هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
تؤكد تطورات هذا الأسبوع اتجاها بات أكثر وضوحا على الجبهة الأوكرانية: روسيا تواصل هجماتها، لكن مكاسبها الميدانية تبقى محدودة جدا مقارنة بالخسائر البشرية التي يتكبدها جيشها.
ووفقا للبيانات الأوكرانية، انتهى شهر أوت 2026 بفارق لم يتجاوز 5 كيلومترات مربعة بين الأراضي التي احتلتها روسيا وتلك التي حررتها أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، يُعتقد أن الخسائر الروسية تجاوزت 42 ألف عسكري، وهو مستوى قياسي منذ بداية الحرب.
وتلخص هذه المفارقة المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه موسكو: تقدم محدود، وخسائر مرتفعة، مع الاستمرار رغم ذلك في تقديم الهجوم باعتباره مسارا منتصرا.
تواصل روسيا هجماتها، لا سيما في شرق أوكرانيا، غير أن وتيرتها بدأت تتباطأ.
وبحسب المعطيات الأوكرانية، انخفض المتوسط العام لوتيرة العمليات الهجومية الروسية خلال سنة 2026 إلى مستوى يقل بنحو 3.5 مرات عن وتيرته في 2025. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، لم ترتفع المساحة الإجمالية للأراضي التي تسيطر عليها موسكو مؤقتا سوى بنسبة 0.2%.
ويبقى الهدف الروسي السيطرة الكاملة على مقاطعة دونيتسك. لكن بالمعدل الحالي، قد تحتاج القوات الروسية إلى أكثر من عامين لتحقيق ذلك، مع كلفة بشرية قد تتجاوز مليون خسارة.
ولا يعني ذلك أن الوضع أصبح سهلا بالنسبة إلى كييف. فالجبهة ما تزال قاسية، والقصف مستمرا، والمدن الأوكرانية لا تزال تتعرض للضربات الروسية. غير أن الأرقام تتناقض مع رواية الجيش الروسي الذي لا يمكن إيقافه.
موسكو ما تزال تتقدم، لكنها تستنزف بوتيرة أسرع من قدرتها على كسب الأرض.
في مواجهة هذه الحرب، تعمل أوكرانيا على تطوير نهج آخر يقوم على ضرب القدرات التي تمكّن روسيا من مواصلة عملياتها الهجومية.
ووفقا لبيانات مفتوحة استشهدت بها كييف، نفذت القوات الأوكرانية خلال شهر أوت أكثر من 70 ضربة ناجحة بعيدة المدى ضد أهداف عسكرية مشروعة داخل روسيا. وتركزت الأهداف أساسا في ثلاث فئات: المنشآت العسكرية، والبنية التحتية للنفط والغاز، والشبكات اللوجستية.
ويُعتقد أن أقصى مدى لهذه الضربات بلغ 1900 كيلومتر خلال أوت. وتؤكد كييف أن هذه المسافة لا تمثل حدا نهائيا لقدراتها.
والمنطق واضح: تقليص قدرة موسكو على القصف والإمداد والنقل والإنتاج وتمويل الحرب.
ولا تستهدف أوكرانيا هذه المنشآت لمجرد توجيه رسائل رمزية، بل تضرب السلاسل التي تحوّل الطاقة والصناعة واللوجستيات الروسية إلى قوة عسكرية تُستخدم ضد المدن الأوكرانية.
في 9 سبتمبر، تجاوزت الطائرات المسيّرة الأوكرانية عتبة جديدة بعدما استهدفت مصنعين لمعالجة مكثفات الغاز في منطقة يامالو-نينيتس ذاتية الحكم، في أقصى الشمال الروسي.
وبحسب كييف، تعد هذه أول ضربة ناجحة ضد أهداف تقع في هذه المنطقة. وتُقدّر المسافة بين أوكرانيا والمنشآت المستهدفة بنحو 3000 كيلومتر.
وتحمل هذه العملية رسالة واضحة: حتى البنى التحتية الاستراتيجية الروسية الواقعة بعيدا جدا عن الجبهة لم تعد خارج نطاق الاستهداف بشكل كامل.
وتتمتع منشأتا نوفي أورينغوي وبوروفسكي بطاقة معالجة مشتركة تتجاوز 30 مليون طن من المواد الخام سنويا. وتنتجان، من بين منتجات أخرى، وقود الطائرات والديزل المستخدمين لتلبية احتياجات الجيش الروسي.
ومن خلال استهداف هذه المنشآت، تضرب كييف نقطة حساسة في آلة الحرب الروسية، تتمثل في الطاقة التي تغذي المجهود العسكري.
يمتد الضغط الأوكراني أيضا إلى الجنوب.
ففي أنابا، تؤكد القوات الأوكرانية أنها دمرت مقاتلة بحرية من طراز «سو-33»، ومروحية «مي-8»، ونظامين للحرب الإلكترونية مرتبطين بمنظومات الدفاع الجوي «إس-300» و«إس-400».
وفي نوفوروسيسك، يُعتقد أيضا أن زوارق عسكرية روسية تعرضت للإصابة.
وتكشف هذه العمليات عن استراتيجية متماسكة تستهدف إضعاف الطيران، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والأسطول، وإمدادات الوقود، والشبكات اللوجستية الروسية.
ولفترة طويلة، اعتقدت موسكو أن بإمكانها ضرب العمق الأوكراني مع إبقاء مناطقها الخلفية في مأمن نسبي. لكن هذه المرحلة بدأت تتراجع.
تندرج الضربات الأوكرانية ضمن إطار سياسي وعسكري محدد.
فقد جعلت روسيا من استهداف المدنيين عنصرا ضمن استراتيجيتها، من خلال قصف المدن والمنشآت الطاقية والموانئ والمساكن والمدارس والمستشفيات.
وفي مواجهة ذلك، تقول كييف إنها تمارس حقها في الدفاع عن النفس من خلال استهداف الوسائل التي تمكّن موسكو من مواصلة الحرب.
والتمييز هنا أساسي: روسيا، بحسب الرواية الأوكرانية، تضرب بهدف إنهاك السكان ودفعهم إلى الاستسلام، بينما تستهدف أوكرانيا تقليص قدرة الطرف المهاجم على مواصلة عملياته.
وبذلك، يكون الهدف الأوكراني مزدوجا: حماية المدنيين وتهيئة ظروف تفاوض جدي، من خلال إقناع الكرملين بأن استمرار الحرب سيحمل كلفة متصاعدة.
تؤكد كييف أنها لا تزال مستعدة للمفاوضات.
ويبقى موقفها ثابتا: يجب أن تكون الخطوة الأولى وقف إطلاق نار شامل وكامل وغير مشروط. وينبغي أن يشمل ذلك وقف القتال على خط الجبهة، وكذلك إنهاء الضربات الجوية الروسية على المدن الأوكرانية.
وتؤكد أوكرانيا أنها تريد حماية الأرواح، لكنها ترفض هدنة من جانب واحد تتيح لروسيا إعادة تنظيم صفوفها واستعادة قدراتها ثم استئناف الهجوم في وقت لاحق.
وترى كييف أن السلام لا يمكن أن يتحول إلى مكافأة للطرف المهاجم.
ولكي تتقدم المفاوضات، يجب على موسكو، وفق هذا المنطق، أن تدرك أن الحرب ستصبح أكثر كلفة عسكريا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
على الصعيد الدبلوماسي، شهد الأسبوع أيضا تقاربا مهما بين أوكرانيا وكندا.
وفي 10 سبتمبر، وقّع البلدان إعلان شراكة استراتيجية، بما يعزز موقع أوتاوا بوصفها شريكا داعما لكييف منذ الأيام الأولى للحرب.
وينص الاتفاق على تعميق التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري. كما تم الاتفاق بالفعل على مساعدات بقيمة ملياري دولار، منها حزمة دفاعية بقيمة مليار دولار.
وتكتسي هذه الشراكة أيضا بعدا إنسانيا مهما، إذ يزيد عدد المواطنين الكنديين من أصول أوكرانية على 1.2 مليون شخص. وتؤدي هذه الجالية دورا بارزا في الحياة العامة والسياسية والاقتصادية والثقافية في كندا.
يشكل التعاون في مجال الصناعات العسكرية أحد أبرز محاور هذه الشراكة.
ومن المنتظر أن يسمح «اتفاق الطائرات المسيّرة» ومشاريع صناعية مشتركة أخرى بدمج الخبرة القتالية الأوكرانية مع القدرات التكنولوجية الكندية.
ولا يقتصر الهدف على إرسال الأسلحة، بل يشمل أيضا بناء قاعدة صناعية قادرة على إنتاج معدات تتلاءم مع طبيعة الحرب الحديثة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع والرصد، والحرب الإلكترونية، والذخائر المتخصصة.
كما تدعم كندا مبادرة «JUMPSTART» بمبلغ 350 مليون دولار كندي مخصص لشراء صواريخ اعتراضية، يفترض أن تساهم في حماية المدنيين الأوكرانيين من الصواريخ الباليستية الروسية.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تصبح هذه المساعدات أكثر أهمية، إذ قد تكثف موسكو ضرباتها ضد البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، كما فعلت خلال فصول الشتاء السابقة. لذلك، لا تمثل منظومات الدفاع الصاروخي حاجة عسكرية فحسب بالنسبة إلى كييف، بل تعد أيضا عاملا أساسيا لحماية المدنيين.
رحبت كييف أيضا بقرار كندا تشديد العقوبات على المسؤولين عن خطف أطفال أوكرانيين.
ويعد هذا الملف من أخطر القضايا المرتبطة بالحرب. فالنقل القسري، والتلقين، والعسكرة، ومحاولات تغيير هوية الأطفال الأوكرانيين، كلها مؤشرات، وفق كييف، على أن موسكو لا تستهدف الأرض وحدها.
وترى أوكرانيا أن الحرب الروسية تستهدف أيضا أمة وذاكرة وجيلا كاملا.
ومن خلال فرض عقوبات على المسؤولين عن هذه الانتهاكات، تسهم أوتاوا في الإبقاء على الضغط الدولي بشأن ملف تعتبره أوكرانيا محوريا في مسألة تحقيق العدالة.
تواصل روسيا تقديم حربها باعتبارها تقدما حتميا. غير أن أحداث هذا الأسبوع تقدم صورة مختلفة.
فعلى الجبهة، تبقى مكاسبها محدودة في مقابل خسائر مرتفعة. وفي العمق، أصبحت منشآتها العسكرية والطاقية أكثر عرضة للاستهداف. ودبلوماسيا، تواصل أوكرانيا تعزيز تحالفاتها، بينما تعمل صناعيا على تحويل خبرتها القتالية إلى تعاون تكنولوجي مع شركائها.
ويراهن فلاديمير بوتين على إنهاك أوكرانيا وعلى تراجع دعم الدول الغربية. لكن هذا الرهان، بحسب التطورات الحالية، يصبح أكثر خطورة بالنسبة إلى روسيا نفسها.
يبقى الوضع في أوكرانيا صعبا، لكن مسار الحرب لا يتطابق مع الرواية الروسية.
فموسكو ما تزال تسيطر على أراض، غير أن كل متر إضافي يكلّفها ثمنا مرتفعا. ويتقدم جيشها ببطء، ويتكبد خسائر كبيرة، بينما أصبحت مناطقه الخلفية عرضة لضربات تصل إلى مسافات غير مسبوقة.
وفي المقابل، تواصل كييف تعزيز شراكاتها، والحصول على التزامات دفاعية جديدة، وتطوير قدراتها الصناعية، والاستعداد لحماية سكانها مع اقتراب فصل الشتاء.
ولا تقول أوكرانيا إنها تريد حربا بلا نهاية، بل تطالب بوقف إطلاق نار كامل وغير مشروط وفعلي، باعتباره الخطوة الأولى نحو سلام عادل.
وتواصل روسيا الرهان على الانتصار عبر الاستنزاف.
لكن موازين الاستنزاف بدأت تتغير.
فكلما طال أمد الحرب، ازدادت الكلفة التي تتحملها روسيا نفسها جراء استمرارها، سواء على مستوى جيشها أو اقتصادها أو بنيتها التحتية أو مستقبلها.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية