نهاية يونيو، أي ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي.
* أسعار الفائدة: تجاوز عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات مؤخرا 5%، في حين تخطى الفارق مع ألمانيا 150 نقطة أساس.
تكاليف الحياة اليومية ترتفع من جديد
تتمثل الإشارة الأولى في ما تشعر به الأسر مباشرة. فبحسب التقديرات الأولية للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية «إنسي»، قد يبلغ التضخم في فرنسا 3.0% على أساس سنوي في سبتمبر 2026، مقابل 2.4% في أغسطس و1.8% في يونيو.
غير أن هذا المتوسط يخفي زيادات أكبر بكثير في بعض بنود الإنفاق، إذ ترتفع أسعار الطاقة بنسبة 21.2% على أساس سنوي، والمنتجات الغذائية الطازجة بنسبة 9.9%، والخدمات بنسبة 2.2%. أما أسعار المواد الغذائية إجمالا فترتفع بنسبة 1.5%.
وتؤثر صدمة أسعار الطاقة الدولية بشكل خاص على فرنسا، إذ تنتقل الزيادة في أسعار النفط والغاز تدريجيا إلى أسعار الوقود والتدفئة والنقل وتكاليف الشركات.
وفي الوقت نفسه، تظل ثقة الأسر متدهورة. فقد بلغ مؤشر «إنسي» 86 نقطة في سبتمبر، وهو مستوى أدنى بكثير من متوسطه طويل الأجل المحدد عند 100 نقطة.
البطالة ترتفع إلى 8.3%
شهد سوق العمل بدوره تدهورا. وخلال الربع الثاني من سنة 2026، ارتفع عدد العاطلين وفق تعريف منظمة العمل الدولية بنحو 62 ألف شخص ليصل إلى 2.7 مليون شخص.
وارتفعت نسبة البطالة إلى 8.3% من السكان النشطين، بزيادة قدرها 0.2 نقطة خلال ثلاثة أشهر و0.7 نقطة خلال عام. وبذلك باتت فرنسا تسجل 261 ألف عاطل إضافي مقارنة بالعام السابق. ويوضح «إنسي» أن هذه أعلى نسبة منذ الربع الثالث من سنة 2020، الذي تزامن مع الأزمة الصحية، وقبل ذلك منذ الربع الثالث من عام 2019.
لماذا خرج تلاميذ المعاهد إلى الشوارع؟
منذ منتصف سبتمبر، توسعت حركة احتجاجية لتلاميذ المعاهد لتشمل عددا كبيرا من المؤسسات التعليمية. وتتركز المطالب خصوصا حول الاكتظاظ داخل الأقسام، ونقص المدرسين وأطر الصحة المدرسية، وحالة بعض المباني، وصعوبات تعويض الأساتذة، إلى جانب المخاوف المرتبطة بمنصة «Parcoursup» ومستقبل الشباب.
واتخذت الحركة طابعا وطنيا. فخلال يوم 6 أكتوبر، أحصت وزارة الداخلية 266 ألف متظاهر، بينما أعلن المنظمون مشاركة 450 ألفا. وأفادت وكالة رويترز بأن أكثر من نصف المعاهد الفرنسية أغلقت أو شهدت عمليات تعطيل خلال ذلك اليوم.
وبذلك تحولت الاحتجاجات المدرسية إلى أزمة سياسية، إذ لم تعد مرتبطة بإجراء محدد فقط، بل أصبحت تعبر عن قلق أوسع بشأن ظروف الدراسة والآفاق المهنية وقدرة المرافق العمومية على الاستجابة للاحتياجات.
العنف واستخدام القوة: جبهة أخرى للأزمة
شهدت الاحتجاجات أيضا مواجهات وعددا كبيرا من الإصابات. ومنذ منتصف سبتمبر، تشير الحصيلة التي تداولتها وسائل الإعلام الفرنسية إلى إصابة 215 تلميذا و85 من العاملين في القطاع التربوي وأكثر من 700 من أفراد قوات الأمن.
وخلال يوم 6 أكتوبر وحده، تم إيقاف 488 شخصا. كما شهدت عدة مدن مواجهات استُخدم خلالها الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه ووسائل أخرى لحفظ النظام.
ومن أخطر الحالات إصابة فتى يبلغ من العمر 15 عاما أدت إلى فقدانه إحدى يديه إثر انفجار قنبلة تستخدمها الشرطة في مدينة لانس. وتم فتح تحقيقات بشأن عدة حوادث. كما نددت جمعيات ومسؤولون سياسيون بما وصفوه باستخدام غير متناسب للقوة.
في المقابل، ترفض الحكومة وصف ما حدث بـ«القمع البوليسي»، وتشدد أيضا على أعمال العنف التي استهدفت قوات الأمن والعاملين والمؤسسات. ومن ثم، يجب التمييز بين الوقائع التي لا تزال محل تحقيق وبين التوصيفات السياسية التي تُطلق عليها.
3595.5 مليار يورو من الدين العمومي
وراء الأزمة الاجتماعية تبرز مشكلة مالية أقدم بكثير. ففي نهاية الربع الثاني من سنة 2026، بلغ الدين العمومي الفرنسي، وفق معايير ماستريخت، تحديدا 3595.5 مليار يورو.
وارتفع الدين بمقدار 59.6 مليار يورو خلال ثلاثة أشهر، ليمثل حاليا 119% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 117.5% في نهاية الربع الأول.
ولا تكمن أهمية الدين في حجمه فقط، بل في ارتفاع تكلفته أيضا. إذ تتوقع الحكومة أن تبلغ أعباء الفائدة 79.2 مليار يورو في 2026، ثم 91.2 مليار يورو في 2027، أي بزيادة قدرها 12 مليار يورو خلال عام واحد.
ميزانية 2027 تتحول إلى معادلة صعبة
تتوقع الحكومة حاليا نموا محدودا في حدود 0.5% خلال 2026 وعجزا عموميا بنسبة 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي. أما بالنسبة إلى سنة 2027، فيستند مشروع الميزانية إلى نمو بنسبة 1% ويستهدف خفض العجز إلى 5%.
ولتحقيق هذا الهدف، تخطط السلطة التنفيذية لـجهد إجمالي لتصحيح الأوضاع المالية بقيمة 54 مليار يورو، منها 43 مليار يورو من الإجراءات الواردة في مشروعي قانون المالية وتمويل الضمان الاجتماعي. وسياسيا، تبدو المهمة معقدة، إذ إن التخفيض السريع للإنفاق قد يزيد من حدة الاحتجاجات الاجتماعية، فيما قد يؤدي استمرار تفاقم العجز إلى مزيد من تراجع ثقة الأسواق.
المستثمرون لا يهجرون الدين الفرنسي… لكنهم يطلبون عائدا أعلى
سيكون من غير الدقيق القول إن المستثمرين لم يعودوا يرغبون في إقراض فرنسا. فالبلاد لا تزال تجد مشترين لسنداتها، لكن تكلفة هذا التمويل ارتفعت بشكل كبير.
فقد تجاوز عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات مؤخرا 5%، مسجلا أعلى مستوى له منذ نحو أربعة وعشرين عاما. والأهم أن الفارق بين العائد الفرنسي والعائد الألماني لأجل عشر سنوات، المعروف باسم فارق OAT-Bund، تجاوز 150 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى له منذ سنة 2011.
وعمليا، يعني ذلك أن المستثمرين يطالبون بعائد إضافي يقارب 1.5 نقطة مئوية لإقراض فرنسا بدلا من ألمانيا لمدة مماثلة.
وتظهر أحدث عمليات إصدار السندات التي أجرتها وكالة الخزانة الفرنسية أن الطلب ما زال قائما. ففي عدد من السندات طويلة الأجل، بلغت طلبات المستثمرين ما يعادل نحو مرتين إلى ثلاث مرات حجم السندات التي تم تخصيصها فعليا. غير أن متوسط العوائد المسجلة على الإصدارات المعنية تراوح بين 4.93% و5.40%. وبالتالي، لا تكمن المشكلة في غياب المشترين بقدر ما تتمثل في الارتفاع المستمر لتكلفة التمويل.
لماذا يقلق الوضع السياسي الأسواق أيضا؟
لا تراقب الأسواق مستوى الدين فقط، بل تقيّم أيضا قدرة الدولة السياسية على إقرار ميزانية ذات مصداقية وتنفيذها.
وتدخل فرنسا المرحلة الأخيرة قبل الانتخابات الرئاسية لسنة 2027 في ظل مشهد سياسي شديد التشتت. وتختلف قوى المعارضة بعمق بشأن الحلول المقترحة، بين خفض الإنفاق وزيادة بعض الضرائب وإعادة توزيع الموارد أو تعزيز دعم النشاط الاقتصادي. ويجعل هذا الغموض القرارات المتعلقة بالميزانية أكثر تعقيدا.
قضية بارديلا تضيف توترا جديدا
تضاف إلى هذه الصعوبات قضية مثيرة للجدل تطال رئيس حزب التجمع الوطني، جوردان بارديلا.
نشر موقع «ميديابارت» مقتطفات من محادثات خاصة تعود إلى سنة 2013، عندما كان بارديلا يبلغ 17 عاما، وتضمنت تصريحات معادية للسامية وأخرى ذات طابع مؤامراتي نسبها الموقع إليه. ويقول «ميديابارت» إنه تحقق من صحة المحادثات لدى شركة «ميتا»، كما تم توثيق عملية استخراج البيانات رسميا.
لكن جوردان بارديلا ينفي بشكل قاطع الاتهامات والأدلة والمصادر المقدمة. كما ينفي أن يكون صاحب تلك الرسائل، ويعتبر أن الأمر يتعلق بعملية تهدف إلى زعزعة استقراره. من جهته، أعلن حزب التجمع الوطني دعمه لرئيسه.
وتكتسي القضية حساسية سياسية لأنها تأتي في وقت يسعى فيه التجمع الوطني إلى تعزيز مصداقيته في المجالين الاقتصادي والمالي قبيل الانتخابات الرئاسية. وقد هيمنت الأسئلة المتعلقة بهذه القضية جزئيا على المؤتمر الصحفي الذي نظمه الحزب يوم 6 أكتوبر لعرض مقترحاته المتعلقة بالميزانية.
لماذا تتقاطع كل هذه الأزمات في النهاية؟
لا تعيش فرنسا وضعا أصبحت فيه عاجزة عن إيجاد مقرضين، كما أن مؤسساتها الاقتصادية تواصل عملها. غير أن عدة مؤشرات تدهورت في الوقت نفسه، من بينها التضخم والبطالة وثقة الأسر والاحتجاجات الاجتماعية وتكلفة الدين والغموض السياسي.
وتكمن المشكلة في أن الحلول الممكنة قد تتعارض فيما بينها. فقد يساعد الخفض السريع للإنفاق العمومي على طمأنة الأسواق المالية، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى زيادة التوتر داخل المرافق العمومية وفي الشارع. وعلى العكس من ذلك، يمكن للإنفاق الجديد أن يستجيب لبعض المطالب، لكنه قد يزيد من العجز والدين.
وهذا التداخل هو ما يفسر حالة القلق الحالية المحيطة بفرنسا. فالأمر لا يتعلق بأزمة واحدة، وإنما بعدة ضغوط اقتصادية واجتماعية ومالية وسياسية تتزامن في الوقت نفسه، وتجعل كل قرار أكثر صعوبة.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
موصى به لك
*
*
*