آخر الأخبار

فرنسا : نمو متعثر وطاقة باهظة… تونس أمام صدمتين متزامنتين

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

قد يبدو تزايد المؤشرات الاقتصادية السلبية في فرنسا بعيداً عن اهتمامات تونس.

لكن الواقع عكس ذلك تماماً. ففرنسا هي الحريف الأول لتونس وأول مستثمر أجنبي فيها، ما يجعلها إحدى أبرز قنوات انتقال تباطؤ الاقتصاد الأوروبي إلى الاقتصاد التونسي.

وتتزامن هذه الهشاشة الفرنسية مع ارتفاع أسعار الطاقة، في وقت يهدد فيه هذا العامل مباشرة الميزان التجاري والمالية العمومية في تونس.

أهم ما يجب معرفته

من المنتظر ألا يتجاوز النمو في فرنسا 0,4% إلى 0,5% خلال 2026، في وقت ترتفع فيه البطالة وكلفة الدين وأسعار الطاقة.

وتستوعب فرنسا نحو 23% من الصادرات التونسية، في حين توفر المؤسسات ذات المساهمة الفرنسية قرابة 170 ألف موطن شغل في تونس.

لكن الخطر الأكبر على تونس في المدى القصير يبقى مرتبطاً بالطاقة، إذ ارتفعت وارداتها من منتجات الطاقة بنسبة 28,5% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026.

وبذلك، قد تجد تونس نفسها أمام صدمتين متزامنتين: ضعف الطلب الأوروبي وارتفاع كبير في فاتورة الطاقة.

فرنسا تدخل مرحلة نمو شبه منعدم

أضفت آخر التوقعات الاقتصادية الفرنسية مزيداً من الضبابية على المشهد خلال 2026.

فالحكومة الفرنسية لم تعد تتوقع نمواً يتجاوز 0,5% هذا العام، في حين جاءت تقديرات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي أكثر تشاؤماً بقليل، عند 0,4%.

وبعد انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0,2% في الربع الأول، دخل الاقتصاد الفرنسي مرحلة ركود خلال الربع الثاني، ليتقدم بذلك بوتيرة أبطأ بوضوح من عدد من شركائه الأوروبيين الرئيسيين.

ويأتي هذا التباطؤ في توقيت حساس، إذ ساهمت التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران ومضيق هرمز في دفع أسعار النفط والغاز والمحروقات مجدداً إلى الارتفاع، بما يعيد إلى الواجهة مخاطر تضخمية كانت أوروبا تعتقد أنها بصدد السيطرة عليها تدريجياً.

تراجع القدرة الشرائية وارتفاع البطالة

أصبح تباطؤ الاقتصاد الفرنسي واضحاً من خلال عدة مؤشرات تمس الأسر مباشرة.

ففي الربع الثاني، تراجعت القدرة الشرائية للفرد بنسبة 0,6%. وعلى كامل سنة 2026، يتوقع المعهد الفرنسي تراجعاً بـ0,4% في القدرة الشرائية، في حين يُرجح ألا يسجل استهلاك الأسر سوى نمو ضعيف جداً.

وارتفعت البطالة إلى 8,3% في الربع الثاني، وقد تبلغ 8,6% بنهاية السنة. كما يُتوقع أن يفقد الاقتصاد الفرنسي عشرات الآلاف من مواطن الشغل المأجورة خلال 2026.

وبالنسبة إلى تونس، تكتسي هذه المؤشرات أهمية خاصة. فضعف النمو في فرنسا لا يصبح إشكالياً فعلاً إلا عندما يبدأ في التأثير في الاستهلاك والاستثمار وطلبات المؤسسات.

الاستثمار والصناعة بدورهما يرسلان إشارات ضعف

من المنتظر أن يتراجع استثمار المؤسسات الفرنسية بشكل طفيف هذا العام، في حين قد يكون التراجع أكبر في استثمارات الأسر.

كما انخفض الإنتاج الصناعي خلال الصيف. ففي جويلية، تراجع بـ0,8% بعد انخفاض بنسبة 1% في جوان.

ويظل الميزان التجاري الفرنسي أيضاً في حالة عجز، بمليارات اليوروهات شهرياً، في حين تبقى حالات إفلاس المؤسسات عند مستويات مرتفعة.

ولا يتعلق الأمر بانهيار اقتصادي. ففرنسا ما تزال تحتفظ بقطاعات قوية، خاصة في الطيران والمنتجات الفاخرة والدفاع والخدمات والتكنولوجيا. لكن مجموع المؤشرات يعكس اقتصاداً يتحرك اليوم بسرعة ضعيفة للغاية.

الدين يقلّص هامش تحرك باريس

المشكلة الثانية التي تواجه فرنسا تتعلق بالمالية العمومية.

فقد تجاوز الدين العمومي بالفعل 3500 مليار يورو في الربع الأول، أي ما يعادل نحو 117,5% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما أقرت الحكومة بأن هدف حصر العجز العمومي في حدود 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2026 أصبح صعب التحقيق.

ومن المتوقع أن تقترب كلفة خدمة الدين من 65 مليار يورو هذا العام. وفي ظل معدلات فائدة مرتفعة، تصبح كل نفقة جديدة موجهة لحماية الأسر من التضخم أو ارتفاع أسعار الطاقة أكثر كلفة على الدولة الفرنسية.

تحول كبير مقارنة بسنة 2022

خلال صدمة الطاقة السابقة، وضعت فرنسا آليات واسعة لحماية المستهلكين من ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز والمحروقات. أما اليوم، ومع ارتفاع الدين وكلفة الفوائد، فإعادة تطبيق منظومة دعم بالحجم نفسه ستكون أكثر صعوبة بكثير.

شبح ثلاثة يورو للتر البنزين

أصبح ارتفاع أسعار المحروقات واحداً من أبرز المخاطر التي تواجه الاقتصاد الفرنسي.

ففي بداية سبتمبر، تجاوز متوسط سعر لتر SP95-E10 مستوى 2,10 يورو، في حين بلغ سعر الديزل نحو 2,28 يورو.

أما فرضية وصول سعر اللتر إلى 3 يورو، التي تطرقت إليها عدة وسائل إعلام فرنسية، فهي لا تعكس السعر الحالي ولا توقعاً مؤكداً، وإنما سيناريو أزمة يفترض استمرار تفاقم التوترات حول النفط ومضيق هرمز لفترة طويلة.

ومن شأن بلوغ مثل هذه المستويات أن يؤثر بقوة على التنقل والنقل البري وأسعار الغذاء والسياحة واستهلاك الأسر.

كما تحدث المفوض الأوروبي السابق تييري بروتون عبر قناة LCI عن كلفة إجمالية في حدود 26 مليار يورو، أي ما يقارب 875 يورو لكل أسرة، نتيجة تداخل التوترات الجيوسياسية والطاقة والقيود التجارية الجديدة. غير أن هذا الرقم يجب تقديمه باعتباره تقديراً اقتصادياً كلياً، وليس فاتورة تُدفع مباشرة من كل أسرة.

بعد الغاز الروسي… اعتماد أكبر على الغاز الأمريكي

يهم التحول العميق الآخر قطاع الغاز.

فقبل الحرب في أوكرانيا، كانت روسيا تؤمّن نحو 45% من واردات أوروبا من الغاز. ومنذ ذلك الحين، خفض الاتحاد الأوروبي هذا الاعتماد بشكل كبير.

لكن جزءاً من هذا الاعتماد استُبدل باعتماد آخر، هذه المرة على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي.

ففي 2025، وفرت الولايات المتحدة نحو 26% من مجموع واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز وحوالي 58% من وارداته من الغاز الطبيعي المسال.

وقد ترتفع هذه النسبة أكثر خلال السنوات المقبلة. وتشير بعض التوقعات إلى أن الغاز الطبيعي المسال الأمريكي قد يمثل ما يصل إلى 80% من مشتريات أوروبا من هذا النوع من الغاز بحلول 2028 إذا استمر الاتجاه الحالي.

وفرنسا معنية مباشرة بهذا التحول، إذ تستورد حوالي 97% من الغاز الذي تستهلكه، خاصة من النرويج والولايات المتحدة والجزائر.

وهكذا، ابتعدت أوروبا عن الغاز الروسي، لكنها أصبحت أكثر انكشافاً على السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال والقرارات الطاقية الأمريكية.

لماذا تونس معنية مباشرة؟

أول رقم يجب التوقف عنده هو 23%.

ففرنسا تستوعب نحو 23% من صادرات تونس من السلع، وتظل الحريف التجاري الأول للبلاد وأحد أهم شركائها الاقتصاديين.

وقد بلغت المبادلات التجارية بين البلدين قرابة 8,9 مليارات يورو في 2025.

بمعنى آخر، عندما تخفض مؤسسة فرنسية مشترياتها أو إنتاجها أو استثماراتها، يمكن أن ينتقل جزء من هذه الصدمة تدريجياً إلى المزودين التونسيين.

الخطر الأول: الصادرات التونسية

تقوم العلاقة الاقتصادية بين تونس وفرنسا إلى حد كبير على سلاسل صناعية مترابطة.

فمؤسسات تونسية تنتج مكونات كهربائية وإلكترونية وميكانيكية ومكونات للسيارات ومنتجات نسيجية وأجزاء للطائرات موجهة إما للسوق الفرنسية أو لمجموعات صناعية فرنسية.

ومن شأن تراجع مطول في الاستهلاك والإنتاج الفرنسيين أن يؤثر لاحقاً في دفاتر طلبات بعض المؤسسات التونسية.

لكن هذا الخطر لم يظهر بعد في أرقام التجارة الخارجية التونسية.

فخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، واصلت الصادرات التونسية إلى فرنسا ارتفاعها بنسبة 3,4%.

لذلك، سيكون من السابق لأوانه الحديث عن انتقال مؤكد للأزمة. فالخطر يتعلق أساساً بالأشهر المقبلة وبسنة 2027 في حال استمرار الضعف الاقتصادي الفرنسي.

الخطر الثاني: الاستثمار الفرنسي في تونس

فرنسا هي أيضاً أول مستثمر أجنبي في تونس.

وتوجد في البلاد نحو 1600 مؤسسة ذات مساهمة فرنسية توفر قرابة 170 ألف موطن شغل.

ومن شأن تراجع استثمارات المؤسسات الفرنسية أن يؤدي إلى تأخير بعض المشاريع أو توسعات المصانع أو عمليات الانتداب في تونس.

لكن هذه العلاقة يمكن أن تنتج أيضاً أثراً معاكساً.

فكلما ارتفعت تكاليف الإنتاج في فرنسا، أصبحت تونس أكثر جاذبية للمجموعات التي تسعى إلى تقريب جزء من أنشطتها من أوروبا مع خفض كلفة الإنتاج.

لذلك، قد يكون الضعف الفرنسي في الوقت نفسه خطراً على الطلبات القائمة وفرصة لتونس في مجال إعادة توطين الأنشطة بالقرب من أوروبا.

الجالية والسياحة: تأثيران يجب مراقبتهما

قد يؤدي ارتفاع البطالة وتراجع القدرة الشرائية في فرنسا أيضاً إلى التأثير بشكل غير مباشر في تحويلات التونسيين المقيمين هناك.

لكن لا توجد، إلى حد الآن، بيانات تسمح بالحديث عن انخفاض في التحويلات نحو تونس. ولذلك، يبقى الأمر مؤشراً يجب مراقبته، وليس نتيجة ثابتة.

أما السياحة، فالصورة أكثر توازناً.

فتراجع القدرة الشرائية يمكن أن يخفض إنفاق الفرنسيين على العطل، لكنه قد يدفع أيضاً عدداً أكبر منهم نحو وجهات أقل كلفة.

وفي مثل هذا السيناريو، قد تستفيد تونس من موقعها السعري مقارنة بفرنسا أو إسبانيا أو إيطاليا.

لكن الخطر الرئيسي على تونس يوجد في مكان آخر

يمثل تباطؤ الاقتصاد الفرنسي خطراً حقيقياً على تونس. غير أن الخطر الأكثر إلحاحاً في المدى القصير يأتي على الأرجح من فاتورة الطاقة.

وتكشف آخر بيانات التجارة الخارجية التونسية عن ذلك بوضوح.

فخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ارتفعت واردات تونس من منتجات الطاقة بنسبة 28,5%.

وبلغ العجز الطاقي نحو 8,93 مليارات دينار، مقابل 7,15 مليارات دينار قبل عام.

وفي الفترة نفسها، بلغ العجز التجاري الإجمالي لتونس نحو 17,85 مليار دينار.

الرقم الأهم

يمثل العجز الطاقي وحده قرابة نصف العجز التجاري التونسي. وبالتالي، يشكل ارتفاع مستمر لأسعار النفط والغاز خطراً أكثر مباشرة على تونس من تباطؤ ببضعة أعشار النقطة في النمو الفرنسي.

لماذا تضرب صدمة الطاقة تونس بسرعة أكبر؟

يؤثر ارتفاع أسعار النفط والغاز في عدة توازنات تونسية في الوقت نفسه.

فهو يوسع العجز التجاري، ويرفع الحاجة إلى العملة الصعبة، ويزيد تكاليف إنتاج الصناعة، ويضغط على المالية العمومية، وقد يرفع الأعباء التي تتحملها المؤسسات العمومية الناشطة في قطاع الطاقة.

كما ينتقل تأثيره، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى النقل والمنتجات الفلاحية ومواد البناء وأسعار الاستهلاك.

لهذا السبب، تشكل صدمة هرمز اليوم تهديداً اقتصادياً كلياً أكثر مباشرة بالنسبة إلى تونس.

الجزائر… عامل تخفيف استراتيجي

تملك تونس، مع ذلك، ميزة لا تتوفر لدى معظم البلدان الأوروبية: قربها الطاقي من الجزائر.

إذ تمر عبر الأراضي التونسية أنابيب الغاز التي تربط الجزائر بإيطاليا. وتحصل تونس على عائدات مرتبطة بمرور الغاز، كما تستكمل احتياجاتها عبر شراء الغاز الجزائري.

وإذا واصلت أوروبا تنويع مصادر إمداداتها وتعزيز دور الجزائر، فقد تزداد الأهمية الاستراتيجية لهذه البنية التحتية.

ويمثل ذلك عاملاً مخففاً للصدمات بالنسبة إلى تونس، لكنه لا يوفر حماية كاملة من الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة.

السيناريو الذي يجب مراقبته: صدمتان في الوقت نفسه

يمكن تلخيص الخطر الذي يواجه تونس في حركتين.

الأولى تأتي من فرنسا. اقتصاد يكاد يتوقف، مع استهلاك أقل واستثمار أضعف وبطالة أعلى، يمكن أن يؤدي تدريجياً إلى تراجع الطلبات الموجهة إلى المؤسسات التونسية.

أما الثانية فتأتي من السوق العالمية للطاقة. استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة وارتفاع أسعار الغاز يزيدان فوراً العجز الطاقي التونسي والحاجة إلى العملة الصعبة.

كل صدمة من هاتين، إذا حدثت منفردة، تبقى قابلة للاستيعاب.

لكن الخطر الحقيقي يظهر إذا تزامنتا واستمرتا لفترة طويلة: فقد تجد تونس نفسها مطالبة بدفع كلفة أعلى لوارداتها من الطاقة في الوقت نفسه الذي يخفّض فيه حريفها الخارجي الأول مشترياته.

و هذا التداخل، أكثر من مجرد ضعف الاقتصاد الفرنسي، هو ما يتعين على السلطات والمؤسسات التونسية مراقبته خلال الأشهر المقبلة.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا