هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
اتسم الأسبوع في أوكرانيا بموجة جديدة من الضربات الروسية، وانطلاق الانتخابات التشريعية التي تنظمها موسكو حتى في الأراضي الأوكرانية المحتلة، وتفاقم صعوبات التصدير عبر البحر الأسود، إلى جانب انفتاح مشروط من كييف على خفض التصعيد في ما يتعلق بمنشآت الطاقة. وفي الوقت نفسه، تصاعد الضغط الغربي على روسيا، مع إقرار الكونغرس الأمريكي حزمة جديدة من العقوبات، وإعلان الاتحاد الأوروبي عن مساعدات إضافية بقيمة 3.3 مليارات يورو للدفاع عن أوكرانيا.
أبرز التطورات
فتحت روسيا، اليوم الجمعة 18 سبتمبر، باب التصويت على مدى ثلاثة أيام لتجديد مقاعد مجلس الدوما البالغ عددها 450 مقعدًا. وهذه أول انتخابات تشريعية روسية منذ اندلاع الغزو واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير 2022.
ويُجرى الاقتراع أيضًا في القرم والأجزاء المحتلة من مناطق دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون، وهي أراضٍ تؤكد موسكو أنها ضمتها، في حين لا يحظى هذا الضم باعتراف دولي.
وبالنسبة إلى كييف، لا يتعلق الأمر بانتخابات شرعية. فمنذ 14 سبتمبر، دعا جهاز الأمن الأوكراني، المعروف اختصارًا بـSBU، سكان المناطق المحتلة إلى عدم المشاركة في الاقتراع المقرر بين 18 و20 سبتمبر، متهمًا موسكو بالسعي إلى إضفاء مظهر من الشرعية السياسية على سيطرتها الإقليمية.
كما حذر جهاز الأمن الأوكراني من أن تنظيم مثل هذه الاستشارات في الأراضي المحتلة يعرض القائمين عليها للملاحقة بموجب التشريع الأوكراني. وتنص المادة التي استشهدت بها الأجهزة الأوكرانية على عقوبة تصل إلى عشر سنوات سجنًا بحق المشاركين في تنظيم أو إجراء انتخابات أو استفتاءات غير قانونية في هذه الأراضي. ويستهدف هذا النص المنظمين والمتعاونين معهم، وليس مجرد توجه أحد السكان إلى مكتب اقتراع.
ولا يستند الاعتراض الأوكراني إلى موقف كييف وحده.
فقد أعلن الاتحاد الأوروبي، قبل إجراء الاقتراع، أنه لن يعترف بالانتخابات الروسية المنظمة في الأراضي الأوكرانية المحتلة ولا بنتائجها، مذكرًا بأن محاولات دمج أو ضم أراضي دولة أخرى تتعارض مع القانون الدولي. كما دعا الدول الأخرى إلى عدم الاعتراف بهذه الاستشارات.
وكانت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قد خلصت، بشأن الاستشارات السابقة التي نظمتها موسكو في أوكرانيا، إلى أن الانتخابات على الأراضي الأوكرانية لا يمكن الدعوة إليها وتنظيمها إلا من قبل السلطات الأوكرانية الشرعية، وفقًا للقانون الوطني والمعايير الدولية.
وتكتسب المسألة حساسية خاصة بالنسبة إلى موسكو هذا العام. فقد قدم فلاديمير بوتين الانتخابات التشريعية نفسها باعتبارها مؤشرًا على الوحدة الوطنية ودعم المجهود الحربي. وقد استُبعدت معظم الشخصيات والتيارات التي تعارض الحرب بشكل صريح، أو جرى تهميشها بدرجة كبيرة، من العملية السياسية الروسية.
ومن جانبها، تطالب كييف بـعدم الاعتراف الكامل بالنتائج الناجمة عن التصويت في أراضيها المحتلة، وتدعو إلى فرض عقوبات على الأشخاص المتورطين في تنظيمه.
كما تعيد أوكرانيا طرح اعتراضها السابق على الظروف التي استحوذت فيها روسيا الاتحادية، عام 1991، على المقعد الدائم للاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وتطعن كييف في شروط خلافة روسيا للاتحاد السوفيتي في هذا المقعد.
أما القضية الثانية التي طبعت الأسبوع فتقع بعيدًا عن خطوط المواجهة البرية: الموانئ والطرق التجارية الأوكرانية.
فمنذ عدة أسابيع، كثفت روسيا بشدة ضرباتها ضد البنية التحتية للموانئ في منطقة أوديسا. وكانت وكالة رويترز قد أفادت في مطلع سبتمبر بأن هذه الهجمات أدت فعليًا إلى تعطيل الموانئ البحرية الرئيسية التي كانت تتولى في السابق نحو 90% من الصادرات الأوكرانية، ما أجبر كييف على إعادة توجيه جزء من البضائع نحو موانئ الدانوب والمعابر الحديدية الغربية.
وبات التهديد يشمل الآن السفن التجارية بشكل مباشر.
وفي 17 سبتمبر، أدت ضربة روسية استهدفت سفينة ترفع علم تنزانيا وكانت متجهة إلى ميناء أوكراني إلى مقتل قبطانها وإصابة ثلاثة من أفراد طاقمها، وفقًا لوزارة البنية التحتية الأوكرانية.
وبالنسبة إلى كييف، لم تعد هذه الهجمات تقتصر على مواجهة الاقتصاد الأوكراني، بل تؤثر أيضًا في حرية الملاحة وسلاسل الإمداد الغذائي الدولية.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر بالنظر إلى أن أوكرانيا لا تزال من كبار موردي المنتجات الزراعية في العالم.
وقبل التدهور الكبير الذي لوحظ منذ الصيف، أظهرت بيانات المفوضية الأوروبية لشهر يوليو 2026 أن البحر الأسود كان لا يزال يستحوذ على نحو 80% من صادرات أوكرانيا من الحبوب والبذور الزيتية والمنتجات المرتبطة بها، مقابل نحو 20% عبر «ممرات التضامن» الأوروبية.
وتؤدي هذه الممرات البرية والنهرية التي أنشأها الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا ومولدوفا دورًا أساسيًا في ضمان أمن الصادرات. فمنذ مايو 2022، أتاحت تصدير نحو 230 مليون طن من البضائع الأوكرانية، من بينها قرابة 103 ملايين طن من المنتجات الزراعية، وفقًا لأحدث البيانات الأوروبية المتاحة.
غير أنها لا تستطيع أن تحل بشكل كامل محل القدرات البحرية الأوكرانية.
وتحذر كييف من أن انقطاع صادرات الحبوب لفترة طويلة قد يزيد الضغوط على أسعار المواد الغذائية، ولا سيما في البلدان المستوردة في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.
وتطالب الحكومة الأوكرانية الآن برد أكثر حزمًا من المنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة وشركائها، إلى جانب فرض عقوبات جديدة على الجهات الروسية المتورطة. كما تدعو كييف إلى منع استخدام موانئ البلطيق لتسهيل بعض التدفقات التجارية الروسية. ويظل هذا الطلب الأخير موقفًا أوكرانيًا، وليس في هذه المرحلة قرارًا أوروبيًا جماعيًا.
في موازاة ذلك، لم يتراجع الضغط الروسي على المدن الأوكرانية.
ففي ليلة 16 إلى 17 سبتمبر، شنت روسيا هجومًا باستخدام مزيج من صواريخ أونيكس المضادة للسفن، والصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، ونحو 160 طائرة مسيّرة، وفقًا لسلاح الجو الأوكراني.
وتعرضت ثماني مناطق لأضرار، فيما أصيب أكثر من 20 شخصًا، بينهم 20 في كييف. كما طالت الأضرار منشآت للطاقة في منطقتي سومي وأوديسا.
وقبل ذلك بأيام، في 12 سبتمبر، أسفرت سلسلة أخرى من الضربات الروسية عن مقتل 10 أشخاص وإصابة عشرات آخرين، وفقًا للسلطات الأوكرانية. وقد تم الإبلاغ عن نحو 500 طائرة مسيّرة خلال تلك الموجة من الهجمات.
وتؤكد موسكو بانتظام أن أهدافها تشمل منشآت عسكرية أو صناعية أو للطاقة مرتبطة بالمجهود الحربي الأوكراني. غير أن السلطات الأوكرانية تتحدث عن ضربات متكررة استهدفت أحياء سكنية ومنشآت مدنية وبنى تحتية حيوية.
في المقابل، تواصل أوكرانيا استراتيجيتها القائمة على شن ضربات بعيدة المدى ضد قطاع النفط الروسي.
وفي 17 سبتمبر، استهدف هجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية، من بين أهداف أخرى، مصفاة يانوس في ياروسلافل شمال شرقي موسكو. وأفادت رويترز بأن معالجة النفط الخام توقفت فيها بعد تعرض وحدة تقطير رئيسية لأضرار. وتبلغ الطاقة الإنتاجية لهذه المصفاة نحو 300 ألف برميل يوميًا.
وبالنسبة إلى كييف، تساهم هذه المنشآت بشكل مباشر في تمويل ودعم الجوانب اللوجستية للمجهود العسكري الروسي.
غير أن هذه الضربات تؤثر أيضًا في سوق الطاقة العالمية، إذ تراجعت قدرات روسيا على تكرير النفط وتصدير الديزل، في وقت تشهد فيه مناطق إنتاج رئيسية أخرى اضطرابات كبيرة في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق، فتح فولوديمير زيلينسكي مسارًا دبلوماسيًا جديدًا.
فقد أعلن الرئيس الأوكراني في 14 سبتمبر أن كييف مستعدة لدعم مقترح أمريكي يهدف إلى وقف الضربات المتبادلة ضد المنشآت الحيوية، ولكن فقط إذا تمكنت واشنطن من ضمان التزام موسكو فعليًا بالاتفاق وبشكل مستدام.
والفكرة بسيطة: يمكن للقوات الأوكرانية خفض أو تعليق ضرباتها ضد منشآت الطاقة الروسية إذا أوقفت روسيا، في المقابل، هجماتها على منشآت الطاقة الأوكرانية، وإذا أمكن التوصل إلى خفض أوسع للتصعيد.
ويريد زيلينسكي أن تشمل المباحثات أيضًا طرق نقل المواد الغذائية والبنية التحتية الحيوية. ويشدد خصوصًا على الطابع المستدام لأي اتفاق محتمل، إذ تخشى كييف من هدنة مؤقتة تتيح لموسكو تخفيف الضغط على اقتصادها دون تغيير استراتيجيتها العسكرية بشكل جوهري.
وعليه، يبقى الموقف الأوكراني مزدوجًا: كييف مستعدة لخفض الضربات في حال تحقق مبدأ المعاملة بالمثل بصورة قابلة للتحقق، لكنها تعتزم مواصلة هجماتها بعيدة المدى إذا واصلت روسيا عملياتها.
ويأتي هذا الانفتاح الدبلوماسي في وقت يتصاعد فيه الضغط الاقتصادي الغربي على موسكو.
فقد أقر مجلس النواب الأمريكي هذا الأسبوع حزمة العقوبات الواسعة التي تحمل اسم السيناتور الراحل ليندسي غراهام، وذلك بعد موافقة مجلس الشيوخ عليها.
وتستهدف الحزمة، من بين أمور أخرى، قطاع الطاقة الروسي والبنوك وصناعة الدفاع و«الأسطول الشبح» المستخدم للالتفاف على العقوبات. والأهم أنها تتيح للرئيس الأمريكي فرض رسوم جمركية قد تصل إلى 100% على بعض الدول الكبرى التي تواصل استيراد النفط أو الغاز الروسي.
ولا يزال يتعين توقيع دونالد ترامب على النص. ووصف زيلينسكي هذه الترسانة الجديدة من العقوبات بأنها أداة يمكن أن تزيد الضغط على موسكو بشكل كبير.
وعلى صعيد الدعم العسكري، أعلن الاتحاد الأوروبي بالتوازي عن حزمة جديدة.
وقالت أورسولا فون دير لاين إن 3.3 مليارات يورو ستُمنح لأوكرانيا في 18 سبتمبر لتمويل اقتناء الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتأتي هذه المساعدة في وقت تسعى فيه أوكرانيا خصوصًا إلى تعزيز دفاعاتها الجوية في مواجهة تطور الطائرات المسيّرة الروسية.
وتستخدم موسكو بشكل متزايد طائرات مسيّرة نفاثة، وهي أسرع بكثير من طائرات «شاهد» المسيّرة الأولى التي استُخدمت في بداية النزاع. ويمكن لهذه الطائرات أن تتجاوز سرعتها 400 كيلومتر في الساعة، ما يدفع أوكرانيا إلى تسريع تطوير طائرات مسيّرة اعتراضية جديدة ووسائل دفاع أخرى أقل تكلفة من الصواريخ المضادة للطائرات الغربية.
يكشف هذا الأسبوع بذلك عن مسارين يتقدمان في الوقت نفسه.
فمن جهة، لا تزال الحرب محتدمة: ضربات روسية مكثفة ضد المدن والبنى التحتية الأوكرانية، وهجمات على الموانئ والملاحة التجارية، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة، واستمرار الضربات الأوكرانية ضد المصافي الروسية.
ومن جهة أخرى، بدأت ملامح خفض محتمل للتصعيد تتضح. فكييف تقبل مبدأ وقف متبادل للضربات ضد بعض المنشآت، لكنها تطالب بضمانات وترفض تعليق وسائل الضغط التي تستخدمها من جانب واحد.
وأخيرًا، تضيف الانتخابات الروسية المنظمة حتى 20 سبتمبر في الأراضي الأوكرانية المحتلة بُعدًا سياسيًا إلى هذه المواجهة. ففي الوقت الذي تسعى فيه موسكو إلى ترسيخ إدماج هذه المناطق في مؤسساتها، تؤكد كييف وشركاؤها الأوروبيون أن أي اقتراع يُنظم تحت الاحتلال لا يمكن أن يغير وضعها من منظور القانون الدولي.
وعليه، فإن السؤال المحوري في الأيام المقبلة لن يكون بالقدر نفسه ما إذا كان هناك مقترح لخفض التصعيد، بل ما إذا كان بإمكان موسكو وكييف التوصل إلى آلية متبادلة وقابلة للتحقق ومستدامة بما يكفي لتجاوز مجرد توقف مؤقت للضربات.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية