هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلقررت السلط التونسية رسميا، في ختام جلسة عمل وزارية عقدت يوم امس الثلاثاء 18 أوت 2026 بقصر الحكومة بالقصبة تحت إشراف رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، الانطلاق الفوري في إعداد النصوص القانونية المتعلقة بالإصلاح الهيكلي الشامل لمنظومة الضمان الاجتماعي.
وتبنّت الحكومة في هذا الإطار مقاربة تكاملية تشمل في آن واحد أنظمة التقاعد ومنظومة التغطية الصحية وآليات الحماية الاجتماعية لصالح الفئات غير المهيكلة، بعد سنوات من التعامل مع اختلالات الصناديق الاجتماعية بإجراءات محدودة الأثر. وشدّدت رئيسة الحكومة على ضرورة أن ينطلق الإصلاح من الواقع الوطني بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن الانسجام بين مختلف الصناديق والهياكل والبرامج ضمن رؤية وطنية متكاملة.
الأرقام تكشف عمق الاختلالات المالية
تعكس المعطيات المالية الأخيرة حجم التحديات التي تواجه صناديق الضمان الاجتماعي التونسية، فقد كشفت تقارير متخصصة أن عجز صناديق الضمان الاجتماعي مجتمعة تجاوز 1.1 مليار دينار خلال سنة 2025، في مؤشر يعكس استمرار الفجوة بين الموارد والنفقات رغم الإجراءات المتتالية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة منذ تعديلات 2019.
وترافق هذا العجز مع تحولات ديموغرافية متسارعة، أبرزها تباطؤ معدلات المواليد وارتفاع نسبة كبار السن في التركيبة السكانية، وهو ما يرفع نسبة الإعالة داخل الأنظمة التوزيعية القائمة على تضامن الأجيال. وفي المقابل، رفعت السلط منذ مطلع سنة 2025 نسبة الاشتراكات الإلزامية للأجراء في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من 9.18 بالمائة إلى 9.68 بالمائة من الأجر الإجمالي، فيما ارتفعت مساهمة مؤسسات التشغيل من 16.57 إلى 17.07 بالمائة، في وقت ألغى قانون المالية لسنة 2026 مساهمة التضامن الاجتماعي التي كانت مفروضة على الأجور منذ 2018.
نحو توسيع التغطية الاجتماعية الفعلية
تستهدف مقاربة الحكومة تحسين التغطية الاجتماعية الفعلية لفائدة فئات واسعة لا تزال خارج مظلة الحماية المؤسساتية، وعلى رأسها العاملون في القطاع غير المنظم والقطاع الفلاحي والصيد البحري وأصحاب المهن الجديدة والعاملون في اقتصاد المنصات.
وتكشف بيانات المعهد الوطني للإحصاء المستمدة من التعداد العام لسنة 2024 أن قرابة ثمانية تونسيين من أصل عشرة يتمتعون بتغطية صحية، سواء عبر الاشتراكات أو برامج الأمان الاجتماعي، في حين يظل نحو 1.9 مليون شخص خارج هذه المظلة، مع تفاوتات لافتة بين الفئات العمرية تسجّل فيها فئة الشباب أدنى مستويات التغطية. ويؤكد تقرير للبنك الدولي صدر في نوفمبر 2025 أن برامج التحويلات النقدية والمساعدات الاجتماعية ساهمت بفعالية في الحد من الفقر، إذ تضاعفت نسبة تغطيتها ثلاث مرات خلال العقد الأخير لتشمل نحو 10 بالمائة من السكان، مع توصية بمزيد تطوير آليات استهداف المنتفعين ورقمنة الخدمات لتحسين النجاعة.
حوكمة الصناديق ومنظومة الصحة
تولي الحكومة أهمية خاصة لبعد الحوكمة داخل الصناديق والهياكل الاجتماعية، من خلال تعزيز الشفافية والرقابة وتحديث قواعد التصرف والمحاسبة ودعم القدرات المؤسساتية والبشرية. وتتقاطع هذه المقاربة مع ملف التغطية الصحية، حيث تسعى السلط إلى تحسين التكامل بين الضمان الاجتماعي والمنظومة الصحية عبر تطوير مسالك التكفل بالأدوية وترشيد النفقة الدوائية ودعم الصناعة الصيدلية المحلية.
ويأتي هذا التوجه في سياق يشير فيه وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر إلى ضرورة إرساء منظومة حماية اجتماعية متعددة الركائز تراعي قدرة المضمونين على المساهمة، فيما تتجه الإصلاحات المتعلقة بالتقاعد المبكر نحو تحديد سن الإحالة عند 57 سنة في القطاع العمومي و55 سنة في القطاع الخاص، شريطة استيفاء مدة اشتراك فعلي تتراوح بين 32 و35 سنة.
التداعيات المرتقبة على التوازنات الاقتصادية
يحمل نجاح هذا الإصلاح انعكاسات مباشرة على توازنات المالية العمومية، باعتبار أن تفاقم عجز الصناديق الاجتماعية يشكل ضغطا متصاعدا على ميزانية الدولة عبر التحويلات والدعم الموجه لسد الفجوات التمويلية.
ويرتبط هذا الملف أيضا بمنظومة التشغيل، إذ تحذر مذكرات اقتصادية من أن ارتفاع كلفة الأداءات المفروضة على العمل، بما فيها الاشتراكات الاجتماعية، قد يشجع على التوجه نحو الاقتصاد الموازي ويحد من فرص التشغيل الرسمي ويضغط على الأجور، في وقت لا يزال معدل البطالة يقارب 15 بالمائة. وتسجل تقديرات النمو الاقتصادي التونسي مسارا معتدلا يقارب 2.4 بالمائة خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2027، وهو ما يفرض على صانعي القرار موازنة دقيقة بين ضرورة تعزيز موارد الصناديق الاجتماعية وعدم إثقال كاهل المؤسسات الاقتصادية بأعباء إضافية قد تعيق دينامية الاستثمار والتشغيل.
تعتمد الحكومة مقاربة تدرجية في تنفيذ الإصلاحات، تبدأ بإجراءات عاجلة تليها إصلاحات على المدى القريب والمتوسط قبل الانتقال إلى التحولات الهيكلية طويلة المدى، مع التعويل على تسريع التحول الرقمي للخدمات الاجتماعية والصحية عبر تأهيل منظومة المعرّف الاجتماعي ورقمنة الملف الطبي. ويبقى نجاح هذا المسار رهين قدرة السلط على الموازنة بين الاستدامة المالية للصناديق ومقتضيات العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية للمضمونين، في ظل بيئة اقتصادية إقليمية ودولية لا تزال تفرض تحديات على مسار التعافي الاقتصادي التونسي.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية