آخر الأخبار

رقمنة التعليم في تونس: هل تغدو المدرسة محركا لاقتصاد المعرفة ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تكشف دراسة أكاديمية حديثة، عن واقع مركّب لمسار الرقمنة في المنظومة التربوية التونسية، إذ يتقاطع فيه حماس المعلمين ووعي الأولياء مع نقائص هيكلية في التكوين والتجهيز والحوكمة.

وتستند الدراسة إلى استبيان ميداني شمل مائة معلم موزعين على مؤسسات تربوية مختلفة، إلى جانب استبيانين موجهين للمتعلمين وأوليائهم، ومقابلات مع متفقدين ومديري مؤسسات ومسؤولين بالمركز الوطني للتكنولوجيات في التربية.

تبرز النتائج أن تونس، على غرار عديد الدول النامية، لم تنخرط بشكل كاف في رقمنة التعليم إلا مع جائحة كوفيد-19، حين فرض التعليم عن بعد نفسه كضرورة استثنائية سرعان ما تحوّلت إلى مطلب بنيوي دائم. ويضع هذا المعطى مسار التحول الرقمي التربوي التونسي في سياق أوسع يتصل بمشروع الاقتصاد الرقمي الوطني، باعتبار أن جودة رأس المال البشري الرقمي تُبنى أساسا داخل المدرسة قبل أن تنعكس على سوق الشغل وتنافسية الاقتصاد.

فجوة التكوين تُثقل كاهل المعلمين

تُظهر معطيات الاستبيان الأول أن 72 بالمائة من المعلمين المستجوبين لم يشاركوا في أي دورة تكوينية متخصصة في استغلال تكنولوجيا المعلومات والاتصال، فيما اكتسب من تلقّوا هذا التكوين مهاراتهم أساسا عبر تكوينهم الجامعي أو من خلال التعلّم الذاتي المستمر. وتعكس هذه النسبة، حسب الدراسة، خللا في السياسات المؤسسية للتكوين المستمر أكثر منها قصورا فرديا لدى المعلمين، إذ أفاد 67 بالمائة ممن استفادوا من التكوين بأنه حقق لهم فائدة ملموسة، مقابل 24 بالمائة رأوا فائدة نسبية، وهو ما يرجّح الفرضية القائلة بأن الاستثمار في التكوين المهني يُنتج أثرا مباشرا على جودة الممارسة التعليمية.

وتشير التصريحات التي جمعتها الدراسة من المتفقدين والمديرين إلى أن الدورات التكوينية القائمة “تعيش في أوقات غير منظّمة وتبقى قليلة العدد”، وأن الحيز الزمني المخصص للتربية الرقمية داخل المؤسسات لا يتجاوز ساعة واحدة أسبوعيا في أغلب الحالات. ويكشف هذا الواقع عن حاجة ملحة لإعادة هندسة برامج التكوين المستمر ضمن رؤية حوكمية شاملة، تربط بين مخرجات التكوين ومؤشرات الأداء التربوي بدل الاكتفاء بالمقاربة الظرفية.

البنية التحتية: تفاوت يهدد مبدأ تكافؤ الفرص

يتّضح من نتائج المسح أن توفر الوسائل الرقمية يتفاوت بشكل حاد بين المؤسسات التربوية، حيث لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي تتمتع بتوفر جيد للأدوات الرقمية 23 بالمائة، في حين تعاني 53 بالمائة منها من ضعف واضح في هذا التوفر. ويُترجم هذا التفاوت المجالي والمؤسسي أحد أبرز تحديات الحوكمة الرقمية للتعليم، إذ يهدد بتكريس فجوة رقمية بين المدارس تنعكس لاحقا على تكافؤ الفرص بين المتعلمين أنفسهم.

وتُرجع الدراسة الصعوبات التقنية التي يواجهها المعلمون أساسا إلى غياب الاتصال بشبكة الإنترنت أو ضعفه، إذ عبّر 50 بالمائة عن معاناتهم من انعدام الإنترنت و38 بالمائة من ضعف تدفقه، فيما أشار 52 بالمائة إلى نقص عام في الأجهزة والوسائل الرقمية المتاحة. ويستدعي هذا المعطى، من منظور اقتصادي، استثمارا عموميا مُوجّها في البنية التحتية الرقمية للمدارس بوصفها استثمارا في رأس المال البشري المستقبلي، لا مجرد نفقة تجهيزية عابرة.

تلاحظ الدراسة أن نسبة مهمة من المعلمين تجاوزت هذه العراقيل الهيكلية عبر مبادرات ذاتية، إذ يستخدم 46 بالمائة منهم تكنولوجيا المعلومات والاتصال بشكل دائم في دروسهم، ويعتمد جهاز العرض كأداة رئيسية لدى 68 بالمائة منهم، تليه الحواسيب بنسبة 29 بالمائة والهواتف الذكية بنسبة 23 بالمائة. ويكشف هذا التفاوت بين ضعف التكوين المؤسسي وارتفاع نسبة الاستعمال الفعلي عن دينامية ذاتية لدى شريحة من المعلمين، تقوم على التعلّم الذاتي والتجريب الشخصي كجسر لتجاوز محدودية الموارد.

وتنعكس هذه الجهود إيجابا على تفاعل المتعلمين، إذ رصد 73 بالمائة من المعلمين تطورا ملحوظا في مستوى تفاعل تلاميذهم عقب استخدام الوسائل الرقمية، بينما اعتبر 90 بالمائة من مجمل العينة أن رقمنة الدروس تشكل استراتيجية فعّالة لتحسين مسار التعليم والتعلّم. ويؤكد أولياء التلاميذ بدورهم هذا التوجه الإيجابي، إذ عبّر أغلبهم عن رضاهم عن جودة التعليم المعتمد على هذه التكنولوجيا وعن أثره الإيجابي في تحفيز أبنائهم على البحث والتفكير المستقل.

نحو حوكمة رقمية متكاملة للمنظومة التربوية

تفضي هذه المعطيات مجتمعة إلى استنتاج محوري اذ لا يكمن التحدي الأساسي في غياب القناعة أو الرغبة لدى الفاعلين التربويين، ولكن في غياب إطار حوكمي وطني يربط بين التكوين والتجهيز والتقييم ضمن استراتيجية رقمية متسقة. ويوصي الباحثان في هذا الصدد بتعميم التربية الرقمية على جميع المؤسسات المدرسية بشكل تدريجي ومنهجي، وتوعية المعلمين بأهمية دمج هذه الأدوات في الممارسات البيداغوجية اليومية بدل اعتبارها إضافة اختيارية.

كما تدعو الدراسة إلى تحفيز الكفاءات المتميزة من المعلمين ماديا ومعنويا للانخراط في البرامج الرقمية، وإطلاق حملات توعية موجهة للأولياء تُبرز القيمة المضافة لهذه الأدوات في المسار التعليمي لأبنائهم. وتندرج هذه التوصيات ضمن منطق حوكمي أوسع يتجاوز البعد التربوي المحض، ليلامس أولويات التحول الرقمي الوطني الذي تنتهجه تونس في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدماتية.

ويبقى الرهان الأكبر متعلقا بقدرة صانعي القرار على تحويل هذه المؤشرات الميدانية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس، عبر تخصيص موازنات واضحة للبنية التحتية الرقمية المدرسية، وبناء منظومة تكوين مستمر تُقيَّم دوريا وفق مؤشرات أداء دقيقة. فالمدرسة الرقمية التي ترسم تونس ملامحها اليوم ليست مجرد مشروع تربوي معزول، بل ركيزة أساسية لبناء اقتصاد رقمي تنافسي يعتمد على كفاءات بشرية مؤهلة منذ مقاعد الدراسة الأولى.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا