آخر الأخبار

الهندسة المدنية والبنية التحتية عنصران أساسيان في دعم جهود السلامة المرورية

شارك

أكد المهندس الرئيس، يامن باي الشطي، رئيس إقليم الوسط الشرقي بالمرصد الوطني لسلامة المرور ورئيس محور البنية التحتية والسرعات الآمنة ضمن الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات للسلامة المرورية، أن البنية التحتية تمثل أحد المحاور الأساسية في منظومة السلامة المرورية، باعتبار أن مدى مطابقتها للمعايير الدولية والوطنية يمكن أن يساهم بشكل مباشر في الحد من حوادث المرور والتقليص من خطورتها.

وأوضح خلال ندوة علمية حول" الهندسة المدنية في خدمة السلامة المرورية من التشخيص الى الحلول المستدامة"، من تنظيم جمعية المهندسين المدنيين بالتعاون مع الهيئة القطاعية للتجهيز والبيئة بعمادة المهندسين التونسيين، أن المؤشرات المسجلة خلال السنة الجارية، رغم الجهود المبذولة من قبل وحدات وشرطة المرور ووزارة الداخلية، تكشف استمرار ارتفاع عدد من المؤشرات المرتبطة بالحوادث، مشيراً إلى ارتفاع حوادث السرعة بنسبة 30 بالمائة، وكذلك حوادث التجاوز الممنوع وحوادث السياقة تحت تأثير الحالة الكحولية بالنسبة نفسها.
واعتبر أن هذه المؤشرات تؤكد أن المعالجة أحادية الجانب لملف السلامة المرورية لا يمكن أن تكون ناجعة بمفردها، داعياً إلى الانتقال نحو معالجة تشاركية تشترك فيها مختلف القطاعات والهياكل المتدخلة في هذا المجال.
البنية التحتية عامل مؤثر في سلوك مستعملي الطريق
وأشار المسؤول بالمرصد الوطني لسلامة المرور إلى أن الهدف من اليوم الدراسي الذي تناول دور البنية التحتية في ملف السلامة المرورية يتمثل في إبراز أهمية هذا الجانب، خاصة أن الإحصائيات المتوفرة عادة ما تركز على العامل السلوكي لمستعمل الطريق، في حين لا يتم إيلاء البنية التحتية الاهتمام نفسه عند تحليل أسباب الحوادث.
وأوضح أن المرصد الوطني لسلامة المرور، من خلال فروعه الجهوية المنتشرة بكامل تراب الجمهورية، يعمل على تقديم أمثلة ميدانية تبرز دور البنية التحتية غير المطابقة لمواصفات السلامة المرورية في التأثير على سلوك مستعملي الطريق.
وبيّن أن بعض الإشكاليات، مثل المنخفضات والتهيئة العشوائية وبعض النقائص في عناصر التحكم في حركة المرور، يمكن أن تساهم في خلق سلوكيات محفوفة بالمخاطر، وبالتالي في ارتفاع احتمالات وقوع حوادث المرور التي تهدد حياة مستعملي الطريق.
الطريق السياحية بالمنستير مثالاً
وضرب يامن باي الشطي مثالاً بالطريق السياحية بالمنستير، التي وصفها بأنها من أفضل الطرقات الموجودة على المستوى الوطني من حيث جودة الطريق، غير أن الإحصائيات تكشف تسجيلها عدداً مرتفعاً من حوادث المرور والحوادث القاتلة، سواء على مستوى ولاية المنستير أو على المستوى الوطني.
وأوضح أن أحد أسباب هذه الحوادث يعود إلى المفترقات الدورانية الموجودة على الطريق، والتي قال إنها لا تتطابق مع المواصفات المطلوبة للسلامة المرورية، ولا تساهم بالشكل الكافي في إجبار مستعمل الطريق على تخفيض السرعة واحترام الأولوية.
وأضاف أن هذه الوضعية تفسر تسجيل عدد من الحوادث الناتجة عن عدم احترام الأولوية، باعتبار أن تصميم المفترقات لا يدفع السائق إلى خفض سرعته بالقدر المطلوب، ما يسمح بمرور المركبات بسرعات مرتفعة ويزيد من مخاطر وقوع الحوادث.
معالجة النقاط السوداء تحدّ من الحوادث
كما تطرق باي الشطي إلى عدد من النقاط السوداء الموجودة على شبكة الطرقات الوطنية، مستشهداً بعدد من النقاط بولاية صفاقس، من بينها نقطة على الطريق الوطنية رقم 14 في الكيلومتر الثامن، وأخرى على الطريق الوطنية رقم 1 في الكيلومتر 176.
وأشار إلى أن بعض هذه النقاط ظلت تسجل الحوادث منذ حوالي ربع قرن، أي منذ سنة 2000 تقريباً، قبل أن تتراجع أو تختفي الحوادث في بعض المواقع إثر التدخل لمعالجة الإشكالات المتعلقة بالبنية التحتية.
وأوضح في هذا السياق أن إحدى النقاط الموجودة على الطريق الوطنية رقم 1 اختفت بعد معالجة الفجوات الموجودة في الأرضية الوسطى المعبدة، وهو ما اعتبره دليلاً على أن التدخلات المتعلقة بالبنية التحتية، حتى وإن كانت محدودة، يمكن أن تساهم بشكل كبير في الحد من عدد الحوادث.
وشدد يامن باي الشطي على أن تحسين البنية التحتية وجعلها مطابقة لمواصفات السلامة المرورية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من معالجة ملف حوادث المرور، إلى جانب العمل على السلوكيات الخطرة لمستعملي الطريق، مؤكداً أن الحد من الحوادث يتطلب مقاربة شاملة وتشاركية تجمع مختلف المتدخلين في منظومة السلامة المرورية.
من جهاه، أكد محمد عياري، مهندس عام بوزارة التجهيز والبيئة وعضو بأيام المهندسين التونسيين، أن الهندسة المدنية والبنية التحتية تمثلان عنصرين أساسيين في دعم جهود السلامة المرورية، مشددًا على أهمية اعتماد مقاربة تشاركية واستباقية تجمع مختلف المتدخلين في هذا المجال.
وأوضح عياري أن دور المجتمع المدني يتمثل في معاضدة جهود الدولة والسلطات العمومية، خاصة في إطار الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات للسلامة المرورية، من خلال دعم التمشي الوطني وتنظيم الورشات والندوات العلمية التي من شأنها إثراء النقاش وتقديم مقترحات وحلول عملية.
وأشار إلى أن المجتمع المدني يمكن أن يساهم كذلك في دعم المشاريع المتعلقة بالتنقل والبنية التحتية، ومن بينها مشروع مديرية التنقلات الحضرية بتونس الكبرى، وذلك عبر الانخراط في المسار من خلال تنظيم النقاشات العلمية وورشات العمل بما يضمن مزيدًا من الانسجام والاندماج بين مختلف المبادرات.
وفي هذا السياق، شدد عياري على أهمية الاستناد إلى المعطيات والإحصائيات المتوفرة حول حوادث المرور، مبرزًا أن المرصد الوطني للسلامة المرورية يوفر عبر موقعه على شبكة الإنترنت معطيات وإحصائيات يمكن الاستفادة منها في فهم الوضع المروري وتحديد مكامن الخلل، وبالتالي تقديم الإضافة ودعم الجهود المبذولة للحد من الحوادث.
الابتعاد عن النزعة القطاعية
وشدد محمد عياري على ضرورة الابتعاد عن العمل وفق "النزعة القطاعية"، مؤكدًا أن السلامة المرورية تتطلب تشاورًا وتنسيقًا مسبقًا بين مختلف القطاعات، باعتبار أن لكل قطاع مخططاته وبرامجه التي ينبغي أن تتكامل مع بعضها البعض.
وأوضح أن قطاع النقل لديه مخططاته، في حين يمتلك قطاع التجهيز والبنية التحتية مخططاته الخاصة، معتبرًا أن التنسيق منذ المراحل الأولى من إعداد المشاريع يسمح بإدماج السلامة المرورية في عملية التخطيط، وإعداد النماذج والسيناريوهات بطريقة استباقية تحمي مستعملي الطريق وتحد من المخاطر قبل وقوع الحوادث.
وأكد أن هذه المقاربة الوقائية تمثل جوهر العمل المطلوب في مجال السلامة المرورية، إذ لا ينبغي انتظار وقوع الحوادث للتدخل، وإنما يجب توقع المخاطر وإدماج عناصر السلامة منذ مرحلة التخطيط والتصميم والتنفيذ.
وبيّن عياري أن المجتمع المدني يمتلك قدرة كبيرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وهو ما يجعله شريكًا مهمًا في هذا المسار، مشيرًا إلى أن هيئة المهندسين التونسيين تضم مهندسين من المؤسسات العمومية والقطاع الخاص، إلى جانب الباحثين وطلبة الهندسة.
واعتبر أن هذا التنوع في الاختصاصات والخبرات يتيح إمكانية إجراء تشاور شامل حول القضايا المرتبطة بالبنية التحتية والسلامة المرورية، بما يساعد على الوصول إلى نتائج أكثر نجاعة.
وأكد أن جمع المهندسين والباحثين والفاعلين في القطاعين العام والخاص وطلبة الهندسة حول طاولة واحدة من شأنه أن يثري النقاش ويتيح تبادل الخبرات والمعارف، خاصة في الملفات التي تتطلب حلولًا متعددة الاختصاصات.
وختم محمد عياري بالتأكيد على أن العمل المشترك والتنسيق بين مختلف القطاعات، إلى جانب انخراط المجتمع المدني والكفاءات الهندسية والبحثية، يمثل مسارًا أساسيًا لترسيخ مقاربة استباقية في مجال السلامة المرورية، وجعل الهندسة المدنية والبنية التحتية جزءًا فاعلًا في الوقاية من حوادث المرور وحماية مستعملي الطرقات.


نسرين علوش

جوهرة المصدر: جوهرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا