أكدت الأستاذة الباحثة بالمعهد الوطني للعلوم الفلاحية بتونس، زينب كاسوك، أن التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الاستشعار عن بعد وصور الأقمار الصناعية والمعطيات الجغرافية، أصبحت أدوات أساسية لرصد مخاطر التصحر وفهم أسبابه والتدخل للحد من توسعه.
وبيّنت أن الاستفادة من التقنيات الحديثة لا تقتصر على معرفة المناطق التي أصبحت متصحرة، بل تمكن أساساً من تحديد المناطق التي ينبغي حمايتها قبل وصولها إلى مرحلة متقدمة من التدهور.
ويعتمد البرنامج، وفق كاسوك، على مجموعة من المعطيات الجغرافية إلى جانب أخذ عينات ميدانية، على غرار عينات التربة، بهدف دراسة وضعيتها وتركيبتها.
وأوضحت أن تدهور التربة يمكن أن يظهر من خلال فقدان مكوناتها العضوية والحيوية التي تسمح باستغلالها في النشاط الفلاحي.
وأضافت أن مقارنة المعطيات الحالية بالمعطيات القديمة تتيح معرفة التحولات التي شهدتها الأراضي، خاصة في المناطق التي كانت في السابق أراضي فلاحية منتجة.
وشددت الأستاذة الباحثة على أهمية العنصر البشري في معالجة ظاهرة التصحر، باعتبار أن الإنسان هو الذي يقرر الاستقرار في منطقة معينة ومواصلة استغلالها.
وأكدت أن الحفاظ على السكان في أراضيهم يتطلب توفير الإمكانيات التي تساعدهم على التكيف مع محيطهم الطبيعي والمناخي، واعتماد حلول تمكنهم من استغلال الأرض على المدى الطويل بطريقة مستدامة، بدل دفعهم إلى مغادرة مناطقهم نتيجة تدهور قدرتها على الإنتاج.
وترى كاسوك أن الفلاح يجب أن يكون في قلب الحلول، وأن تتم مساعدته على اختيار الزراعات والطرق الملائمة لطبيعة الأرض والمناخ، بما يسمح له بالبقاء في أرضه والمحافظة على مصدر رزقه وكرامته، مع الحد من التبعية للخارج.
وأوضحت أن الضغوط البشرية تتداخل بدورها مع هذه العوامل الطبيعية. ففي بعض المناطق، يمكن أن يؤدي البحث عن توسيع الأراضي الزراعية إلى إزالة الغطاء الغابي وتحويله إلى أراضٍ لزراعة الحبوب، مثل القمح والشعير، أو إلى غراسة الأشجار، ومنها الزيتون، لكنها شددت على أن اختيار نوع الزراعة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الأرض، خصوصاً في المناطق الجبلية والمنحدرة، لأن اعتماد طرق زراعية لا تتلاءم مع التضاريس يمكن أن يؤدي إلى انجراف التربة وفقدان الأراضي الخصبة مع مياه الأمطار.
وأشارت كاسوك إلى أهمية العودة إلى صور الأقمار الصناعية القديمة ومقارنتها بالصور الحديثة لفهم التحولات التي شهدتها الأراضي التونسية.
وقالت إن العمل على مناطق مثل القيروان مكّن من مقارنة الوضع الحالي بما كان عليه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب الاستفادة من شهادات الفلاحين الذين يؤكدون أن أراضيهم كانت في السابق أكثر خصوبة وإنتاجية.
وتوفر تقنيات الاستشعار عن بعد بالفعل إمكانيات مهمة لمراقبة الجفاف ودراسة التطور المكاني والزماني للغطاء النباتي، وهو ما يسمح بتكوين صورة أدق عن التغيرات التي تشهدها الأراضي الزراعية. وترى كاسوك أن مقاومة التصحر لا يمكن أن تقوم على حلول تقنية منفصلة عن الواقع الميداني، بل يجب أن تكون بالتعاون المباشر مع الفلاحين، من خلال البحث معهم عن حلول تتلاءم مع طبيعة مناطقهم وقدراتهم.
وأبرزت في هذا السياق أهمية دور وزارة الاتصالات، باعتبار أن الحلول الحديثة تعتمد على جمع المعلومات ومعالجتها ونقلها في الوقت المناسب، وهو ما يستوجب توفر بنية اتصالية قادرة على إيصال المعطيات بسرعة إلى مختلف المتدخلين.
وكشفت كاسوك أن البرنامج الذي يتم العمل عليه يمتد على عامين، ويهدف أساساً إلى الانتقال من مجرد وجود الحلول والمعطيات إلى توظيفها فعلياً في منظومة معلوماتية تساعد على فهم المخاطر والتعامل معها.
وأوضحت أن التحدي لا يتمثل فقط في توفر البيانات، وإنما في كيفية تحويلها إلى معلومات مفيدة يمكن عرضها واستغلالها وتطبيقها ميدانياً، بما يسمح بمراقبة المؤشرات المرتبطة بالتصحر والتدخل قبل تفاقم الوضع.
تونس من أكثر بلدان جنوب المتوسط تعرضاً للتصحر
ويشمل العمل، وفق تصريحها، مختلف المناطق المستهدفة في تونس، باعتبار أن خطر التصحر لا يقتصر على منطقة واحدة، وإن كانت درجة المخاطر تختلف من جهة إلى أخرى.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن تونس من أكثر بلدان جنوب المتوسط تعرضاً للتصحر، وأن نحو 80 بالمائة من أراضيها تتميز بدرجات متفاوتة من الجفاف، ما يجعلها شديدة الحساسية للتغيرات المناخية وللضغوط البشرية على الموارد الطبيعية.
كما وضعت تونس ضمن خططها الوطنية هدفاً للحد من تدهور الأراضي وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التغيرات المناخية.
وأكدت كاسوك أن مواجهة التصحر لا تعني فقط محاولة إصلاح الأراضي التي تدهورت، وإنما الوقاية من وصول مناطق جديدة إلى هذه المرحلة، من خلال مراقبة المؤشرات والتدخل المبكر.
وشددت على ضرورة مساعدة الفلاحين على اعتماد زراعات وأساليب إنتاج تتلاءم مع التغيرات المناخية وطبيعة الأراضي، بما يضمن استغلالاً مستداماً للموارد ويحافظ على قدرة المناطق الفلاحية على الإنتاج. وفي هذا الإطار، تبدو التكنولوجيا، وفق تصورها، وسيلة لاتخاذ القرار وليست هدفاً في حد ذاتها، إذ تكمن قيمتها في تحويل المعطيات الجغرافية وصور الأقمار الصناعية والعينات الميدانية إلى معلومات عملية تساعد على حماية الأراضي وتوجيه التدخلات.
وتخلص كاسوك إلى أن التصدي للتصحر يتطلب الجمع بين العلم والتكنولوجيا والمعرفة الميدانية وخبرة الفلاح والتنسيق بين مؤسسات الدولة، حتى تصبح المعلومات المتوفرة أداة فعلية للوقاية والتكيف والحفاظ على الأراضي الفلاحية للأجيال القادمة.
نسرين علوش
المصدر:
جوهرة