آخر الأخبار

تونس والذكاء الاصطناعي: مسار حوكمة في مواجهة اختبار التنفيذ

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تونس اليوم في موقع متقدم ضمن قارة تتسابق دولها لبناء منظومات حوكمة تواكب الثورة الصناعية الرابعة، ففوز البلاد بالمرتبة العاشرة إفريقياً في المؤشر الإفريقي لحوكمة الذكاء الاصطناعي لسنة 2026، بمعدل 2.12 نقطة من أصل أربع نقاط، يؤكد أن الجهود التي بذلتها السلطات التونسية منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي بدأت تترجم إلى نتائج ملموسة، وتضع البلاد ضمن الفئة الأولى من الدول الإفريقية الفاعلة في تأطير هذه التكنولوجيا الاستراتيجية التي باتت محدداً رئيسياً للتنافسية الاقتصادية العالمية.

وحسب المؤشر الذي أصدره مختبر السياسات الإفريقية للذكاء الاصطناعي التابع لمؤسسة مركز المحامين، وهو مركز بحثي متخصص في القانون الرقمي والسياسات التقنية على مستوى القارة، في جويلية 2026، فإن الترتيب يشمل خمساً وخمسين دولة إفريقية ويعتمد على ثمانين مؤشراً موزعة على ثمانية محاور رئيسية تتصل بالاستراتيجيات الوطنية والأطر التنظيمية والبنية التحتية ورأس المال البشري والأخلاقيات والتعاون الإقليمي والتنفيذ والأثر.

تونس في المقدمة الإفريقية

يضع المعدل المسجل تونس في المرتبة الثالثة على صعيد منطقة شمال إفريقيا خلف المغرب الذي حقق 2.38 نقطة ومصر التي بلغت 2.25 نقطة، وذلك في منطقة تتصدر باقي الأقاليم الإفريقية بمعدل جهوي يبلغ 1.56 نقطة مقابل 1.07 نقطة فقط لوسط إفريقيا. أما على المستوى القاري، فتتقدم رواندا الترتيب العام بمعدل 3.25 نقطة بفضل انسجامها بين الرؤية الاستراتيجية والتنفيذ الفعلي، تليها نيجيريا وبنين، فيما تحل تونس ضمن أول عشر دول من أصل خمس وخمسين، إلى جانب كينيا وإثيوبيا وغانا وموريشيوس. هذا الترتيب يمنح تونس صفة الفاعل الإقليمي الموثوق في صياغة السياسات الرقمية، وهي مكانة تعزز جاذبيتها كوجهة للاستثمار التقني ضمن الفضاءين المغاربي والإفريقي.

الدولة المعدل من 4 نقاط الرتبة القارية رواندا 3.25 1 نيجيريا 2.81 2 بنين 2.58 3 كينيا 2.47 4 المغرب 2.38 5 مصر 2.25 6 تونس 2.12 10

الترتيب القاري لأفضل الدول في مؤشر حوكمة الذكاء الاصطناعي 2026

رأسمال بشري وبحثي يدعم الطموح الرقمي

تكمن نقطة القوة الأساسية لتونس في مؤشر تقدم السياسات الذي بلغ خمساً وسبعين نقطة من مائة، وهو ما يعكس نضج الإطار الاستراتيجي الوطني وبداية ترجمته إلى إجراءات تنفيذية. ويستند هذا الأداء إلى منظومة تكوين وبحث علمي متينة تضم ستة برامج تكوينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، إلى جانب قدرة سنوية على تخريج نحو عشرين ألف خريج في الاختصاصات العلمية والتقنية والهندسية والرياضية، وهو خزان بشري نوعي يغذي المنظومة الرقمية الوطنية والإقليمية على حد سواء.

كما تحصي تونس قرابة تسعمائة منشور علمي في مجال الذكاء الاصطناعي بمؤشر هيرش يبلغ خمساً وعشرين نقطة، وهو ما يعكس حضوراً بحثياً معتبراً على المستوى الدولي. وتضم المنظومة الناشئة قرابة ثلاثة آلاف مطور متخصص في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، إضافة إلى خمس وعشرين شركة ناشئة تنشط في هذا القطاع الواعد، ما يؤسس لبيئة ابتكار قادرة على التوسع خلال السنوات المقبلة.

الاستثمار المتصاعد وتحدي استبقاء الكفاءات

على صعيد التمويل، تخصص تونس ما يقارب 0.6 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي للبحث والتطوير، مع تمويلات مباشرة موجهة لمشاريع الذكاء الاصطناعي تقدر بثمانية ملايين دولار. ورغم أن هذا المستوى من الاستثمار يبقى متواضعاً مقارنة بالدول الرائدة قارياً، فإنه يؤسس لقاعدة انطلاق يمكن البناء عليها عبر تعبئة تمويلات إضافية من الشراكات الدولية وصناديق الاستثمار المخاطر.

في المقابل، يرصد المؤشر تحدياً جوهرياً يتمثل في مخاطر هجرة الكفاءات، حيث سجلت تونس ثلاثاً وستين نقطة من مائة على هذا المعيار، وهو مستوى يصنفه معدو المؤشر ضمن الفئة الحرجة. ويشكل هذا المعطى دعوة صريحة لتسريع سياسات الاستبقاء والتثمين المهني للكفاءات الرقمية، عبر تحسين بيئة العمل والحوافز الجبائية والشراكة الوثيقة بين الجامعة والقطاع الخاص، بما يحول هذا التحدي إلى فرصة لبناء منظومة أكثر جاذبية للمواهب المحلية والمغتربة على حد سواء.

القيمة المؤشر 75 من 100 مؤشر تقدم السياسات 6 برامج البرامج التكوينية في الذكاء الاصطناعي ≈ 20,000 الخريجون السنويون في الاختصاصات العلمية والتقنية ≈ 900 (h-:مؤشر) المنشورات العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي ≈ 3,000 المطورون المتخصصون 25 شركة الشركات الناشئة في القطاع 0.6% من الناتج المحلي الإنفاق على البحث والتطوير 8 ملايين دولار تمويلات مباشرة لمشاريع الذكاء الاصطناعي 63 من 100 (فئة حرجة) مؤشر مخاطر هجرة الكفاءات

أبرز مؤشرات المنظومة التونسية للذكاء الاصطناعي حسب المؤشر الإفريقي لحوكمة الذكاء الاصطناعي لسنة 2026

سوق إفريقي واعد

يكتسب هذا التقدم في الحوكمة أهمية اقتصادية مضاعفة إذا ما وُضع في سياق الديناميكية التي يشهدها سوق الذكاء الاصطناعي في القارة الإفريقية فحسب تقرير حديث لمجموعة “ماستركارد”، من المتوقع أن ينمو حجم سوق الذكاء الاصطناعي في إفريقيا من 4.51 مليار دولار سنة 2025 إلى 16.53 مليار دولار بحلول سنة 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 27.4 بالمائة، مع إمكانية خلق ما يصل إلى 230 مليون فرصة عمل رقمية في إفريقيا جنوب الصحراء بحلول نهاية العقد.

وفي ظل هذا التوسع المتسارع، تصبح جودة الإطار التنظيمي عاملاً حاسماً في توجيه الاستثمارات نحو الأسواق الأكثر أماناً وقابلية للتنبؤ من الناحية القانونية، وهو ما يمنح تونس، بفضل تموقعها ضمن الفئة الأولى قارياً في الحوكمة، أفضلية تنافسية حقيقية لاستقطاب حصة متنامية من هذه الاستثمارات الموجهة نحو شمال إفريقيا وجنوب المتوسط.

من الاستراتيجية إلى التنفيذ

يخلص المؤشر إلى أن التحدي الأكبر أمام القارة الإفريقية لم يعد يتمثل في اعتماد الاستراتيجيات الوطنية، لكن في القدرة على تحويل هذه الرؤى إلى سياسات ملموسة وتعزيز مؤسسات الإنفاذ وتعبئة الموارد اللازمة للتنفيذ الفعلي، وهو استنتاج ينطبق بدقة على الوضعية التونسية التي تملك إطاراً إستراتيجياً ناضجاً بحاجة إلى تسريع مسار الأجرأة. وتمنح المرتبة العاشرة تونس فرصة إستراتيجية لتموقعها كمنصة إقليمية موثوقة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، قادرة على استقطاب الاستثمارات التقنية الموجهة نحو إفريقيا وأوروبا في آن واحد، خاصة في ظل موقعها الجغرافي الوسيط وشبكة اتفاقياتها التجارية المتعددة.

ومع استمرار تعزيز الإطار التنظيمي وتوسيع برامج التكوين ومضاعفة حوافز الاستثمار في البحث والتطوير، تملك تونس مقومات حقيقية لتحسين ترتيبها القاري خلال الدورات المقبلة من المؤشر، والانتقال من مرحلة بناء الأسس إلى مرحلة الريادة الفعلية في اقتصاد رقمي إفريقي يشهد نمواً متسارعاً.

إن هذا التقدم في مؤشر الحوكمة لا يمثل مجرد إنجاز رمزي، بل يشكل رافعة اقتصادية مباشرة قادرة على تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب في المنظومة الرقمية التونسية، وتوسيع فرص التصدير الرقمي نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية، وخلق مواطن شغل عالية القيمة المضافة للشباب التونسي المؤهل في مهن المستقبل. كما يفتح هذا الترتيب الباب أمام تعزيز الشراكات مع المؤسسات المالية الدولية والمانحين الإقليميين المهتمين بدعم الدول التي تثبت جدية التزامها بحوكمة رشيدة للتكنولوجيا، وهو ما قد يترجم مستقبلاً إلى تمويلات إضافية لتطوير البنية التحتية الرقمية وبرامج التكوين المتقدم.

والرهان اليوم يكمن في تحويل هذا الزخم المؤسسي إلى مسار تنموي مستدام يجعل من الذكاء الاصطناعي رافداً حقيقياً للنمو الاقتصادي الوطني خلال العقد المقبل، عبر مقاربة تشاركية تجمع بين الدولة والجامعة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، فتونس التي أثبتت قدرتها على بناء أسس إستراتيجية متينة، مدعوة اليوم إلى تسريع وتيرة التنفيذ، لتحويل مكانتها المتقدمة في مؤشر الحوكمة إلى محرك فعلي للتحول الاقتصادي الرقمي وتعزيز موقعها كفاعل إقليمي رائد في اقتصاد الذكاء الاصطناعي الإفريقي الناشئ.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا