آخر الأخبار

تونس – نحو منظومة شغل أكثر شمولا وتنافسية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تحتفل تونس هذا العام بمرور ستة عقود على صدور مجلة الشغل، في محطة تحمل أكثر من دلالة رمزية، إذ تفتح المجال أمام مراجعة هادئة ومتبصرة لمنظومة تشريعية رافقت البلاد منذ دولة الاستقلال وحتى عصر اقتصاد المنصات.

ويكشف تقرير حديث صادر عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، استند إلى إحدى عشرة مساهمة لخبراء في القانون والاقتصاد والشأن الاجتماعي، عن توافق نادر بين مختلف الأطراف حول ضرورة الانتقال نحو منظومة أكثر ملاءمة للتحولات الجارية، وهو ما يمثل في حد ذاته رصيدا سياسيا ثمينا يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.

ستة عقود من التكيف المستمر

راكمت المجلة، منذ صدورها سنة 1966، خبرة تراكمية غنية عبر أربع محطات كبرى، بدءا من مرحلة التعاضد التي انتهت سنة 1969، مرورا بمرحلة الانفتاح الاقتصادي وتشجيع التصدير حتى 1986، ثم مرحلة الإصلاح الهيكلي والعولمة التي عرفت أبرز التنقيحات سنتي 1994 و1996 لصالح مرونة عقود الشغل، وصولا إلى المرحلة الراهنة التي توجت بتنقيح ماي 2025 المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة. وتجاوز عدد التعديلات التي أدخلت على النص المائة تنقيح خلال ستة عقود، وهو ما يعكس قدرة تشريعية ملحوظة على الاستجابة التدريجية لمتطلبات كل مرحلة، وإن كشف في الوقت ذاته عن حدود نموذج الترقيع الجزئي الذي بات يستدعي اليوم مقاربة أكثر شمولا وانسجاما.

هذا وتُظهر المعطيات أن نحو 43.9 بالمائة من القوى العاملة لا تزال خارج مظلة التغطية القانونية الحالية، وفق تقديرات البنك الدولي، وهو ما يمثل مجالا واسعا للإدماج والتوسع بدل اعتباره عجزا فحسب. ويبلغ معدل البطالة العام 15.2 بالمائة، ترتفع إلى 24.2 بالمائة بين حاملي الشهائد العليا من الشباب، فيما تقتصر مشاركة المرأة في سوق العمل على 33.6 بالمائة مقابل 63.5 بالمائة للرجال، رغم أن النساء يمثلن 57.4 بالمائة من خريجي الجامعات. ويقدر البنك الدولي أن سد هذه الفجوة الجندرية وحدها كفيل برفع الناتج المحلي العالمي بنسبة 20 بالمائة، وهو مؤشر يفتح آفاقا واعدة لو أُحسن استثمار الطاقات المعطلة، خصوصا في ظل تسجيل تونس المرتبة 152 من أصل 190 دولة في مؤشر المرأة وأنشطة الأعمال.

التحولات الديمغرافية تحفّز على التفكير الاستباقي

يرسم التعداد السكاني لسنة 2024 صورة واضحة لتحول ديمغرافي عميق، إذ بلغت نسبة السكان فوق الستين عاما نحو 16.9 بالمائة، مقابل نمو سكاني هادئ لا يتجاوز 0.87 بالمائة سنويا، ونسبة إعالة بلغت 28 بالمائة. وتراجع معدل التغطية في صندوق التقاعد من خمسة إلى ستة عمال نشطين لكل متقاعد خلال السبعينات والثمانينات، إلى 2.7 عامل فقط اليوم، فيما يتجاوز عجز صندوق التقاعد 1.1 مليار دينار ويفوق عجز صندوق الضمان الاجتماعي 1.4 مليار دينار.

وتمنح هذه المعطيات صناع القرار أفقا زمنيا كافيا لبناء حلول تمويلية مستدامة قبل أن تتحول التحديات إلى أزمات حادة، خصوصا عبر توسيع قاعدة المنخرطين من العمالة غير المهيكلة، إذ يمكن إدماج 30 بالمائة فقط من هذه الفئة من تعبئة ما بين 325 و400 مليون دينار سنويا.

طرحت المساهمات ثلاث مقاربات إصلاحية متمايزة، تراهن الأولى على تعزيز الحماية الاجتماعية والعمل اللائق وفق معايير منظمة العمل الدولية، وتدفع الثانية نحو مزيد من المرونة الاقتصادية وتحسين مناخ الأعمال والانتداب، بينما تدعو الثالثة إلى إعادة بناء المنظومة وفق نموذج يجمع بين المرونة والأمان الاجتماعي. ورغم هذا التنوع في زوايا النظر، سجل التقرير توافقا مرتفعا جدا حول ست مسائل جوهرية، من بينها إصدار إطار تشريعي جديد يواكب التحولات التكنولوجية، وتنظيم العمل عن بعد والعمل عبر المنصات، وربط الشغل بالضمان الاجتماعي في منظومة متكاملة، وتعويض العقوبات الجزائية في المادة الشغلية بغرامات مالية رادعة، وتفعيل المجلس الوطني للحوار الاجتماعي بجدول أعمال ملزم، والفصل بين الرقابة والمصالحة في جهاز تفقدية الشغل. ويشكل هذا الالتقاء، بحسب الخبراء، أرضية توافق سياسي نادرة في ملف طالما عطلته الخلافات حول التفاصيل.

التجارب الدولية ترسم مسارات ملهمة

توفر التجارب المقارنة دروسا عملية يمكن الاستئناس بها دون استنساخها، إذ تحقق الدنمارك معدل بطالة لا يتجاوز 4.9 بالمائة عبر نموذج يجمع بين مرونة عالية في الانتداب والطرد وضمانات اجتماعية قوية تصل إلى تعويض 90 بالمائة من الأجر لمدة عامين، مقرونة ببرامج تكوين وإعادة إدماج منظمة.

ونجحت إصلاحات هارتز الألمانية بين 2003 و2005 في خفض البطالة من نحو 11 بالمائة إلى 5 بالمائة خلال عقد واحد، بفضل آليات مبتكرة مثل العمل بتوقيت منخفض المدعوم من الدولة عوضا عن اللجوء إلى التسريح. وتقدم تجربة المغرب، الذي استثمر تسع سنوات من الحوار المتأني بين 1995 و2004 قبل إقرار مدونة شغل جديدة، درسا في قيمة الصبر التفاوضي وبناء الشرعية، وهو ما يمنح تونس فرصة لتفادي تعثرات سبق أن عرفتها تجارب أخرى تعجلت الإصلاح دون توافق كاف، على غرار ما شهدته دول جنوب أوروبا خلال أزمة منطقة اليورو.

خارطة الطريق تفتح أفقا واقعيا للتنفيذ

اقترحت الورقة أربعة سيناريوهات متدرجة، تراوحت بين مواصلة التعديلات المتفرقة بكلفة سياسية منخفضة لكن بأثر محدود، وإصلاح شامل عبر إطار تشريعي جديد في أفق ثلاث إلى خمس سنوات يُعتبر الأكثر واقعية، وفصل تشريعي بين منظومتي الشغل والتشغيل في أفق أربع إلى ست سنوات، وإصلاح استراتيجي أوسع يشمل المنظومة الاجتماعية برمتها في أفق خمس إلى عشر سنوات.

وأوصت الورقة باعتماد المسار الثاني على المدى القريب، مع الإبقاء على الأفق الاستراتيجي كخيار تكميلي، إلى جانب حزمة إجراءات فورية ذات توافق مرتفع جدا لا تتطلب سوى قرارات ترتيبية يمكن تفعيلها خلال ستة أشهر، مثل اعتماد التوثيق الرقمي بدل السجلات الورقية وتحديد سقف زمني واضح لعقود الشغل محددة المدة.

تؤكد دروس التجارب المحلية والدولية أن جودة الإصلاح لا تقاس بسرعة إقراره بقدر ما تقاس بقدرته على الصمود، وأن الوقت المخصص لبناء التوافقات يمثل استثمارا ضروريا لا عبئا إضافيا على مسار الإصلاح. ويبقى الرهان الحقيقي اليوم مرتبطا بقدرة مختلف الأطراف الاجتماعية على تحويل هذا الرصيد من التوافق النادر إلى مسار تشاركي فعلي، يفضي إلى عقد اجتماعي جديد يوازن بين حماية العامل من الهشاشة وتوفير بيئة تشريعية تشجع الاستثمار، ويؤسس بذلك لمرحلة تنموية أكثر شمولا واستدامة أمام التحولات الديمغرافية والتكنولوجية المقبلة.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا