آخر الأخبار

أسعار الغذاء في تونس: هل ينجح الإنذار المبكر في ترويض الأسعار؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تنطلق تونس في مسعى جديد لفهم واحدة من أكثر الإشكاليات الاقتصادية إلحاحا على الأسرة التونسية، وهي كيفية تشكل أسعار المنتجات الفلاحية ومنتجات الصيد البحري بين مرحلة الإنتاج ومرحلة الاستهلاك النهائي.

في هذا الاطار، عقدت وزارة التجارة وتنمية الصادرات، بإشراف الوزير سمير عبيد، جلسة عمل خُصصت لعرض الملامح الكبرى لدراسة يعتزم المعهد الوطني للاستهلاك إنجازها حول هذا الموضوع، في خطوة تكتسي بعدا استراتيجيا يتجاوز البعد الظرفي إلى معالجة هيكلية لمنظومة تشكل الأسعار ومسالك التوزيع.

معايير علمية لضبط تشكل الأسعار

يكتسي تبني معايير علمية دقيقة في تحليل تشكل أسعار المنتجات الفلاحية أهمية محورية في السياق التونسي الراهن، إذ تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن نسبة التضخم السنوي بلغت 5.3 بالمائة خلال شهر جوان 2026، فيما سجلت أسعار مجموعة التغذية والمشروبات ارتفاعا بلغ 7.1 بالمائة على أساس سنوي.

وتكشف التفاصيل القطاعية عن تفاوتات لافتة، حيث ارتفعت أسعار لحم الضأن بنسبة 18.3 بالمائة، ولحم البقر بـ13.6 بالمائة، والدواجن بـ13.5 بالمائة، والأسماك الطازجة بـ11.7 بالمائة، والغلال الطازجة بـ11 بالمائة، وهي نسب تفوق بكثير المعدل العام للتضخم. ويُظهر هذا التفاوت أن جزءا كبيرا من الغلاء لا يعود بالضرورة إلى ندرة العرض أو ارتفاع كلفة الإنتاج فحسب، بل يرتبط أيضا بطريقة تشكل الأسعار عبر مختلف حلقات التوزيع، وهو ما تسعى الدراسة الجديدة إلى تفكيكه عبر تحليل الفوارق والهوامش بين أسعار الإنتاج والجملة والاستهلاك.

وتتيح مقاربة معيارية موحدة، مستمدة من تحليل السلسلة الإنتاجية وسلاسل القيمة، تحديد الحلقة أو الحلقات التي تستحوذ على الهامش الأكبر من قيمة المنتج، سواء كانت حلقة الجملة أو التفصيل أو الوسطاء غير الرسميين. وتبرز الحاجة إلى هذه المعايير بجلاء حين تتقاطع مع معطى القدرة الشرائية، إذ تؤكد معطيات أن سلة الاستهلاك التي كانت تكلف مائة دينار سنة الأساس 2015 أصبحت تكلف اليوم نحو 194.8 دينارا، وأن الأسر التونسية فقدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة أكثر من 20 بالمائة من قدرتها الشرائية بالقيمة الحقيقية. وتضع هذه المعطيات مسألة شفافية تشكل الأسعار في صلب أي استراتيجية للحد من التضخم المستورد والمحلي على حد سواء.

الإنذار المبكر أداة استباقية لتنظيم الأسواق

تبرز الحاجة إلى إرساء أنظمة إنذار مبكر في القطاع التجاري بوصفها استجابة منهجية لظاهرة تقلب أسعار المواد الطازجة الحادة نسبيا مقارنة بالمواد المصنعة، إذ لا تتجاوز نسبة ارتفاع أسعار هذه الأخيرة 4.7 بالمائة في المقابل. وتسمح منظومة الرصد المستمر للأسعار والتدفقات، إذا ما استندت إلى نماذج اقتصادية قياسية، برصد الإشارات المبكرة لأي اختلال في العرض أو تسارع غير مبرر في الأسعار قبل أن يتحول إلى أزمة استهلاكية موسمية، على غرار ما يتكرر عشية شهر رمضان أو خلال موجات الحر الصيفية التي تربك سلاسل التوريد.

وتمكّن هذه الأنظمة، من الناحية الاقتصادية الكلية، من الانتقال من منطق التدخل الظرفي القائم على المراقبة الميدانية والزجر إلى منطق استباقي يعتمد على البيانات والتوقعات، وهو ما من شأنه أن يخفف الضغط على صندوق دعم المواد الأساسية ويحسن كفاءة تخصيص الموارد العمومية الموجهة لتعديل الأسواق. كما تتيح متابعة تدفق السلع لحظيا تحديد مواطن الاحتكار أو التخزين غير المشروع في وقت مبكر، بما يحمي في الآن ذاته مداخيل الفلاحين من الانهيار المفاجئ للأسعار عند وفرة الإنتاج، ومصلحة المستهلك من الارتفاعات غير المبررة عند الندرة.

جهود مؤسساتية نحو مقاربة علمية للأسواق

تعكس مبادرة وزارة التجارة وتنمية الصادرات توجها مؤسساتيا متجددا نحو تبني أدوات علمية لفهم آليات تشكل الأسعار، بعد أن أكد الوزير سمير عبيد أن الدراسة ستوفر إطارا مرجعيا لتحديد مكامن الخلل بصفة موضوعية، بما يتيح الانتقال من معالجة الإشكاليات ظرفيا إلى اعتماد حلول هيكلية دائمة. وتقوم منهجية الدراسة، التي سيتولى إنجازها المعهد الوطني للاستهلاك، على الحوار بين القطاعين العام والخاص وتحليل السلسلة الإنتاجية بمختلف حلقاتها، وهي مقاربة تراهن على إشراك المهنيين والفلاحين والموزعين بدل الاكتفاء بمعطيات إدارية أحادية المصدر.

وتكتسي دعوة الوزير إلى توسيع التشاور ليشمل مختلف الأطراف المتدخلة والاستناد إلى معطيات ميدانية دقيقة دلالة مهمة، حيث يؤسس لمقاربة تشاركية تراعي تعدد مشمولات الهياكل ذات العلاقة، من وزارة الفلاحة إلى الديوان الوطني للزيت وديوان الحبوب ومصالح المنافسة والأسعار. وقد تم الاتفاق، في هذا الصدد، على عقد جلسات تنسيقية لاحقة لتعميق النقاش وتبادل البيانات قبل تنظيم ورشة عمل ختامية تفضي إلى نتائج نهائية موحدة، وهو مسار تدريجي يعكس حرصا على بناء توافق مؤسساتي واسع قبل إقرار أي إصلاح تنظيمي لمسالك التوزيع.

تندرج هذه الدراسة، من زاوية الاقتصاد الكلي، ضمن رهان أوسع يتعلق بكبح جماح التضخم المستورد المرتبط بأسعار الطاقة والأسمدة والتوترات الجيوسياسية، والذي يظل العامل الأكثر تهديدا لاستقرار الأسعار المحلية خلال الأشهر المقبلة وفق تقديرات خبراء الاقتصاد. ويتيح ضبط هوامش التوزيع الداخلية هامش مناورة إضافيا للسلطات النقدية والتجارية للحد من الانعكاسات التضخمية للصدمات الخارجية، دون اللجوء المفرط إلى آليات الدعم المباشر التي تثقل كاهل الموازنة العامة.

وتظل قيمة هذا المسار الإصلاحي مرهونة بترجمة نتائجه إلى إجراءات تنظيمية ملموسة تعزز شفافية الأسواق وتحد من الريع غير المبرر داخل سلاسل التوزيع، بما يخدم في آن واحد استقرار مداخيل الفلاحين وحماية القدرة الشرائية للمستهلك التونسي، ويرسي تدريجيا حوكمة اقتصادية أكثر نضجا لأحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الوطني.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا