آخر الأخبار

التضخم في تونس : قراءة في أرقام تحمل مؤشرات متعددة الاتجاهات

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

سجّل معدل التضخم في تونس خلال شهر أوت 2026 نسبة 5.4%، مقابل 5.2% كمعدل تراكمي خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، في مؤشر يعكس استمرار مسار الانفلات السعري في التراجع على المدى المتوسط رغم الارتفاع الطفيف المسجّل مقارنة بشهر جويلية.

ويأتي هذا التطور في سياق تحسّن متواصل لأداء السياستين النقدية والمالية، بعد أن كان التضخم قد بلغ ذروته عند مستوى 10.4% مطلع سنة 2023، ليدخل منذ ذلك الحين في منحى تنازلي متدرّج يعكس نجاعة الإجراءات المتخذة على مستوى الحوكمة الاقتصادية. وترتفع أسعار الاستهلاك خلال شهر أوت 2026 بنسبة 0.5% مقارنة بالشهر السابق مباشرة، وهو ارتفاع شهري يُعزى أساسا إلى الديناميكية الموسمية لأسعار المواد الغذائية الطازجة، في حين تشهد بعض المجموعات الأخرى تراجعا لافتا يُخفّف من حدّة الضغط التضخمي الإجمالي.

وتستند هذه المعطيات إلى البيان الصحفي الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء حول مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي لشهر أوت 2026، والذي يوفر قراءة تفصيلية لتطور الأسعار حسب المجموعات والقطاعات وأنظمة التسعيرة.

تسارع أسعار المواد الغذائية يقود التضخم السنوي

يفسَّر الارتفاع السنوي لمعدل التضخم أساسا بتسارع نسق تطور أسعار مجموعة التغذية، التي تنتقل من 6.8% خلال جويلية إلى 7.8% خلال أوت، إلى جانب أسعار مجموعة المشروبات والمياه المعدنية التي ترتفع من 3.1% إلى 3.7%، وأسعار مجموعة الصحة التي تتقدم من 2.7% إلى 3.4%.

وتبلغ نسبة الانزلاق السنوي لأسعار التغذية والمشروبات مجتمعة 7.5%، ويعود ذلك بالأساس إلى ارتفاع أسعار الدواجن بنسبة 16.5%، ولحم الضأن بنسبة 14.7%، والفواكه بنسبة 14.4%، ولحم البقر بنسبة 13.6%، والأسماك الطازجة بنسبة 10.9%. وفي المقابل، تتراجع أسعار الزيوت الغذائية بنسبة 4.3%، في مؤشر إيجابي يعكس بداية انفراج نسبي على مستوى بعض المكونات الأساسية لسلة الاستهلاك.

وتشهد المواد المصنعة ارتفاعا سنويا بنسبة 4.7%، مدفوعا بأسعار الملابس والأحذية التي تتقدم بنسبة 9% وأسعار مواد التنظيف بنسبة 5%، فيما ترتفع أسعار الخدمات بنسبة 4.3% سنويا، ويعود ذلك أساسا إلى قفزة أسعار خدمات النزل بنسبة 15.6%، وهي نسبة ترتبط بالحركية السياحية المكثفة خلال الموسم الصيفي أكثر من ارتباطها باختلالات هيكلية.

تباين واضح بين المواد الحرة والمواد المؤطرة

يُبرز التحليل حسب أنظمة التسعيرة فعالية آليات التأطير السعري المعتمدة من الدولة في احتواء جزء من الضغوط التضخمية. فبينما ترتفع أسعار المواد الحرة غير المؤطرة بنسبة 6.5% سنويا، لا تتجاوز نسبة ارتفاع المواد المؤطرة 1.3% فقط. ويتّضح هذا التباين بشكل أكثر حدة على مستوى المواد الغذائية، إذ تبلغ نسبة الانزلاق السنوي للمواد الغذائية الحرة 8.5% مقابل 0.2% فقط بالنسبة للمواد الغذائية المؤطرة، وهو ما يؤكد الدور التعديلي الذي تلعبه منظومة الدعم والتسعير الإداري في حماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة.

ويسجّل التضخم الضمني، أي المحتسب دون اعتبار الطاقة والتغذية، ارتفاعا طفيفا ليستقر عند 4.9% مقابل 4.8% خلال جويلية، وهو استقرار نسبي يعكس تحكّما متزايدا في الضغوط التضخمية ذات الطابع الهيكلي البعيدة عن التقلبات الموسمية للمواد الغذائية الطازجة.

تراجع لافت لأسعار الملابس

تنخفض أسعار مجموعة الملابس والأحذية بنسبة 4.7% خلال شهر أوت مقارنة بجويلية، متزامنة مع انطلاق موسم التخفيضات الصيفية، حيث تتراجع أسعار الملابس بنسبة 4.7% وأسعار الأحذية بنسبة 5.4%. ويشكّل هذا التراجع الموسمي عاملا مخفِّفا للضغط الشرائي على الأسر خلال هذه الفترة، رغم الارتفاع المسجَّل في مكونات أخرى من سلة الاستهلاك.

وترتفع أسعار مجموعة التغذية والمشروبات شهريا بنسبة 2.4%، ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار البيض بنسبة 12.9% وأسعار الدواجن بنسبة 11.4% وأسعار الخضر بنسبة 3.9% وأسعار الفواكه بنسبة 2.2%، فيما ترتفع أسعار مواد الصحة بنسبة 0.8% نتيجة زيادة أسعار المواد الصيدلية بنسبة 1.3%، وترتفع أسعار مواد وخدمات التعليم بنسبة 0.9% تزامنا مع الاستعداد للدخول المدرسي.

هذا وتُظهر قراءة المساهمات القطاعية أن مجموعتي “المواد المصنعة” و”الخدمات” هما الأكثر مساهمة في التضخم الإجمالي، بنسبة 1.8% و1.4% على التوالي، فيما تتصدر المواد غير الغذائية الحرة والمواد الغذائية الحرة المساهمة حسب نظام التسعيرة بنسبتي 2.9% و2.2%. ويعكس هذا التوزيع حاجة السياسات العمومية إلى مواصلة استهداف قطاعي الخدمات والصناعات التحويلية بإجراءات تنافسية إضافية، إلى جانب مواصلة تعزيز آليات التأطير السعري في القطاعات الحساسة.

تحسّن التنسيق بين السياستين النقدية والمالية

يفتح المسار التنازلي العام للتضخم، من ذروة 10.4% إلى مستوى 5.4% حاليا، المجال أمام قراءة متفائلة ومتوازنة لآفاق الأشهر القادمة، خاصة في ظل استمرار البنك المركزي التونسي في انتهاج سياسة نقدية حذرة تراعي التوازن بين كبح التضخم ودعم النشاط الاقتصادي، إلى جانب مجهودات الحكومة على مستوى ضبط عجز الميزانية وترشيد الإنفاق العمومي.

ويبقى الرهان الأساسي المقبل مرتبطا بمدى قدرة السلطات على احتواء الضغوط الموسمية المتكررة على أسعار اللحوم والفواكه، وهي عوامل ظرفية أكثر منها هيكلية، ما يرجّح استمرار الاتجاه التنازلي العام للتضخم في الأمد المتوسط، شريطة مواصلة التنسيق بين الأداتين النقدية والمالية وتعزيز آليات العرض في الأسواق الفلاحية والغذائية.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا