آخر الأخبار

تونس – مناطق التنمية الجهوية : قفزة استثمارية بـ74.9%

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تكشف المعطيات الصادرة عن الاستثمارات المصرّح بها في القطاعين الصناعي والخدماتي خلال النصف الأول من سنة 2026 عن مشهد اقتصادي متباين الظاهر متماسك الجوهر يتسم بتراجعٌ في عدد المشاريع المعلَنة مقابل نموٌّ لافت في قيمة الأموال الموظَّفة وفي عدد مواطن الشغل المرتقبة، وهو ما يحيل إلى تحوّل نوعي في بنية الاستثمار التونسي أكثر منه إلى تباطؤ في الدينامية الاقتصادية.

تستند هذه القراءة إلى بيانات “نشرة الظرفية” الصادرة عن وكالة النهوض بالصناعة والتجديد عن السداسي الأول من سنة 2026، والتي تُجمِّع تصريحات الاستثمار المسجَّلة لديها، باعتبارها مرجعا رسميا معتمدا لرصد نبض القرار الاستثماري في البلاد قبل أن يتحوّل إلى مشاريع منجَزة على أرض الواقع.

نموّ الاستثمار الصناعي يتفوّق على تراجع عدد المشاريع

بلغ الاستثمار الصناعي المصرَّح به 1057.9 مليون دينار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 955.1 مليون دينار في الفترة ذاتها من 2025، أي بزيادة نسبتها 10.8 بالمائة. وفي المقابل، تراجع عدد المشاريع المصرَّح بها من 1443 إلى 1141 مشروعا، بانخفاض قدره 20.9 بالمائة، وهو ما يعني أن قيمة الاستثمار المتوسطة لكل مشروع ارتفعت بشكل ملحوظ، في مؤشر يوحي بتوجّه المستثمرين نحو مشاريع أكثر حجما وأعمق تأثيرا اقتصاديا بدل تعدّد المبادرات الصغيرة.

وحقّقت مواطن الشغل المرتقَبة القفزة الأبرز في هذه النشرة، إذ ارتفع عددها من 15564 موطن شغل إلى 22582 موطنا، أي بنسبة نمو بلغت 45.1 بالمائة، وهو ما يرسّخ فرضية أن المشاريع الجديدة، رغم قلّة عددها، تتّسم بكثافة تشغيلية أعلى، لا سيما في القطاعات ذات القيمة المضافة الصناعية والتصديرية.

الصناعات الغذائية والميكانيكية تقود التحوّل القطاعي

توزّعت الديناميكية القطاعية بشكل غير متكافئ، إذ سجّلت الصناعات الغذائية نموا في الاستثمار بلغ 35.9 بالمائة، فيما حقّقت الصناعات الميكانيكية والكهربائية ارتفاعا بنسبة 31 بالمائة، وشهدت الصناعات المتنوّعة نموا موازيا وصل إلى 51.1 بالمائة. في المقابل، تراجعت استثمارات صناعة مواد البناء والخزف والزجاج بأكثر من 65 بالمائة، وانكمشت استثمارات الصناعات الكيميائية بحوالي 50 بالمائة، ما يعكس تفاوتا واضحا في جاذبية القطاعات الفرعية داخل النسيج الصناعي الوطني.

وتظهر بنية الاستثمار حسب الغاية أن مشاريع الخلق الجديدة استقطبت 496.2 مليون دينار مقابل 417.5 مليون دينار خلال الفترة المقارنة، بنمو نسبته 18.9 بالمائة، لتمثّل 47 بالمائة من إجمالي الاستثمار المصرَّح به، فيما استأثرت مشاريع التوسعة وتجديد المعدّات بالنسبة المتبقية البالغة 53 بالمائة وبقيمة بلغت 561.6 مليون دينار.

النظام التصديري يستقطب الجزء الأكبر من نمو الاستثمار

قفزت استثمارات المؤسسات الكلّية التصدير بنسبة 58.9 بالمائة لتبلغ 452.6 مليون دينار مقابل 284.8 مليون دينار، فيما ارتفع عدد مشاريعها بأكثر من 171 بالمائة، لتنتقل مساهمتها في إجمالي الاستثمار الصناعي من 30 بالمائة تقريبا إلى ما يناهز 43 بالمائة. ويعكس هذا التحوّل توجّها متصاعدا نحو دمج تونس في سلاسل القيمة العالمية عبر الاستثمارات الموجَّهة للتصدير، لا سيما في قطاعي الصناعات الميكانيكية والكهربائية والصناعات المتنوّعة اللذين استقطبا أكبر حصّة من هذه المشاريع.

وواصلت الاستثمارات ذات المساهمة الأجنبية مسار نموّها، إذ تمّ تسجيل 168 مشروعا خلال النصف الأول من 2026، منها 105 مشاريع أجنبية بالكامل و63 مشروعا في شكل شراكة، بقيمة استثمار بلغت 274.1 مليون دينار مقابل 203.5 مليون دينار، أي بزيادة نسبتها 34.7 بالمائة، مع توقّعات بخلق 8844 موطن شغل. وتصدّرت الصناعات الميكانيكية والكهربائية توزيع هذه الاستثمارات بنسبة 42 بالمائة، تلتها الصناعات المتنوّعة بنسبة 26 بالمائة، فيما استأثرت الاستثمارات المحلية التونسية الخالصة بـ783.8 مليون دينار ونمو بلغ 4.3 بالمائة.

جهود التنمية الجهوية تترجَم في مؤشرات ملموسة

عرفت مناطق التنمية الجهوية تحسّنا لافتا رغم تراجع عدد مشاريعها من 393 إلى 363 مشروعا، حيث قفزت قيمة الاستثمار الموجَّه إليها من 325.7 مليون دينار إلى 569.7 مليون دينار، بنمو استثنائي بلغ 74.9 بالمائة، فيما ارتفع عدد مواطن الشغل المنتظَرة من 4171 إلى 4829 موطنا.

وتصدّرت ولايات سيدي بوزيد وزغوان وسليانة هذا النمو بمعدّلات تجاوزت 200 بالمائة في بعض الحالات، ما يشير إلى بداية استجابة ملموسة للحوافز الموجَّهة لدعم التوازن الجهوي، وإن ظلّت هذه المبالغ متواضعة قياسا بحجم الفجوة التنموية القائمة بين الجهات الداخلية والساحل.

قطاع الخدمات يشهد ثباتا نسبيا في القيمة

سجّل قطاع الخدمات مسارا مغايرا لنظيره الصناعي، إذ تراجع عدد المشاريع المصرَّح بها بنسبة 26.9 بالمائة لينتقل من 5134 إلى 3754 مشروعا، بينما ارتفعت قيمة الاستثمار بشكل طفيف من 506.8 مليون دينار إلى 523.4 مليون دينار، أي بنمو محدود نسبته 3.3 بالمائة. وانخفض عدد مواطن الشغل المرتقَبة في هذا القطاع بنسبة 19.1 بالمائة لتستقرّ عند 12131 موطن شغل، في مؤشر يستدعي مزيدا من التحليل حول قدرة الخدمات على مواصلة دورها التاريخي كرافد رئيسي للتشغيل.

وبرزت الاستثمارات الخدماتية ذات النظام التصديري بوصفها النقطة المضيئة في هذا القطاع، إذ قفزت قيمتها من 2.9 مليون دينار إلى 47 مليون دينار، بنمو استثنائي فاق 1500 بالمائة، فيما ارتفعت الاستثمارات الأجنبية في الخدمات بنسبة 59.4 بالمائة لتبلغ 65.5 مليون دينار، رغم تراجع عدد مشاريعها بنسبة 17.8 بالمائة.

الميزان التجاري الصناعي يواصل اتساع عجزه

أفرزت مبادلات القطاع الصناعي الخارجية توسّعا في العجز التجاري، إذ ارتفعت الصادرات من 29478.3 مليون دينار إلى 31718.6 مليون دينار بنمو نسبته 7.6 بالمائة، في حين قفزت الواردات من 32027.8 مليون دينار إلى 35662.7 مليون دينار بزيادة بلغت 11.3 بالمائة، ليستقرّ العجز التجاري الصناعي عند 3944.1 مليون دينار مقابل 2549.5 مليون دينار خلال الفترة المقارنة. ويُعزى هذا الاتساع أساسا إلى تفاقم عجز قطاعي الصناعات الميكانيكية والكهربائية والصناعات الكيميائية، فيما واصلت الصناعات الغذائية والنسيجية تحقيق فوائض تجارية إيجابية تُخفّف من حدّة الاختلال الإجمالي.

تبين قراءة هذه المؤشرات أن تونس تمرّ بمرحلة إعادة تموقع استثماري، تتراجع فيها الكمّية لصالح النوعية، وتتعزّز فيها الروابط مع الأسواق التصديرية والاستثمار الأجنبي المباشر. ويبقى التحدّي الأكبر أمام صانع القرار الاقتصادي كامنا في مضاعفة عدد المشاريع الصغرى والمتوسطة دون التفريط في زخم المشاريع الكبرى ذات الأثر التشغيلي المرتفع، وفي تعميق الحوافز الجهوية بما يُحوّل النمو الاستثنائي المسجَّل في بعض الولايات الداخلية إلى مسار مستدام، إلى جانب ضرورة احتواء اتساع العجز التجاري الصناعي عبر تعزيز الاندماج في سلاسل التوريد الموجَّهة للتصدير.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا