آخر الأخبار

البنوك التونسية: التحول الرقمي لم يُغيّر بعد جوهر المهنة (دراسة)

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تكشف دراسة حديثة أن الثورة الرقمية التي اجتاحت القطاع المصرفي لم تُحدث بعد ذلك الانقلاب الجذري الذي اكدته وسائل الإعلام المتخصصة في مهنة “مسير الحسابات” أو “المكلف بالزبائن”، بل أفرزت تحولات دقيقة ومتفاوتة بين السياقين التونسي والروماني اللذان شكلا عينة الدراسة، تكشف عن مقاومة هيكلية وتنظيمية تحدّ من زخم التحول الرقمي في الخدمات المصرفية.

تناولت هذه الدراسة، التي اعتمدت مقاربة نوعية قائمة على مقابلات معمّقة شبه موجهة، 35 مسيّر حسابات موزعين على 3 بنوك تونسية وثلاثة بنوك رومانية، بهدف فهم تأثير استخدام الزبائن للخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول على الأنشطة والمهارات المطلوبة من هذه الفئة المهنية. استندت المعطيات الواردة في هذا التقرير إلى بحث نشر تحت عنوان “كيف تؤثر البنوك الإلكترونية على مهنة مسير الحسابات؟ حالات بنوك تونسية ورومانية”.

منهجية ميدانية دقيقة

اعتمد البحث على 20 مقابلة مع مسيّري حسابات في ثلاثة بنوك تونسية رائدة، إضافة إلى 15 مقابلة في 3 بنوك رومانية. وأجريت المقابلات في فروع تقع أساسا في مدينتي صفاقس التونسية وكرايوفا الرومانية، واستغرقت كل واحدة منها بين ساعة وساعتين، وخضعت لتحليل مضمون معمّق بمعامل موثوقية بلغ 95 بالمائة بين الترميز الأول والثاني.

بيّنت النتائج أن 17 مسيّرا تونسيا و11 مسيّرا رومانيا يقرّون بأن استخدام الزبائن للتقنيات المحمولة سهّل ثلاثة أنشطة أساسية، هي بيع المنتجات، وفتح الحسابات، ومنح القروض، دون أن يُلغي الحاجة إلى الحضور الشخصي في الفرع. وأوضح المستجوَبون أن المواقع الإلكترونية للبنوك تكتفي بتقديم عرض عام للمنتجات، بينما يبقى اختيار المنتج المناسب وإتمام الإجراءات القانونية رهين مراجعة المسيّر شخصيا، بحكم التشريعات التونسية والرومانية التي تشترط توقيعات أصلية على الوثائق الورقية.

وأكد 16 مسيّرا تونسيا و9 مسيّرين رومانيين على استمرار أهمية اللقاء المباشر للتفاوض حول المنتجات وصيغ القروض الملائمة.

أربعة مسيّرين فقط يشعرون بتخفيف العبء

لم يُقرّ سوى 4 مسيّرين تونسيين بانخفاض حجم عملهم بفضل الخدمات الإلكترونية، مقابل تسجيل 8 مسيّرين تونسيين ومسيّر روماني واحد غيابا تاما لأي تغيير ملموس في وتيرة العمل. وفسّر أحد المسيّرين في البنك التونسي الاول في عينة البنوك التونسية هذا الثبات بقوله إن طوابير الانتظار لم تتغيّر، وأن أغلب الزبائن ما زالوا يترددون على الشباك لسحب الأموال رغم توفر بطاقات وخدمات عن بعد.

في المقابل، أشار 18 مسيّرا تونسيا و14 رومانيا إلى أن التغيير محسوس فعليا لدى فئة من الزبائن الذين استفادوا من تخفيض تكاليف التنقل والوقت وتحسّن جودة الخدمة، بينما رجّح 13 تونسيا و4 رومانيين أن الأثر الأكبر طال موظفي الشباك أكثر من مسيّري الحسابات أنفسهم، عبر تراجع الطوابير المخصصة لكشوفات الحسابات.

رصد 6 مسيّرين تونسيين تدفق شكاوى متكررة من زبائن يعجزون عن الولوج لحساباتهم بسبب تعطل كلمات السر بعد محاولات دخول فاشلة متكررة، وهو ما يحوّل الفرع من فضاء لتقديم الاستشارة المالية إلى مكتب لحل الأعطال التقنية. وأوضح أحد المسيّرين في البنك تونسي الثاني في عينة البنوك التونسية أن أغلب الشكاوى الواردة تتعلق تحديدا بكلمات السر التي تصبح غير صالحة للاستعمال بعد عدة محاولات دخول. وأكدت الدراسة أن هذه الاختلالات التقنية تُثقل كاهل المسيّرين بمهام إضافية لم تكن جزءا من صلب وظيفتهم التقليدية القائمة على البيع والاستشارة وبناء العلاقة مع الزبون.

مهارة “إدارة التوتر” تبرز في السياق التونسي

كشفت الدراسة عن فارق نوعي لافت بين البلدين يتمثل في ظهور مهارة “إدارة التوتر” أو “التصرف في الضغط النفسي” لدى 12 مسيّرا تونسيا، وهي مهارة لم يُشر إليها أي من نظرائهم الرومانيين، ولم ترد أصلا في الأدبيات العلمية المرجعية التي استند إليها البحث. وعزت الدراسة هذا التمايز إلى الفارق الثقافي بين البلدين، إذ يشعر المسيّر التونسي بفقدان جزء من سلطته أمام زبون أصبح أكثر استقلالية ومعرفة بفضل اطلاعه المسبق على أسعار الفائدة وشروط القروض المختلفة عبر الإنترنت، ما يُضعف قدرته على بناء علاقة قوية معه ويُعقّد أداء مهامه اليومية.

حافظت المهارات التقليدية على مكانتها الأولى في السلم المهني، إذ أجمع كل مسيّري الحسابات العشرين في تونس والخمسة عشر في رومانيا على أهمية “التوجه نحو البيع”، فيما أكد 20 تونسيا و13 رومانيا على أهمية مهارة “التواصل”، وأشار 20 تونسيا و12 رومانيا إلى محورية “المعرفة بالمنتجات”. كما برزت “المهارات التقنية” لدى 14 تونسيا و15 رومانيا، و”المهارات العلائقية” لدى 14 مسيّرا من كل بلد، في حين لم تتجاوز مهارة “القدرة الاستراتيجية” 8 مسيّرين تونسيين و6 رومانيين، ولم يذكر “حل المشكلات” سوى مسيّرين تونسيين ومسيّر روماني واحد فقط.

أرجع البحث محدودية الأثر الرقمي إلى عامل تنظيمي حاسم يتمثل في اشتراط القانونين التونسي والروماني توقيعات أصلية على وثائق ورقية لإتمام عمليات فتح الحسابات ومنح القروض وشراء المنتجات، وهو ما يحول دون إنجاز هذه العمليات كاملة عبر الإنترنت مهما تطورت التقنيات المتاحة. ودعت الدراسة صانعي القرار في البنوك إلى توسيع نطاق الخدمات الرقمية لتشمل البيع المباشر للمنتجات ومنح القروض عن بعد، بشرط تعديل الأطر التشريعية للاعتراف بالتوقيع الإلكتروني في عقود الائتمان.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا