هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
قد تبدو هذه العملية المالية شبه متناقضة: الولايات المتحدة باعت اليورو لشراء الين الياباني.
و كان الهدف مساعدة اليابان على وقف الانهيار الحاد في قيمة عملتها. غير أن اختيار واشنطن أثار تساؤلات في أوروبا لسبب آخر، إذ أفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن البنك المركزي الأوروبي لم تتم استشارته قبل تنفيذ المعاملات. ويرى عدد من كبار مسؤولي البنك أن ما حدث يمثل خروجا غير معتاد عن الأعراف غير المكتوبة التي تحكم التعاون بين السلطات النقدية الغربية الكبرى.
و تكتسب القضية أهمية خاصة لأنها تمثل أول تدخل أمريكي يهدف إلى شراء الين ودعم العملة اليابانية مباشرة منذ عام 1998. وكانت واشنطن قد تدخلت أيضا عام 2011 إلى جانب شركائها في مجموعة السبع، ولكن في الاتجاه المعاكس، إذ جرى حينها بيع الين للحد من ارتفاعه القوي.
فما الذي حدث تحديدا؟ ولماذا تملك الولايات المتحدة احتياطيات باليورو؟ ولماذا استخدمتها بدلا من الدولار؟ والأهم من ذلك، لماذا تثير هذه العملية قلق بعض المسؤولين الأوروبيين؟
كل شيء بدأ في اليابان.
فقد دخلت العملة اليابانية مرحلة جديدة من الضعف الحاد، بعدما اقترب سعر الدولار من 164 ينا، ما دفع الين إلى مستويات لم يسجلها منذ نحو أربعة عقود.
و قد تكون العملة الضعيفة مفيدة للمصدرين اليابانيين، لأنها تجعل منتجاتهم أقل تكلفة في الخارج. إلا أن لها في المقابل كلفة مرتفعة على اقتصاد يستورد جزءا كبيرا من حاجاته من الطاقة والمواد الأولية.
و كلما تراجع الين، ارتفعت كلفة الواردات بالنسبة للشركات والأسر اليابانية، ما يزيد من الضغوط التضخمية.
لذلك قررت طوكيو التدخل مباشرة في سوق الصرف، عبر بيع أصول أو عملات أجنبية بهدف شراء كميات كبيرة من الين، وبالتالي رفع الطلب على العملة المحلية بشكل مصطنع.
لكن اليابان لم تكن وحدها هذه المرة.
قررت الولايات المتحدة دعم التدخل الياباني.
و يُعد هذا القرار استثنائيا. ووفقا لوكالة رويترز، فهذه هي المرة الأولى منذ 1998 التي تشتري فيها وزارة الخزانة الأمريكية الين بشكل مباشر بهدف دعم العملة اليابانية.
و كان يمكن أن يتم التدخل بالطريقة التقليدية: تبيع واشنطن الدولار، ثم تستخدم الأموال لشراء الين، فتساهم في رفع قيمة العملة اليابانية.
لكن الولايات المتحدة اختارت مسارا مختلفا.
لقد باعت اليورو.
و أكدت رويترز، نقلا عن مصدرين في السوق، أن وزارة الخزانة الأمريكية اشترت الين مقابل اليورو. ووصف محللون في بنك HSBC هذه الطريقة بأنها «غير معتادة إلى حد كبير»، وربما تكون غير مسبوقة بهذا الشكل.
و هذا الاختيار تحديدا هو ما أثار انتباه البنك المركزي الأوروبي.
قد يبدو السؤال مفاجئا: كيف يمكن لواشنطن أن تبيع العملة الأوروبية؟
الجواب بسيط: لأن الولايات المتحدة تمتلك هي الأخرى احتياطيات من العملات الأجنبية.
و تدير وزارة الخزانة الأمريكية أداة أُنشئت في ثلاثينيات القرن الماضي تعرف باسم Exchange Stabilization Fund، أو صندوق استقرار الصرف.
ويتيح هذا الصندوق للحكومة الأمريكية التدخل في أسواق العملات.
و على عكس ما قد يُعتقد، فإن احتياطياته من العملات الأجنبية لا تتكون من عدد كبير من العملات.
و توضح وزارة الخزانة الأمريكية رسميا أن الأصول الأجنبية للصندوق مقومة حاليا فقط بـاليورو والين. وقد تكون في شكل ودائع لدى بنوك مركزية أجنبية أو استثمارات في سندات حكومية أجنبية.
و بالتالي، تمتلك واشنطن اليورو بصورة قانونية ويمكنها اتخاذ قرار ببيعه.
و المشكلة التي أثيرت في أوروبا ليست أن الولايات المتحدة استخدمت عملة لا تملكها.
فاليورو الذي بيع كان بالفعل من الأصول الأمريكية.
لكن الإشكال يكمن في مكان آخر.
بحسب فايننشال تايمز، لم يتم إبلاغ البنك المركزي الأوروبي قبل التدخل.
و كان بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الذي يتولى عادة تنفيذ عمليات الصرف لصالح وزارة الخزانة الأمريكية، قد أنجز المعاملات بالفعل عندما تم إبلاغ البنك المركزي الأوروبي بالقرار.
و بعد ذلك، أجرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد محادثات مع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت.
و يرى بعض كبار المسؤولين الأوروبيين الذين نقلت عنهم الصحيفة البريطانية أن الأسلوب الأمريكي يمثل سابقة مقلقة في العلاقات بين السلطات النقدية الغربية الكبرى. كما أكدت رويترز أن بعض مسؤولي البنك المركزي الأوروبي يعتبرون استخدام اليورو من دون تشاور مسبق خروجا غير مألوف عن تقاليد التعاون التاريخية.
لكن ينبغي توضيح نقطة مهمة: الأمر لا يتعلق بإدانة رسمية من الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة.
فلا المفوضية الأوروبية ولا الحكومات الأوروبية مجتمعة دخلت في مواجهة مع واشنطن بشأن هذا الملف. والقلق الذي تم نقله يتعلق أساسا ببعض كبار مسؤولي البنك المركزي الأوروبي والتداعيات المحتملة على التعاون النقدي الدولي.
لا توجد قاعدة تلزم الولايات المتحدة بطلب إذن البنك المركزي الأوروبي لبيع احتياطياتها الخاصة من اليورو.
غير أن البنوك المركزية ووزارات المالية في الاقتصادات الكبرى اعتادت منذ عقود التشاور فيما بينها عندما يكون تدخل مهم في سوق الصرف قادرا على التأثير بشكل مباشر في عملة شريك.
و السبب بسيط.
فالتدخل في عملة ما قد يبعث برسالة سياسية قوية إلى الأسواق.
فإذا باعت واشنطن كميات كبيرة من اليورو، قد يفسر بعض المستثمرين ذلك على أنه إشارة إلى رغبة الولايات المتحدة في انخفاض قيمة العملة الأوروبية.
و إذا كان البنك المركزي الأوروبي يتبع في الوقت نفسه سياسة معاكسة، فإن الأسواق ستتلقى إشارتين متناقضتين.
و قد ساهم هذا التنسيق غير الرسمي، منذ سنوات طويلة، في الحد من التوترات بين العملات العالمية الكبرى.
لذلك لا ينصب القلق الأوروبي أساسا على حجم الأموال المبيعة، بل على السابقة التي خلقها تدخل أمريكي في اليورو من دون تشاور مسبق.
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إثارة للاهتمام في القضية بأكملها.
كان بإمكان واشنطن، من أجل دعم الين، بيع الدولار وشراء العملة اليابانية.
بل إن هذه الطريقة تبدو الأكثر منطقية.
لكنها كانت ستؤدي إلى أثر جانبي، إذ كان من الممكن أن يتعرض الدولار لضغوط هبوطية.
و الولايات المتحدة لا ترغب حاليا في إرسال إشارة إلى الأسواق بأنها تسعى إلى إضعاف عملتها.
و يرى محللون في Barclays وHSBC وMUFG أن استخدام اليورو سمح لواشنطن بتركيز تدخلها على الين من دون إعطاء الانطباع بأن سياسة تهدف إلى إضعاف الدولار قد بدأت.
و يفسر السياق الأمريكي هذا الحذر.
فانخفاض الدولار يرفع أسعار المنتجات المستوردة إلى الولايات المتحدة، وبالتالي قد يزيد الضغوط التضخمية. في حين لا تزال السلطات الأمريكية تعمل على احتواء التضخم الذي يتجاوز مستوياتها المستهدفة.
و بالتالي، كان «إنقاذ» الين مع تجنب إضعاف الدولار معادلة دقيقة.
أما الحل الذي تم اختياره، فكان استخدام اليورو كعملة وسيطة.
خلف قضية العملات، يوجد أيضا سوق ضخم للغاية، وهو سوق الدين الأمريكي.
فاليابان تمتلك كميات كبيرة من سندات الخزانة الأمريكية.
و للحصول على الدولارات اللازمة لتدخل واسع لدعم الين، قد تضطر طوكيو إلى بيع جزء من تلك السندات.
و هنا تظهر المشكلة بالنسبة لواشنطن: إذا بدأ أحد كبار حاملي الدين الأمريكي في بيع سنداته بكميات كبيرة، فقد تنخفض أسعارها وترتفع عوائدها.
و هذا قد يؤدي إلى ارتفاع كلفة تمويل الولايات المتحدة.
و لهذا يرى عدد من المحللين أن المساعدة الأمريكية للين تخدم أيضا مصلحة عملية للغاية بالنسبة لواشنطن، وهي تفادي اضطرار اليابان إلى بيع كميات ضخمة من سندات الخزانة الأمريكية للدفاع عن عملتها.
و قد أشار سكوت بيسنت علنا إلى حل آخر يتمثل في زيادة استخدام آلية تعرف باسم FIMA Repo التابعة للاحتياطي الفيدرالي.
و مبدأ هذه الآلية بسيط نسبيا.
إذ يمكن لبنك مركزي أجنبي أن يقدم مؤقتا سنداته الأمريكية إلى الاحتياطي الفيدرالي كضمان ويحصل في المقابل على دولارات، بدلا من بيع تلك السندات مباشرة في السوق.
و بذلك تتيح الآلية الحصول على سيولة مع تجنب عملية بيع واسعة للدين الأمريكي قد تؤدي إلى اضطراب أسعار الفائدة.
و بعبارة أخرى، فإن واشنطن، من خلال مساعدة اليابان على الدفاع عن الين، قد تكون تحمي أيضا سوق سنداتها الخاصة.
المبالغ ضخمة، لكنها لا تزال مؤقتة وغير نهائية.
و قدرت فايننشال تايمز أن اليابان ربما استخدمت نحو 13.8 تريليون ين، أي حوالي 87 مليار دولار، خلال يومين فقط.
و تشير بيانات للبنك المركزي جرى تحليلها لاحقا من قبل رويترز إلى أن طوكيو قد تكون أنفقت ما يصل إلى 58.97 مليار دولار في اليوم الأول، ثم 36.58 مليار دولار في اليوم التالي، أي ما يقارب 95.5 مليار دولار خلال جلستين.
لكن ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بحذر، لأنها تقديرات مبنية على تحركات لوحظت في حسابات بنك اليابان.
و من المقرر أن تنشر وزارة المالية اليابانية الأرقام الرسمية المفصلة في 28 أوت 2026.
و مع ذلك، فإن حجم هذه التقديرات يكشف مدى ضخامة التدخل.
على المدى القصير، نعم.
بعد أن اقترب الدولار من مستوى 164 ينا، سجلت العملة اليابانية انتعاشا قويا.
و تراجع الدولار إلى نحو 157 إلى 158 ينا، فيما ارتفع الين بنحو 4% خلال أسبوع واحد، مسجلا أفضل أداء أسبوعي له منذ عامين.
كما أثرت العملية بشكل مباشر في اليورو.
فقد بلغ سعر اليورو نحو 187.4 ينا قبل التدخل، قبل أن ينخفض لفترة وجيزة إلى ما دون 180 ينا، أي بتراجع تجاوز 4%.
و هذا يعكس حقيقة أساسية في أسواق الصرف: لا تتحرك أي عملة كبرى بمعزل عن غيرها.
فعندما تبيع واشنطن اليورو لشراء الين، يمكن أن تنتقل التأثيرات بسرعة إلى أسعار صرف اليورو مقابل الدولار، والدولار مقابل الين، وإلى أصول مالية أخرى.
النجاح الفوري لا يضمن أن يظل الين قويا على المدى الطويل.
فالتدخلات في أسواق الصرف قد توقف هبوطا حادا أو تردع المضاربين لفترة مؤقتة، لكنها تواجه صعوبة أكبر بكثير في تغيير اتجاه اقتصادي عميق.
و يرتبط ضعف الين خصوصا بالسياسة النقدية اليابانية، ومستويات أسعار الفائدة، وآفاق الميزانية في البلاد، والفارق بين عوائد السندات اليابانية والأمريكية.
و إذا بقيت هذه العوامل دون تغيير، فقد يعود المستثمرون إلى بيع العملة اليابانية بعد زوال الأثر النفسي للتدخل.
و لهذا تراقب الأسواق باهتمام كبير القرارات المقبلة لبنك اليابان.
القضية، إذن، لا تتعلق بالين وحده.
بل تكشف شيئا أعمق بشأن التحولات الجديدة في العلاقات المالية الدولية.
فقد استخدمت الولايات المتحدة احتياطياتها من اليورو للدفاع عن عملة حليف آسيوي، من دون إبلاغ المؤسسة المسؤولة عن السياسة النقدية لمنطقة اليورو مسبقا.
من الناحية القانونية، كان بإمكان واشنطن التصرف في هذه الأصول.
و من الناحية المالية، يبدو أن العملية حققت هدفها الأول، وهو وقف انهيار الين بشكل مؤقت.
لكن من الناحية الدبلوماسية، تثير الطريقة تساؤلات.
فهي تشير إلى أن الولايات المتحدة مستعدة للتدخل بصورة أكثر نشاطا في أسواق العملات عندما تتعرض مصالحها الاقتصادية أو مصالح حلفائها للخطر. وقد تحدثت فايننشال تايمز بالفعل عن ظهور شكل جديد من «النشاط النقدي» الأمريكي في عهد سكوت بيسنت.
و ربما يكمن هنا الرهان الحقيقي بالنسبة لأوروبا.
فالمشكلة ليست أن واشنطن باعت بعض ما تملكه من اليورو.
بل في السؤال الذي تطرحه هذه العملية بشأن المستقبل: إذا كان بإمكان الولايات المتحدة التدخل في اليورو للدفاع عن عملة أخرى من دون تشاور مسبق، فهل ستظل هذه الممارسة استثنائية أم أنها تعلن عن طريقة جديدة لإدارة موازين القوى النقدية العالمية؟
و بالنسبة إلى البنك المركزي الأوروبي والأسواق على حد سواء، فإن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسألة ثانوية.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية