هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
تتحوّل موجات الحر المتكررة التي تضرب تونس منذ سنوات من ظاهرة موسمية عابرة إلى متغيّر هيكلي يُعيد ترتيب أولويات إدارة المؤسسات.
وقد كشفت التجربة الميدانية، في هذا الصدد، أن ارتفاع درجات الحرارة لا يُترجم فقط إلى انزعاج فيزيولوجي للعمال، لكنه يتحول إلى كلفة اقتصادية مباشرة تمس سلاسل الإنتاج والتوريد والاستهلاك في آن واحد. وتستدعي هذه الوضعية قراءة موضوعية تستند إلى الدراسات الدولية والمعطيات الميدانية التونسية، بعيدا عن الخطاب التحسيسي المناخي المجرّد، لفهم حجم الرهان الاقتصادي الذي بات يفرض نفسه على أصحاب القرار والمؤسسات على حد سواء.
لمحة عامة عن الإجهاد الحراري في العمل
يُعرّف الإجهاد الحراري في أدبيات منظمة العمل الدولية بأنه الحرارة الزائدة عن قدرة الجسم على تحمّلها دون تعرضه لاختلال فيزيولوجي، وهو ما يحدث عموما عند تجاوز درجة الحرارة سقف 35 درجة مئوية في ظل رطوبة مرتفعة. وتُقيّد هذه الظاهرة القدرات البدنية والذهنية للعامل، فتُبطئ الأداء وتُطيل فترات الراحة الاضطرارية، قبل أن تتحول في حالاتها القصوى إلى ضربة شمس قد تكون مميتة.
وتُشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الإجهاد الحراري المرتبط بالتغير المناخي سيتسبب في نحو 38 ألف وفاة إضافية سنويا على المستوى العالمي بين عامي 2030 و2050، وهو مؤشر يضع البعد الصحي في صلب أي مقاربة اقتصادية للظاهرة. وتعيش تونس، شأنها شأن باقي دول حوض المتوسط الجنوبي، تصاعدا واضحا في وتيرة موجات الحر القياسية، إذ سجلت البلاد خلال هذه الصائفة موجة حر وصفت بغير المسبوقة، تجاوزت خلالها درجات الحرارة عتبة 48 درجة مئوية في عدد من المناطق، ما دفع المعهد الوطني للرصد الجوي إلى إقرار مستوى إنذار مرتفع شمل 22 ولاية من أصل 24.
قياس العبء الناجم عن الإجهاد الحراري
تكشف تقديرات منظمة العمل الدولية في تقريرها المرجعي “العمل على كوكب أكثر احترارا” أن نحو 2.2 بالمائة من إجمالي ساعات العمل عالميا ستُفقد بحلول سنة 2030 بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بما يعادل 80 مليون وظيفة بعمل حصة كاملة، وخسائر اقتصادية تُقدّر بنحو 2400 مليار دولار سنويا. ويرتفع هذا الرقم إلى 3.8 بالمائة من ساعات العمل، أي ما يعادل 136 مليون وظيفة، في حال أُنجز العمل تحت أشعة الشمس المباشرة بدل الظل، وهو سيناريو يقترب من واقع عدد كبير من الأنشطة الفلاحية والبنائية والخدماتية في تونس.
ويتحمّل القطاع الفلاحي الحصة الأكبر من هذه الخسائر بنسبة تناهز 60 بالمائة من ساعات العمل الضائعة عالميا، يليه قطاع البناء بنسبة 19 بالمائة، فيما تُصنَّف منطقتا شمال إفريقيا والدول العربية ضمن المناطق ذات الهشاشة المتوسطة إلى المرتفعة مقارنة بجنوب آسيا وغرب إفريقيا اللتين تُتوقع لهما خسائر تناهز 5 بالمائة من ساعات العمل.
وتترجمت هذه المعادلة العالمية محليا بشكل ملموس خلال الصائفة الأخيرة، حيث اضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى توسيع برامج قطع التيار لساعات طويلة شملت كامل الولايات لعجز منظومة الإنتاج عن مجاراة الطلب القياسي، وهو ما انعكس مباشرة على وحدات الإنتاج الصناعي والمداجن، إذ تكبدت ولايات مثل بنزرت وزغوان خسائر جسيمة في قطاع الدواجن جراء توقف أجهزة التهوية.
وامتد الأثر إلى قطاع السياحة الذي شهد تأخرا في موسم الذروة الصيفية بسبب اضطراب التزود بالكهرباء والمياه في الفنادق والمنشآت السياحية الساحلية، فضلا عن قطاع الصيد البحري حيث أدى انقطاع سلسلة التبريد إلى تلف منتجات حساسة كالسردين، وتراجع تزويد الأسواق بالخضر والغلال واللحوم لاضطرار التجار إلى تعديل ساعات عملهم تجنبا للخسائر.
الإجراءات بشأن الإجهاد الحراري في العمل
اعتمدت منظمة العمل الدولية، من خلال الاتفاقية رقم 155 المتعلقة بالسلامة والصحة المهنية والتوصية المصاحبة لها، إطارا مرجعيا يُلزم الحكومات بوضع سياسات وطنية للوقاية من المخاطر المهنية الناجمة عن التغير المناخي، بما في ذلك تقييم مخاطر الإجهاد الحراري وتحديد تدابير الحماية الملائمة لكل قطاع.
وتدعو المنظمة الحكومات إلى تطوير أنظمة إنذار مبكر بالموجات الحرارية وتحسين البنية التحتية القادرة على التكيف، فضلا عن دعم أرباب العمل والعمال لتقييم المخاطر ميدانيا واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
وتُبرز تجارب دولية موثقة الجدوى الاقتصادية لهذه الإجراءات، إذ أفضى برنامج تدخل صحي مهني طُبّق في مصنع سكر بنيكاراغوا إلى تراجع حالات الإصابة الكلوية الحادة بنسبة 94 بالمائة، وإلى ارتفاع الإنتاجية بنسبة تراوحت بين 10 و20 بالمائة، مع عائد استثماري بلغ 22 بالمائة نتيجة تراجع الحوادث ودوران اليد العاملة والغياب، وهو ما يُفنّد الفرضية القائلة بأن حماية العمال من الحرارة تمثل عبئا ماليا خالصا على المؤسسات دون مقابل إنتاجي.
اهمية تحيين الاطر التنظيمية
تفتقر منظومة الشغل التونسية حاليا إلى إطار تنظيمي صريح ومُحيَّن يُلزم المؤسسات بتدابير محددة إزاء الإجهاد الحراري، خلافا لمنظومات مقارنة اعتمدت عتبات حرارية قانونية توقف عندها العمل أو تُعدّل ساعاته وجوبا. وتستدعي هذه الفجوة التنظيمية مبادرة استباقية من المؤسسات التونسية ذاتها، عبر إرساء جدولة عمل مرنة تُخصص ساعات الذروة الحرارية للراحة أو الأنشطة الداخلية، وتوفير نقاط ترطيب ومناطق تظليل في مواقع العمل المكشوفة، إلى جانب تكوين العمال والإطارات على التعرف المبكر على أعراض الإجهاد الحراري والتصرف السليم إزاءها.
وتستوجب أزمة الكهرباء المتكررة التي رافقت الموجات الأخيرة أن تُدرج المؤسسات الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة والتبريد الذاتي ضمن استراتيجياتها التشغيلية، تفاديا لتوقف سلاسل الإنتاج الحساسة كالصناعات الغذائية والدواجن والصيد البحري عند كل انقطاع كهربائي. كما يبقى إشراك القطاع التأميني في صياغة عقود تغطي مخاطر التوقف الناجم عن الظواهر المناخية القصوى خيارا واعدا لتوزيع الكلفة، فيما تحتاج سلطات الإشراف إلى تحديث مجلة الشغل بأحكام صريحة تُقنن العتبات الحرارية للعمل وتُلزم المؤسسات بخطط تكيف قطاعية، بما يحوّل الاستجابة الحالية المرتجلة إلى منظومة وقائية مستدامة تحفظ الإنتاجية وصحة العمال معا.
تؤكد المعطيات المتاحة أن موجات الحر لم تعد مجرد ملف بيئي هامشي في تونس، بقدر ما اصبحت استحقاقا اقتصاديا مباشرا يمس تنافسية المؤسسات وكلفة الإنتاج ومردودية القطاعات الحيوية، وهو ما يفرض على صانعي القرار والمؤسسات الخاصة على حد سواء استباق الظاهرة بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها الطارئة.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية