هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلعلى مدى أجيال، اعتاد التونسيون النظر إلى بلدهم على خرائط عالمية تبدو فيها روسيا وكندا وغرينلاند وبعض مناطق أوروبا ضخمة بصريًا. لكن تونس لم تفقد يومًا كيلومترًا مربعًا واحدًا من مساحتها، التي تبلغ 163,610 كيلومترات مربعة. المشكلة تكمن في الخريطة نفسها وفي الطريقة التي تغيّر بها إدراكنا للأحجام.
و يعود السبب إلى إسقاط «ميركاتور» الذي ابتُكر في القرن السادس عشر وما يزال واسع الانتشار في الأطالس وقاعات الدراسة والتمثيلات الرقمية. فهذا الإسقاط يضخّم المساحات تدريجيًا كلما ابتعدنا عن خط الاستواء. وبالتالي، فإن تونس نفسها تبدو أكبر مما هي عليه، ولكن بنسبة أقل بكثير من المناطق الواقعة شمالًا.
و هذه المسألة، التي يعود عمرها إلى أكثر من أربعة قرون، اكتسبت أخيرًا بُعدًا دوليًا. ففي 4 سبتمبر 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار A/80/L.104 بعنوان «Correct the Map»، بأغلبية 164 صوتًا مقابل صوت واحد معارض وامتناع ست دول عن التصويت.
و يشجع القرار على اعتماد أوسع للإسقاطات التي تحافظ على النسب الحقيقية للمساحات، ومن بينها «Equal Earth»، عندما تكون مقارنة أحجام القارات والبلدان ذات أهمية.
إسقاط ميركاتور يشوّه المساحات: كلما ابتعد إقليم عن خط الاستواء، ظهر أكبر على الخريطة.
تونس لا تُصغَّر فعليًا: بل هي أيضًا تبدو أكبر، لكن بدرجة أقل بكثير من المناطق الواقعة شمالًا.
إفريقيا هي من أكثر المناطق التي يقل حجمها بصريًا مقارنة بالواقع: فهي أكبر من غرينلاند بنحو 14 مرة، في حين توحي خريطة ميركاتور بفارق أقل بكثير.
الأمم المتحدة اعتمدت قرارًا في 4 سبتمبر 2026: صوّتت 164 دولة لصالحه، وعارضته دولة واحدة، وامتنعت ست دول عن التصويت.
إسقاط Equal Earth لا يغيّر الحدود: فهو يصحح نسب المساحات، بينما يتوقف رسم الحدود على الخلفية الخرائطية المستخدمة.
ولم يكن هدفه أن يمكّن التلاميذ من مقارنة مساحة إفريقيا أو أوروبا أو تونس. فقد صُمم هذا الإسقاط أساسًا لتلبية حاجات الملاحة البحرية.
وهو يحافظ محليًا على الزوايا، ويسمح خصوصًا بتمثيل المسارات التي تتبع اتجاهًا ثابتًا في شكل خطوط مستقيمة، وهي خاصية كانت شديدة الأهمية بالنسبة إلى البحارة.
لكن المشكلة ظهرت عندما تحولت خريطة صُممت لهذا الاستخدام إلى تمثيل عام للعالم.
فإسقاط كوكب شبه كروي على ورقة مستطيلة يفرض حتمًا قدرًا من التشويه. ومع إسقاط ميركاتور، تتزايد هذه التشوهات بشكل كبير كلما ارتفع خط العرض. ولذلك تبدو إفريقيا، القريبة من خط الاستواء، أقل تضخيمًا بكثير من غرينلاند وكندا والدول الاسكندنافية وشمال روسيا.
ولا يشكك قرار الأمم المتحدة في فائدة ميركاتور للملاحة. بل يتعلق النقاش باستخدامه عندما يكون الهدف مقارنة مساحات الأقاليم والدول.
هذه نقطة أساسية لفهم الظاهرة.
إسقاط ميركاتور لا يرسم تونس أصغر من حجمها الحقيقي بصورة مطلقة، بل يكبّرها هي أيضًا.
إلا أن درجة التكبير ترتفع كلما اتجهنا نحو القطبين.
فعند خط عرض تونس العاصمة، القريب من 37 درجة شمالًا، يبلغ معامل تضخيم المساحات نحو 1.6. أما عند خط عرض قريب من باريس، أي نحو 49 درجة شمالًا، فيصل إلى حوالى 2.3.
وبذلك يكون التشويه أكبر بنحو 45% عند خط عرض باريس مقارنة بخط عرض تونس.
ولا تمثل هذه العملية الحسابية مقارنة دقيقة بين المساحة الظاهرة لفرنسا وتونس، لأن البلدين يمتدان على عدة خطوط عرض. وإنما توضح فقط سبب اكتساب المناطق الشمالية وزنًا بصريًا أكبر تدريجيًا على خريطة ميركاتور.
لذلك تبدو تونس أصغر نسبيًا عند مقارنتها بشمال أوروبا أو روسيا مما ستبدو عليه في خريطة تحافظ على المساحات.
يُعد الفرق بين إفريقيا وغرينلاند المثال الأكثر وضوحًا.
فعلى خريطة ميركاتور قد تبدو غرينلاند قريبة في الحجم من القارة الإفريقية.
لكن في الواقع، إفريقيا أكبر من غرينلاند بنحو 14 مرة.
وهذا النوع من الفوارق هو الذي غذّى، خلال السنوات الأخيرة، الحملة الإفريقية Correct the Map. وفي 4 سبتمبر، رحّب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، رسميًا باعتماد القرار، داعيًا المؤسسات الدولية والأنظمة التعليمية ودور النشر والشركات الرقمية إلى التدرج في اعتماد تمثيلات أكثر وفاءً للمساحات الحقيقية.
إذن، لا يتعلق الأمر بجعل إفريقيا «أكبر» بصورة مصطنعة، بل بإزالة الأفضلية البصرية التي يمنحها إسقاط ميركاتور للمناطق الواقعة عند خطوط العرض العليا.
من بين البدائل المطروحة إسقاط Equal Earth الذي تم تطويره سنة 2018.
وينتمي هذا الإسقاط إلى فئة الإسقاطات المتساوية المساحة، أي التي تحافظ على النسب بين مساحات مختلف المناطق.
فإذا كانت مساحة إقليم ما ضعف مساحة إقليم آخر في الواقع، فمن المفترض أن يحتل على الخريطة مساحة مضاعفة أيضًا.
لكن ذلك لا يعني أن Equal Earth خالٍ من العيوب.
فلا يمكن لأي خريطة مسطحة أن تحافظ في الوقت نفسه، ومن دون أي تشويه، على المساحات والأشكال والمسافات والاتجاهات الموجودة على كوكب كروي. وكل إسقاط هو في النهاية حل وسط.
ويعترف قرار الأمم المتحدة بهذا المبدأ، كما أنه لا يجعل استخدام Equal Earth إلزاميًا، وإنما يشجع على استخدامه وغيره من الإسقاطات المتساوية المساحة عندما تكون مقارنة الأحجام ضرورية.
ميركاتور: يحافظ بشكل جيد على الزوايا والاتجاهات، وهو ما يفسر أهميته التاريخية في الملاحة، لكنه يشوّه المساحات بشدة عند خطوط العرض العليا.
Equal Earth: يحافظ على النسب بين مساحات البلدان والقارات، لكنه يشوّه بدرجة أكبر بعض الأشكال والمسافات.
لا توجد خريطة مسطحة مثالية: تحويل كوكب كروي إلى سطح مستطيل يفرض دائمًا نوعًا من التنازل.
لذلك يعتمد الاختيار المناسب على الغرض: فالملاحة أو مقارنة المساحات أو التعليم أو الخرائط السياسية لا تتطلب بالضرورة الإسقاط نفسه.
لم يؤسس تصويت 4 سبتمبر لخريطة عالمية «رسمية وملزمة» جديدة.
فالقرار غير ملزم.
وهو يدعو الحكومات والمؤسسات التعليمية والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا إلى زيادة الاعتماد على الإسقاطات المتساوية المساحة عندما يقتضي السياق ذلك، كما يشجع على تعزيز الوعي بالقيود الملازمة لجميع الإسقاطات الخرائطية.
وبالتالي، لم يُحظر ميركاتور ولم يتم التخلي عنه نهائيًا.
كما أن القرار لا يغيّر بطبيعة الحال أي حدود أو سيادة أو أقاليم.
وقد تبدو هذه النقطة بديهية، لكنها أصبحت أحد أبرز محاور الجدل.
قدّم توغو النص باسم المجموعة الإفريقية، بدعم من الاتحاد الإفريقي، وشاركت في رعايته دول من بينها جزر البهاما. وحصل على تأييد 164 دولة.
وكانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي صوتت ضده.
وامتنعت ست دول عن التصويت، هي: إستونيا وجورجيا وليتوانيا ومولدوفا وصربيا وأوكرانيا.
ولم يقتصر الاعتراض الأميركي على الجوانب التقنية المرتبطة برسم الخرائط.
فالقرار يربط تصحيح التشوهات بمفهوم «العدالة المعرفية» وبالاعتراف التاريخي والتمثيل المنصف، انطلاقًا من أن الطريقة التي يُرسم بها العالم على الخرائط يمكن أن تكون لها آثار تعليمية وثقافية وجيوسياسية ورمزية.
وقد رفضت واشنطن هذا البعد.
ووصفت الممثلة الأميركية يارينا فيرينسيفيتش، نائبة ممثل الولايات المتحدة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، النص بأنه جزء من مشروع أيديولوجي أوسع بكثير. واستخدمت تشبيه القشريات التي تلتصق بهيكل السفينة للتنديد بتراكم هذا النوع من القرارات، معتبرة أنها تضر بمصداقية المؤسسة الأممية.
اتخذ النقاش لاحقًا بُعدًا جيوسياسيًا مباشرًا.
فقد دعمت الممثلة الروسية المبادرة الإفريقية، وربطتها بمواجهة إرث الاستعمار واستعادة شكل من أشكال العدالة التاريخية للقارة.
أما أوكرانيا، فرغم تأكيدها أنها لا تعارض مبدأ تحسين تمثيل مساحات إفريقيا ودول الجنوب العالمي، فقد امتنعت عن التصويت.
وأثارت كييف مسألة أخرى تتعلق بالطريقة التي تعرض بها بعض الخلفيات الخرائطية التي تستخدم إسقاط Equal Earth الأراضي الأوكرانية الخاضعة للاحتلال الروسي.
واعتبر ممثل أوكرانيا أن بعض هذه التمثيلات لا تتوافق مع قرارات الجمعية العامة المتعلقة بوحدة الأراضي الأوكرانية وعدم الاعتراف بمحاولة روسيا ضم شبه جزيرة القرم سنة 2014. وحذرت أوكرانيا من فتح «صندوق باندورا» إذا أدى إصلاح الإسقاطات بصورة غير مباشرة إلى خلق التباس حول الأراضي المحتلة أو المتنازع عليها.
ويكشف هذا الجدل عن تمييز أساسي: إسقاط Equal Earth يحدد هندسة الخريطة، لكنه لا يحدد مسار الحدود.
فالخلفيات الخرائطية المرتبطة بالإسقاط هي التي تعرض الحدود والأراضي المتنازع عليها والأسماء الجغرافية.
حرص الاتحاد الأوروبي بدوره على الفصل بين المسألتين.
فقد دعمت إيرلندا، متحدثة باسم الاتحاد الأوروبي، هدف تحقيق تمثيل أكثر عدلًا ودقة لمختلف مناطق العالم، ولا سيما إفريقيا.
لكنها أوضحت أن القرار يقتصر بصورة صارمة على التعليم والتوعية والثقافة الجغرافية، ولا يترتب عليه أي أثر في سيادة الدول أو وضع الأقاليم أو ترسيم الحدود أو الحدود المعترف بها دوليًا.
وذهب الاتحاد الأوروبي أبعد من ذلك، إذ أكد أن دعمه للقرار لا يعني الموافقة على الخرائط المعروضة على موقع Equal Earth.
وهذه ملاحظة مهمة، لأن دعم إسقاط رياضي يحافظ على المساحات لا يعني تلقائيًا الموافقة على كل خلفية خرائطية تستخدمه.
في اليوم نفسه، أعلنت فرنسا عن تغيير في ممارساتها الخاصة.
فقد أعلن وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، أن وزارته ستتخلى عن إسقاط ميركاتور في استخداماتها الدبلوماسية، وستعتمد تمثيلات تتناسب مع مختلف الاستخدامات وتكون أكثر وفاءً للمساحات الحقيقية.
وأشار في مداخلته خصوصًا إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين، معتبرًا أن هذه البلدان تكتسب على خرائط ميركاتور وزنًا بصريًا غير متناسب مقارنة بإفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا.
ولخص بارو موقفه بعبارة مختلفة عن تلك التي استخدمها ممثل توغو، إذ قال: «تغيير الخريطة لا يغيّر العالم بطبيعة الحال»، قبل أن يعتبر أن تصحيح تمثيل مشوّه هو عمل في خدمة الحقيقة.
قدّمت توغو، التي طرحت النص باسم المجموعة الإفريقية، العبارة الأكثر لفتًا للانتباه في هذا النقاش.
فقد أعلن ممثلها أمام الجمعية العامة أن «الخريطة العادلة لا تغيّر جغرافية العالم، بل تغيّر الطريقة التي نرى بها العالم».
وتختصر هذه العبارة طموح الجهات الداعمة للقرار.
فبالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بتغيير الأبعاد المادية لإفريقيا، وإنما بتصحيح تمثيل أصبح مألوفًا إلى درجة أن التشوهات التي يتضمنها غالبًا ما تمر من دون ملاحظة.
تحتل تونس وضعًا خاصًا.
فكونها أكثر بلدان إفريقيا وقوعًا في الشمال يجعلها أقل تأثرًا بهذا الاختلاف في التمثيل من المناطق الواقعة قرب خط الاستواء.
لكن عند مقارنتها بدول أو مناطق تقع شمالًا بدرجة أكبر، مثل روسيا والدول الاسكندنافية وكندا وغرينلاند، يظهر التأثير نفسه.
وعلى خريطة متساوية المساحات، لا تصبح تونس أكبر.
فمساحتها تبقى 163,610 كيلومترات مربعة.
لكن المناطق الشمالية هي التي تفقد الجزء من التضخيم الذي كان يمنحه لها إسقاط ميركاتور.
ولهذا قد تكون الانطباعات الأولى مفاجئة: تبدو إفريقيا فجأة أكبر بكثير، بينما تظهر غرينلاند وكندا وشمال روسيا وكأنها تقلصت.
لكن في الواقع، لم يتغير حجم أي بلد.
ما تغير هو أن النسب البصرية أصبحت أقرب إلى المساحات الحقيقية.
قد يبدو هذا النقاش هامشيًا، لكنه يتعلق بإحدى أولى صور العالم التي نتعرف إليها.
فالخريطة المعلّقة في قاعة الدراسة أو الموجودة في أطلس أو على شاشة رقمية تسهم في تشكيل تصورنا الذهني للجغرافيا.
وعندما يرى شخص طوال سنوات غرينلاند وكأنها تقارب إفريقيا في المساحة، تصبح هذه النسبة مألوفة في ذهنه، رغم ابتعادها الشديد عن الواقع.
لكن ذلك لا يعني بطبيعة الحال أن مساحة بلد ما تحدد أهميته.
فحجم الإقليم وحده لا يقول شيئًا عن عدد سكانه أو اقتصاده أو قوته العسكرية أو نفوذه السياسي.
لكن عندما يكون الغرض من الخريطة تحديدًا هو عرض الجغرافيا المادية للعالم، فإن مؤيدي القرار يعتبرون أن المساحات يجب أن تمثَّل بأكبر قدر ممكن من الدقة.
وبعد 457 عامًا من إسقاط ميركاتور، لم تُعِد الأمم المتحدة رسم تونس أو إفريقيا.
بل فتحت نقاشًا أوسع بكثير: أي خريطة ينبغي أن نعتمدها للنظر إلى العالم، وإلى أي مدى تؤثر طريقة تمثيله في الطريقة التي نفهمه بها؟
خلاصة: يمكن لإسقاط خرائطي أن يصحح نسب المساحات من دون أن يحسم مسألة الحدود. وهذه تحديدًا هي النقطة التي أثارت تحفظات أوكرانيا والاتحاد الأوروبي.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية