آخر الأخبار

من الاستيراد إلى الاستدامة: أي مستقبل غذائي لتونس؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تمتلئ الأسواق التونسية كل صباح بالخضر والفواكه والحبوب، فتمنح المستهلك انطباعا بأن مسألة الغذاء محسومة ولا تستدعي القلق.

غير أن هذه الوفرة الظاهرة تخفي، حسب المؤشرات الاقتصادية والبيئية المتوفرة، توازنا هشا يتغذى من الاستيراد أكثر مما يستند إلى قدرات الإنتاج الوطني، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية والتربة تحت وطأة التغير المناخي. ويكشف هذا الواقع أن السؤال الجوهري لم يعد يتعلق بتوفر الغذاء اليوم، بل بقدرة تونس على ضمانه خلال العقدين القادمين، وهو رهان يتجاوز القطاع الفلاحي ليشمل الحوكمة البيئية والتمويل المناخي والعدالة الاجتماعية في الأرياف.

مفارقة الأرقام: تحسن ظرفي وهشاشة هيكلية

تسجل الأرقام الرسمية الأخيرة تحسنا لافتا في الميزان التجاري الغذائي، إذ بلغ فائض هذا الميزان 798.3 مليون دينار خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، مقابل 615.7 مليون دينار في الفترة ذاتها من 2025، فيما حافظ الميزان على فائض بلغ 1280 مليون دينار خلال السنة الفلاحية 2025 بنسبة تغطية ناهزت 119.8 بالمائة، لترتفع هذه النسبة إلى 139.6 بالمائة مع مطلع 2026. ويعكس هذا الأداء، وفق المرصد الوطني للفلاحة ووزارة التجارة، قدرة القطاع على دعم التوازنات الخارجية للبلاد رغم تقلبات الأسواق العالمية.

تختبئ خلف هذا التحسن الظرفي، مع ذلك، هشاشة بنيوية تعكسها المؤشرات الدولية، إذ تراجع ترتيب تونس في مؤشر الأمن الغذائي العالمي إلى المرتبة 64 من أصل 113 بلدا، بعدما كانت تحتل المرتبة 51 قبل سنوات قليلة. ويرى باحثون في دراسة استشرافية تمتد إلى أفق 2070، أن مستقبل الأمن الغذائي التونسي يتوقف أساسا على محورين متلازمين هما التحول نحو فلاحة مستدامة واعتماد أنماط استهلاك أكثر مسؤولية، في ظل محركات خارجية تتصل بالتحولات الجيوسياسية وأخرى داخلية ترتبط بندرة الموارد الطبيعية.

المياه وتشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية

تواجه تونس عجزا مائيا هيكليا يضعها ضمن الدول الثلاثين الأولى عالميا من حيث ندرة المياه، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة 420 مترا مكعبا سنويا في 2025 مقابل 450 مترا مكعبا سنة 2020، وهو مستوى دون عتبة الشح المائي المحددة عالميا بخمسمائة متر مكعب. ويقدر بنك التنمية الإفريقي العجز المائي السنوي للبلاد بنحو 1.2 مليار متر مكعب، فيما يستنزف القطاع الفلاحي وحده نحو 70 بالمائة من إجمالي الموارد المائية، وهو ما جعل موجات الجفاف المتكررة تتسبب في تراجع إنتاج الحبوب بنسب بلغت في بعض المواسم 60 بالمائة.

تشير المعطيات، في المقابل، إلى بوادر تحسن ظرفي، إذ ارتفعت نسبة امتلاء السدود إلى نحو 65 بالمائة سنة 2025 مقارنة بـ45 بالمائة في 2024 و35 بالمائة في 2023، بفعل تساقطات استثنائية سجلت مطلع 2026. ويحذر خبراء من اعتبار هذا التحسن مؤشرا على تحول هيكلي حقيقي، داعين إلى استثمارات طويلة الأمد في حوكمة الموارد المائية بدل الاكتفاء بالتعامل مع التقلبات الموسمية. وقد استجاب البنك الدولي لهذا التحدي بالموافقة على تمويل بقيمة 332.5 مليون دولار لتحديث منظومة الفلاحة السقوية وتحسين خدمات الري، وهو تمويل يُتوقع أن يحدث أكثر من أربعة آلاف فرصة شغل قارة وثلاثة عشر ألف فرصة مؤقتة في المناطق الريفية.

المرأة الريفية وتحدي التثمين الكافي

يضطلع العنصر النسائي بدور محوري في استمرارية الإنتاج الفلاحي التونسي، إذ تمثل النساء نحو 70 بالمائة من اليد العاملة النشطة في الأرياف و80 بالمائة من العاملين في القطاع الفلاحي، ويفوق عددهن في هذا المجال 600 ألف عاملة. وتظل مفارقة صارخة قائمة رغم هذا الثقل، إذ لا تمثل النساء سوى 15 بالمائة من القوة العاملة القارة و8 بالمائة فقط من أصحاب الاستغلاليات الفلاحية، فيما يحرم أكثر من 90 بالمائة منهن من أي تغطية اجتماعية.

يفتح تصحيح هذا الخلل، بحسب باحثين في الشأن الريفي، بابا مزدوجا للتقدم الاجتماعي والنجاعة الاقتصادية في آن واحد، ذلك أن تيسير نفاذ النساء إلى الأراضي والتمويل والتجهيزات الفلاحية يشكل رافعة مباشرة لتعزيز الإنتاجية وتحسين قدرة الأسر الريفية على الصمود أمام الصدمات المناخية والاقتصادية المتتالية.

الابتكار والتمويل المناخي، رافعتا التحول الإيكولوجي

تراهن السلطات التونسية على الابتكار التكنولوجي كأداة لترشيد استخدام المياه وتحديث الممارسات الفلاحية، من خلال منظومة ناشئة في مجال التكنولوجيا الفلاحية تشمل حلولا رقمية لإدارة الري ومنصات إلكترونية للتصرف في الملك العمومي المائي ونظم معلوماتية تدعم اتخاذ القرار. وتبقى قدرة هذه الحلول على الانتقال من التجربة المحدودة إلى التعميم الواسع مرهونة بتبسيط الإجراءات الإدارية وتوسيع النفاذ إلى التمويل، بحسب ما يؤكده مسؤولون في وزارة الفلاحة.

تكشف الحكومة التونسية، في هذا الإطار، عن خارطة طريق مناخية جديدة تحت مسمى المساهمة المحددة وطنيا في نسختها الثالثة، تستهدف تعبئة تمويلات بقيمة 55 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 161.3 مليار دينار، خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2035، مع وضع المياه والفلاحة في صدارة أولوياتها. وتسعى تونس، التي لا تتجاوز مساهمتها في الانبعاثات العالمية 0.07 بالمائة، إلى ترسيخ نموذج تنموي منخفض الكربون وقادر على الصمود، عبر إدماج البعد المناخي مباشرة في ميزانية الدولة ومخطط التنمية للفترة 2026 2030.

يتقاطع في تونس اليوم مساران محتملان لمواجهة تحدي الغذاء، أولهما مواصلة الاعتماد الكثيف على الاستيراد لضمان توازن قصير المدى دون معالجة جذور الهشاشة، وثانيهما تسريع الانتقال الإيكولوجي الفلاحي عبر الجمع بين تثمين المرأة الريفية ودعم الابتكار وتعبئة التمويل المناخي بطموح أكبر. وتمتلك البلاد، حسب ما تظهره المؤشرات المتاحة، أغلب المقومات اللازمة لسلوك المسار الثاني، من كفاءات بشرية إلى شراكات دولية داعمة، بما يجعل الرهان الحقيقي متعلقا بسرعة اتخاذ القرار أكثر من توفر الإمكانيات ذاتها. وكلما بكّرت السياسات العمومية في ترسيخ هذا التحول، كلما تعززت فرص تونس في ضمان أمن غذائي مستدام لأجيالها القادمة، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات كلما وقعت.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا