هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
كان منشور واحد على منصة «إكس» صادر عن بعثة دبلوماسية فرنسية كافياً لإشعال توتر استمر ستة أسابيع بين باريس وواشنطن، إلى حد تأخير وصول السفير الفرنسي المقبل إلى الولايات المتحدة.
لكن خلف هذا الحادث تبرز قضية أعمق بكثير: مكانة حقوق الإنسان في الدبلوماسية الأمريكية، والدور نفسه الذي تؤديه مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بقيادة فولكر تورك.
في 24 جويلية، صوّتت الولايات المتحدة ضد تجديد ولاية فولكر تورك لأربع سنوات، قبل أن يحظى القرار في النهاية بموافقة 144 دولة.
وفي اليوم التالي، اعتبرت البعثة الفرنسية في جنيف أن الولايات المتحدة لم تعد «منارة لحقوق الإنسان»، ووضعتها في منشورها ضمن المعسكر نفسه مع روسيا وكوريا الشمالية ونيكاراغوا ومالي.
وردت واشنطن بمغادرة اجتماع لمجلس الأمن أثناء مداخلة فرنسية، كما جمّدت الموافقة على تعيين السفير الفرنسي المقبل أوريليان لو شوفالييه.
وفي 11 سبتمبر، أعربت باريس في النهاية عن أسفها بشأن المنشور، من دون أن تتراجع عن دعمها السياسي لفولكر تورك.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد اقترح تجديد ولاية المسؤول النمساوي، الذي يتولى منصبه منذ أكتوبر 2022، لفترة ثانية مدتها أربع سنوات، تمتد من 12 أكتوبر 2026 إلى 11 أكتوبر 2030.
وقبل التصويت على تجديد ولايته، حاولت واشنطن الحصول على تأجيل لمدة أسبوع. واعتبرت الإدارة الأمريكية أن الدول لم تحصل على وقت كاف للتشاور مع عواصمها ودراسة تعيين بهذه الأهمية.
لكن طلب التأجيل رُفض. وبعد ذلك، صوّتت الولايات المتحدة ضد تجديد ولاية فولكر تورك، موجهة كذلك انتقادات سياسية أوسع إلى حصيلة عمله. وتتهم واشنطن المفوض السامي خصوصاً بتحويل المفوضية إلى أداة مسيسة، وبالمبالغة في انتقاد بعض الديمقراطيات الغربية وإسرائيل، مقابل عدم التشدد بما يكفي تجاه بعض الأنظمة السلطوية.
وتعارض دول عديدة هذه الانتقادات. فقد دافع الاتحاد الأوروبي عن استقلالية المفوضية، في حين عبّرت فرنسا عن دعم واضح لفولكر تورك، مشيدة بـ«حياده» وبعمله من أجل عالمية حقوق الإنسان.
وجاءت نتيجة التصويت واضحة: 144 صوتاً مؤيداً، و10 أصوات معارضة، و13 امتناعاً. وبذلك حصل فولكر تورك على ولاية ثانية.
في اليوم التالي للتصويت، أي في 25 جويلية، نشرت البعثة الدائمة لفرنسا لدى الأمم المتحدة في جنيف رسالة باللغة الإنجليزية، اتسمت بنبرة شديدة وغير معتادة في الخطاب الدبلوماسي.
واعتبرت أن الولايات المتحدة كانت في السابق «منارة لحقوق الإنسان»، لكنها لم تعد كذلك، مشيرة إلى أن واشنطن وجدت نفسها في معسكر الرافضين إلى جانب كوريا الشمالية ونيكاراغوا ومالي وروسيا. واختتم المنشور بوسم #AmericaAlone.
وتجاوز تأثير المنشور عندها بكثير مسألة فولكر تورك وحدها، إذ لم يعد ينتقد فقط تصويتاً أمريكياً، بل بدا وكأنه يشكك في مكانة الولايات المتحدة نفسها باعتبارها مدافعاً تاريخياً عن حقوق الإنسان.
والأهم أن الأمر لم يكن تعليقا شخصيا من دبلوماسي، إذ إن البعثة الدائمة تتحدث رسمياً باسم الدولة التي تمثلها. ولذلك، اعتُبر المنشور في واشنطن هجوماً علنياً صادراً عن الدبلوماسية الفرنسية.
لم يقتصر الرد الأمريكي على وسائل التواصل الاجتماعي. فبعد أيام من المنشور الفرنسي، غادر دبلوماسيون أمريكيون اجتماعاً لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عند بدء ممثل فرنسا في إلقاء كلمته.
لكن الخطوة الأثقل جاءت بعيداً عن الأضواء، في كواليس العلاقات الثنائية. فقد أخرت واشنطن منح الموافقة الدبلوماسية لـأوريليان لو شوفالييه، الذي اختير ليصبح السفير الفرنسي المقبل لدى الولايات المتحدة.
وفي العلاقات بين حليفين مثل فرنسا والولايات المتحدة، تُعد هذه الموافقة عادة إجراءً دبلوماسياً روتينياً. ولذلك، فإن تحويلها إلى وسيلة ضغط يشكل إشارة سياسية قوية بشكل خاص.
وكان لو شوفالييه، مدير ديوان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو والمستشار السابق في قصر الإليزيه، يفترض أن يتولى مهامه في واشنطن خلال شهر سبتمبر.
خلاف بدأ بمنشور على «إكس» انتهى بالتأثير مباشرة في واحدة من أكثر آليات العلاقات بين الدول تقليدية، أي قبول سفير. وهكذا أظهرت واشنطن أنها تعتبر أن التصريحات العلنية الصادرة عن حلفائها قد تترتب عليها تداعيات دبلوماسية مباشرة.
بعد أسابيع عدة من المشاورات غير المعلنة، نشرت البعثة الفرنسية في جنيف أخيراً، يوم 11 سبتمبر، بياناً صيغ بالكامل باللغة الإنجليزية.
وقالت باريس فيه إنها تأسف للمنشور الصادر في 25 جويلية، والذي شكك في التزام الولايات المتحدة بحقوق الإنسان. وأوضحت الدبلوماسية الفرنسية أن الخلاف بين البلدين كان يتعلق بتصويت محدد وليس بالدفاع عن حقوق الإنسان ككل.
كما ذكّرت بالتحالف التاريخي بين فرنسا والولايات المتحدة وبقدرتهما على مواصلة العمل معاً داخل الأطر متعددة الأطراف.
والتمييز هنا أساسي: فرنسا لم تسحب دعمها لفولكر تورك، كما لم تتراجع عن تصويتها في 24 جويلية. وإنما أعربت عن أسفها لصياغة الهجوم ضد الولايات المتحدة وللتعميم الذي تضمنه.
وسارعت واشنطن إلى تسجيل هذه الخطوة. وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها تقدر البيان الفرنسي وترغب في مواصلة التعاون بشأن القيم والمصالح المشتركة.
لكن، وحتى 13 سبتمبر، لا يعني ذلك بعد أن الموافقة على تعيين أوريليان لو شوفالييه قد صدرت رسمياً. ومن شأن الخطوة الفرنسية أن تساعد على فك الجمود، غير أن الإجراء الأمريكي ما زال يحتاج إلى استكمال مساره.
النتيجة الأولى دبلوماسية. فقد اضطرت فرنسا إلى القيام علناً بخطوة تهدئة لإنهاء خلاف مع أبرز حلفائها عبر الأطلسي. وتعيد هذه القضية التذكير بأن التواصل المؤسساتي عبر شبكات التواصل يمكن أن يحمل الوزن نفسه تقريباً الذي تحمله التصريحات الدبلوماسية التقليدية.
النتيجة الثانية تتعلق بالعلاقات الفرنسية الأمريكية. لا حديث عن قطيعة في التحالف. لكن الرد الأمريكي يكشف عن علاقة أكثر براغماتية وتبادلية، حيث تقبل واشنطن باستخدام أدوات دبلوماسية شديدة التنظيم والتقنين تقليدياً من أجل دفع شريك إلى إصدار تصحيح علني.
أما النتيجة الثالثة فتتعلق بالتعددية الدولية. فالقضية تتجاوز باريس وواشنطن. وهي تكشف عن مواجهة متزايدة بشأن منظومة حقوق الإنسان الدولية. فالولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب لا تعترض فقط على بعض مواقف المفوضية، بل كذلك على طريقة عملها وتمويلها وما تعتبره تسييساً لنشاطها.
وأخيراً، تطرح القضية مسألة التواصل الدبلوماسي. فقد حقق منشور صُمم لإحداث أثر سياسي انتشاراً واسعاً، لكن تكلفته تجاوزت بكثير مجال الاتصال. وقد تستخلص العواصم من ذلك درساً واضحاً: في الحسابات الرسمية، تكاد الحدود بين التواصل الرقمي والسياسة الخارجية تختفي بالكامل.
قد يوحي النقاش بأن فولكر تورك يترأس ما يشبه محكمة دولية لحقوق الإنسان. لكن الأمر ليس كذلك.
فالمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان هو المسؤول الأول عن ملف حقوق الإنسان داخل منظومة الأمم المتحدة. ويرأس فولكر تورك مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، المعروفة اختصاراً بـOHCHR، ومقرها في جنيف.
ومن المهم التمييز بين مؤسسته ومجلس حقوق الإنسان. فالمجلس هيئة سياسية حكومية دولية تضم 47 دولة، أما المفوضية فهي جزء من الأمانة العامة للأمم المتحدة وتضم موظفين وخبراء يتولون متابعة أوضاع حقوق الإنسان.
ويقدم المفوض السامي المشورة للأمين العام للأمم المتحدة، وينبه إلى الانتهاكات الجسيمة، وينشر تقارير ومواقف، وينسق جزءاً من عمل الأمم المتحدة في هذا المجال، كما يقدم دعماً فنياً للدول. وتساند المفوضية أيضاً الخبراء المستقلين، والهيئات المكلفة بمراقبة تنفيذ المعاهدات الدولية، وعدداً من آليات مجلس حقوق الإنسان.
وبالتالي، يمكن لفولكر تورك، عبر مفوضيته، التحقيق والتوثيق والتنبيه والتوصية والحوار مع الحكومات وممارسة ضغط سياسي وأخلاقي مهم.
لكنه لا يملك في المقابل صلاحية إدانة دولة قضائياً، أو فرض عقوبات عليها، أو إصدار أمر باعتقال مسؤول. وتقوم قوته أساساً على خبرة المفوضية، ونشر المعلومات، وقدرة الأمم المتحدة على وضع بعض الملفات تحت الرقابة الدولية.
منذ توليه منصبه عام 2022، يدافع فولكر تورك عن رؤية تقوم على أن المبادئ نفسها يجب أن تنطبق على القوى الكبرى كما تنطبق على الدول الأضعف.
وقد انتقدت مفوضيته أو أثارت تساؤلات بشأن سياسات حكومات عديدة، من بينها الولايات المتحدة. وتنتقد واشنطن خصوصاً مواقفه المتعلقة بالهجرة ومعاملة المهاجرين، إلى جانب ما تعتبره أداءً لمنظومة الأمم المتحدة يتسم بالعداء تجاه بعض حلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل.
وخلال نقاش 24 جويلية، جمعت البعثة الأمريكية بين حجتين: الاعتراض على مسار تجديد الولاية، الذي اعتبرته متسرعاً، وانتقاد مضمون أداء المفوض السامي نفسه.
أما المدافعون عنه، فيرون على العكس أن استقلالية المفوض السامي تفترض تحديداً أن يكون قادراً على انتقاد جميع القوى، بما في ذلك تلك التي تمول جزءاً كبيراً من منظومة الأمم المتحدة.
وفي كل الأحوال، أظهر التصويت النهائي أن هذه القراءة الثانية ما تزال تحظى بأغلبية واسعة جداً داخل الجمعية العامة، إذ وافقت 144 دولة على تجديد ولاية فولكر تورك رغم المعارضة الأمريكية.
قد تُختصر القصة في كونها مجرد أزمة جديدة اندلعت على منصة «إكس». لكن ذلك سيغفل جوهر المسألة.
فخلال أسابيع قليلة، ربطت القضية بين ثلاثة مستويات من السياسة الدولية: الصراع حول مستقبل منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وتطور السياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب، والإدارة اليومية لتحالف فرنسي أمريكي يعود إلى أكثر من قرنين.
وفي النهاية، اختارت باريس التسوية. فقد تراجعت فرنسا عن الطابع العام لهجومها على الولايات المتحدة، لكنها احتفظت بموقفها الأساسي بشأن فولكر تورك ودور المفوضية.
وربما هنا تكمن الخلاصة الفعلية للأزمة: واشنطن حصلت على اعتذار بشأن الكلمات، لكنها لم تحصل على تغيير في التصويت الفرنسي ولا على تراجع عن دعم فولكر تورك.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية