هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
يقف القطاع الصناعي التونسي اليوم عند مفترق طرق حاسم، بين إرث صناعي عريق شكّل لعقود عمود الاقتصاد الوطني، وواقع يفرض إعادة تفكير جذرية في نموذج الإنتاج والتنافسية، فبينما تراهن الحكومة على التحول الرقمي والطاقات المتجددة لإنقاذ القطاع، تكشف الأرقام الحديثة عن مفارقة صارخة بين قطاعات تتعافى بقوة وأخرى تشهد ركودا نسبيا.
وتستند هذه القراءة التحليلية إلى مذكرة أصدرها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات بمناسبة الدورة الثامنة لمنتدى تونس الاقتصادي، والتي سلّطت الضوء على مسار تحديث الصناعة التونسية منذ الاستقلال إلى اليوم، قبل أن يعيد هذا المقال تفكيك معطياتها ويقرأها في ضوء أحدث المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن المؤسسات الرسمية.
من الاستبدال إلى الاندماج العالمي
مرّت السياسة الصناعية التونسية منذ سنة 1956 بأربع محطات متعاقبة، بدأت بمرحلة الاستبدال عن الواردات بين الستينيات والثمانينيات، حين اعتمدت الدولة الحماية الجمركية والإعفاءات الضريبية لبناء نسيج صناعي محلي، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الانفتاح الاقتصادي بتوصية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فتراجعت الحواجز الجمركية وانطلقت الخصخصة وتأسست المناطق الحرة في بنزرت وجرجيس.
ودفع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995 الاقتصاد التونسي نحو الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، إذ استقطب القطاع الصناعي التحويلي نحو 60 بالمائة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة بين سنتي 2000 و2010. غير أن هذا المسار التصاعدي اصطدم بسلسلة صدمات متلاحقة، من اضطرابات ما بعد الثورة إلى جائحة كوفيد، مرورا بتقلبات أسعار المواد الأولية، ما كشف هشاشة نموذج إنتاجي يعتمد بشكل مفرط على قطاعات تقليدية محدودة القيمة المضافة.
يعاني النسيج الصناعي التونسي من تشرذم واضح، إذ تهيمن المؤسسات الصغرى والمتوسطة على المشهد دون اندماج كاف في سلاسل القيمة العالمية، بينما لا تزال شرائح واسعة من المصانع تعمل بتقنيات متقادمة تحدّ من قدرتها التنافسية. ويضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية اللوجستية وارتفاع كلفة الطاقة، فضلا عن التعقيدات الإدارية التي تُبطئ استثمار رؤوس الأموال المحلية والأجنبية على حد سواء. ويظل التمويل المخصص للبحث والتطوير محدودا للغاية، إذ لا تتجاوز النفقات المرصودة له نسبة تقارب 0.5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، رغم أن الحكومة تستهدف بلوغ عتبة 1 بالمائة بحلول سنة 2025.
الأرقام الحديثة تكشف تعافيا متفاوتا
يُظهر تقرير البنك المركزي التونسي الصادر في جوان 2026 أن الاقتصاد الوطني سجّل نموا بنسبة 2.5 بالمئة خلال سنة 2025، متجاوزا لأول مرة مستواه قبل الجائحة، بعد نمو لم يتعدّ 1.6 بالمائة سنة 2024. واستعادت الصناعة التحويلية عافيتها بنسبة 3.2 بالمائة، بقيادة الصناعات الميكانيكية والكهربائية التي قفزت بـ6.2 بالمائة، تلتها الصناعات الغذائية بـ4.5 بالمائة والكيميائية بـ3.2 بالمائة. في المقابل، واصل قطاع النسيج والملابس والجلود تراجعه بنسبة 2.6 بالمائة، متأثرا بضعف الطلب الأوروبي، فيما حقق استخراج الفوسفات قفزة لافتة بلغت 40.7 بالمائة لتصل الإنتاج إلى 3.8 ملايين طن.
على صعيد الاستثمار، بلغت قيمة الاستثمارات المصرّح بها في القطاع الصناعي 2484،3 مليون دينار، خلال سنة 2025، وقدر عدد هذه الاستثمارات بنحو 3909 مشروعا، من المنتظر أن تمكّن، عند إنجازها، من إحداث 37329 موطن شغل، وذلك وفق ملخص نشرة الظرف الاقتصادي، لسنة 2025، نشرته وكالة النهوض بالصناعة والتجديد . لكن حصة الاستثمار الأجنبي منها لم تتجاوز 436.5 مليون دينار، وهو مؤشر على أن جاذبية تونس الاستثمارية لا تزال دون طموحاتها المعلنة. وتبقى المفارقة الأكثر إلحاحا اجتماعية بامتياز، إذ استقر معدل البطالة عند 14.9 بالمائة في النصف الثاني من سنة 2026، بينما قفزت بطالة الشباب بين 15 و24 سنة إلى 38.4 بالمائة، ما يعني أن التعافي الصناعي لم يترجم بعد إلى انفراج حقيقي في سوق الشغل.
هذا وتراهن الاستراتيجية الوطنية على دمج تقنيات الأتمتة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في المنظومة الإنتاجية، بما يتيح صيانة تنبؤية وتحليلا فوريا للبيانات يرفعان الإنتاجية ويقلّصان الأعطال. وتتجاوز أهمية هذا التحول البعد التقني المحض، لتلامس صميم السيادة الاقتصادية، إذ يمكّن التصنيع المحلي المتقدم من تقليص التبعية للواردات التكنولوجية وتعزيز قدرة تونس على مجابهة الصدمات الخارجية. وتندرج أهداف الطاقة المتجددة، التي تستهدف بلوغ 30 بالم ا ئة من إنتاج الكهرباء بحلول 2030، ضمن المسعى ذاته، بوصفها ركيزة لخفض كلفة الطاقة الصناعية وتحرير هامش تنافسي إضافي للمصدّرين.
خارطة طريق لا تحتمل التأجيل
يفرض الواقع الراهن تحركا عاجلا على ثلاثة مستويات متكاملة. يقتضي المستوى الأول تسريع تحديث البنية التحتية الصناعية في الأقطاب التاريخية كبنزرت وصفاقس، بما يعيد لها قدرتها التنافسية. ويستدعي المستوى الثاني تكثيف برامج التكوين المهني المعجّل في مجالات الأتمتة والروبوتيك وتحليل البيانات، لسدّ الفجوة بين مخرجات التعليم وحاجيات سوق شغل يتحول بسرعة. أما المستوى الثالث فيتطلب تبسيط المساطر الإدارية وتوسيع الحوافز الجبائية الموجهة للبحث والتطوير، بما يفتح الباب أمام مؤسسات صغرى ومتوسطة أكثر قدرة على الابتكار والتصدير.
إن نجاح تونس في تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى فرصة حقيقية لن يقاس بمعدلات النمو القطاعي وحدها، بل بقدرة الصناعة على استيعاب اليد العاملة الشابة وتحويل الانتعاش الجزئي إلى ديناميكية إنتاجية شاملة، تُعيد للقطاع الصناعي موقعه كقاطرة فعلية للتنمية الاقتصادية والسيادة الوطنية.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية