آخر الأخبار

الرقمنة في تونس: محرك واعد ينتظر عدالة التوزيع القطاعي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تحتلّ تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والانفتاح على الأسواق الخارجية موقع الصدارة في النقاش الاقتصادي التونسي الراهن، باعتبارهما رافعتين نظريتين للابتكار وتوسيع الأسواق وتحسين التنافسية. غير أن الوقائع الميدانية تكشف واقعاً أكثر تعقيداً، إذ يظل أثر هذين المحركين محدوداً وغير متكافئ بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.

ويستند هذا التحليل إلى دراسة متخصصة تناولت أربعة عشر قطاعاً على امتداد الفترة الممتدة بين عامي 1995 و2018، تحت عنوان “تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وانفتاح التجارة، والنمو الاقتصادي في تونس: ما الذي يحدث؟”، إلى جانب مؤشرات حديثة تعكس المسار التصاعدي الذي يشهده القطاع الرقمي التونسي في السنوات الأخيرة.

الرقمنة: محرك واعد لكنه لا يزال مركّزاً

تُحدث تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تحولاً عميقاً في أنماط الإنتاج والخدمات وتنظيم العمل، وتُقارَن اليوم بثورة صناعية جديدة تعيد رسم خريطة التنافسية الاقتصادية. وتؤكد المؤشرات الدولية الحديثة هذا الزخم، إذ احتلت تونس المرتبة السادسة إفريقياً في مؤشر تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لعام 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، محققة رصيداً ارتفع من 75.4 نقطة سنة 2023 إلى 80.1 نقطة خلال أربع سنوات، وهو ما يتجاوز المعدل العالمي البالغ 79 نقطة وبفارق كبير عن المعدل الإفريقي المقدر بـ59 نقطة.

ويترجم هذا التقدم على المستوى الميداني، إذ بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت في تونس 85.9 بالمائة من العينة المستجوبة وفق المسح الوطني لسنة 2026 الصادر عن مرصد الهيئة الوطنية للاتصالات، بينما وصلت نسبة امتلاك الهاتف المحمول إلى 95.4 بالمائة والهاتف الذكي إلى 84.3 بالمائة، في حين لم تتجاوز نسبة امتلاك الحواسيب 41 بالمائة. ويكشف هذا التفاوت بين الاتصال عبر الهاتف والتجهيز بالحواسيب عن محدودية البنية الرقمية اللازمة للاستخدامات المهنية والإنتاجية المتقدمة.

تتركز الاستفادة الفعلية من الرقمنة في عدد محدود من القطاعات، على رأسها الإعلامية والاتصالات التي تستأثر بنحو 32 بالمائة من التكامل الرقمي، تليها البنوك والتأمين بنسبة 21 بالمائة، فالخدمات العلمية والتقنية بـ18 بالمائة، ثم الإدارة العامة بـ15 بالمائة، والتجارة بـ12 بالمائة.

ويعزز هذا التوجه النشاط الاقتصادي الفعلي للقطاع، حيث سجلت القيمة المضافة لقطاع الإعلامية والاتصال نمواً بلغ 3.7 بالمائة خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من السنة السابقة. في المقابل، تبقى الفلاحة والبناء وجزء واسع من الصناعة على هامش هذا التحول، بفعل ارتفاع التكاليف ونقص التكوين وتأخر البنى التحتية الرقمية في الوصول إلى الشركات الصغرى. وتحمل هذه القطاعات المتأخرة إمكانات واعدة لم تُستثمر بعد، من الفلاحة المتصلة القائمة على الري الذكي وأجهزة الاستشعار، إلى النمذجة الرقمية ثلاثية الأبعاد في قطاع البناء، وصولاً إلى تبني مفاهيم الصناعة 4.0.

الانفتاح التجاري: بين الوعود والقيود الهيكلية

راكمت تونس منذ التسعينيات سلسلة من الاتفاقيات التجارية بهدف الولوج إلى أسواق جديدة واستيراد منتجات أعلى جودة وتحفيز التنافسية المحلية. ويساهم هذا الانفتاح إجمالاً في دفع النمو، غير أن آثاره تتوزع بشكل متفاوت بين القطاعات؛ فبينما يستفيد قطاع الاتصالات استفادة كاملة من هذا التوجه، وهو ما تؤكده أرقام حديثة تشير إلى أن رقم معاملات مشغلي الاتصالات في تونس تجاوز 4100 مليون دينار خلال سنة 2025، تجد قطاعات أخرى صعوبة في مجاراة المنافسة الأجنبية وتشهد تراجعاً نسبياً في مكانتها. ودون الارتقاء بجودة المنتجات ومستوى الابتكار، تبقى إمكانية تفوق الواردات على الصادرات قائمة، وهو ما يقلص الأثر الإيجابي المرتقب للانفتاح على التجارة الخارجية.

لا تقتصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على كونها أدوات تقنية، بل تُحدث تحولات جذرية في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي فهي تعزز الوظائف عالية المؤهلات وتقلص تدريجياً من دور المهن ذات المؤهلات المحدودة، وتفتح المجال أمام إعادة ابتكار الخدمات عبر البنوك الإلكترونية والتجارة الإلكترونية والسياحة الرقمية.

ويؤكد الإقبال المتسارع على أدوات الذكاء الاصطناعي هذا التحول، إذ أفاد 47.9 بالمائة من مستخدمي الإنترنت في تونس باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بينما استخدم 41.3 بالمائة منهم الخدمات الإلكترونية، وهي مؤشرات تعكس تحولاً سلوكياً سريعاً يفوق أحياناً وتيرة تكيف المؤسسات والأطر القانونية. وتبقى التكنولوجيا وحدها غير كافية، إذ يتطلب نجاح التحول الرقمي تكيف الشركات وإصلاح الإطار القانوني وتكوين العمال، وإلا فإن الفجوة الرقمية قد تتسع بدلاً من أن تتقلص.

خارطة طريق لتحويل الرقمنة

تبرز عدة أولويات لترسيخ هذين المحركين كرافعتين حقيقيتين للنمو الشامل فيتعين تعزيز البنية التحتية الرقمية عبر تعميم الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة وتأمين الشبكات، وتنمية المهارات الرقمية استعداداً لوظائف المستقبل، وتحفيز الابتكار من خلال الاستثمار في البحث والتآزر بين القطاعات. كما ينبغي دعم القطاعات المتأخرة، وعلى رأسها الفلاحة والبناء، بآليات تحفيزية خاصة لتبني التكنولوجيات الحديثة، إلى جانب تحديث الإطار المؤسسي لتسهيل التجارة الإلكترونية والتبادل الآمن للمعطيات، وتعزيز الانفتاح التجاري عبر تشجيع التنافسية والتنويع الإنتاجي.

تبدو تونس، في ضوء هذه المعطيات، وقد شرعت فعلياً في مسار انتقالها نحو اقتصاد رقمي أكثر اندماجاً في العولمة، غير أن الطريق لا يزال بعيداً عن الاكتمال، فالإمكانات الرقمية والتجارية حقيقية وقابلة للتحقق، لكن جني ثمارها يستوجب استثماراً متواصلاً في البنى التحتية وتكوينا واسع النطاق للكفاءات وتشجيعاً مستداماً للابتكار، بما يضمن أن تصبح الرقمنة والانفتاح على العالم محركين شاملين للازدهار الاقتصادي التونسي، لا امتيازاً محصوراً في عدد محدود من القطاعات الرائدة.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران مصر اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا