في إطار فعاليات الدورة الثانية للمهرجان الدولي للفنون الشعبية بأوذنة، احتضن المسرح الأثري بأوذنة، مساء الجمعة 31 جويلية 2026، عرض «الفلاقة» للفنان نصر الدين الشبلي، في سهرة فنية استثنائية امتزجت فيها الموسيقى بالتاريخ، واستحضرت بطولات المقاومة التونسية ضد الاستعمار في عمل ملحمي أعاد إحياء الذاكرة الوطنية من خلال رؤية موسيقية معاصرة حافظت على أصالة الموروث الشعبي التونسي.
ويُعدّ «الفلاقة» مشروعًا فنيًا وثقافيًا يستلهم اسمه من المقاومين التونسيين الذين شكّلوا رمزًا للنضال الوطني، ويهدف إلى إحياء الموروث الموسيقي والإيقاعي التونسي وإعادة تقديمه في قالب معاصر، من خلال المزج بين الأغنية الشعبية الأصيلة والتوزيع الموسيقي الحديث، بما يرسّخ قيم الهوية والانتماء ويجعل من الفن وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية.
وافتُتحت السهرة بأداء جماعي لأغنية «فلّق يا فلّاق»، التي صدحت بها المجموعة في لوحة موسيقية مهيبة جسّدت منذ اللحظات الأولى روح المقاومة والاعتزاز بالوطن، ومهّدت لأجواء ملحمية انسجمت مع رسالة العرض وأبعاده التاريخية.
إثر ذلك، اعتلى الركح الفنان رشيد الماجري، أحد أبرز الأصوات التونسية في غناء "الصالحي" البدوي، وسط استقبال حار من الجمهور الذي استقبله بتصفيق مطوّل. واستهل مشاركته بأداء أغنية «قولي درته»، ثم واصل بأغنيتي «يا لا لالي» و«دزيتيلي»، مقدّمًا أداءً اتسم بقوة الحضور وجمالية الأداء، حيث برز صوته الجهوري وإتقانه للمقامات والإيقاعات الشعبية، فيما ردد الجمهور مقاطع الأغاني وصفّق بحرارة، في مشهد عكس عمق ارتباطه بالأغنية الشعبية التونسية.
ثم اعتلى الركح الفنان عبد المجيد القابسي، الذي قدّم باقة من أشهر الأغاني الشعبية، من بينها «بوحلّة» و«سيدي محرّز»، إلى جانب أعمال تراثية أخرى لاقت استحسان الجمهور. وتميّز أداؤه بالعفوية والحضور الركحي القوي، فيما رافق الحاضرون مختلف الأغاني بالتصفيق وترديد المقاطع الشهيرة، لتتواصل السهرة في أجواء احتفالية جسّدت ثراء الموروث الموسيقي التونسي.
واختُتمت السهرة مع الفنان العايدي، الذي أضفى على العرض جرعة إضافية من الحماس، مستهلًا وصلته بأغنية «الفزعة طلّت» التي ألهبت حماس الحضور بإيقاعاتها الشعبية الأصيلة، قبل أن يؤدي أغنية «لميمة دي» التي ردّد الجمهور كلماتها بكل حماس، ثم أسدل الستار على السهرة بأغنية «جدي الريم»، في أداء اتسم بالحيوية والتمكن، وسط تفاعل كبير من الجمهور بالتصفيق والهتافات، لتكون خاتمة تليق بعرض احتفى بالتراث التونسي في أبهى صوره.
واعتمد العرض على تشكيل موسيقي ضخم جمع بين الآلات الشعبية الأصيلة، على غرار الطبل والبندير والدربوكة والمزود والزكرة، والآلات العصرية كآلة الكلافيي والقيتار الكهربائي والقيتار باص، في مزيج موسيقي متوازن منح العمل بعدًا فنيًا معاصرًا.
ويُعدّ عرض «الفلاّقة» من أبرز المشاريع الموسيقية التونسية التي نجحت في توظيف التراث الشعبي ضمن رؤية إبداعية حديثة، وقد تُوّج هذا المسار بحصوله على جائزة التانيت البرونزي في أيام قرطاج الموسيقية، وهو تتويج يعكس قيمته الفنية وإسهامه في تثمين الموسيقى الشعبية التونسية.
ومرة أخرى، أكد المهرجان الدولي للفنون الشعبية بأوذنة في دورته الثانية نجاحه في استقطاب أعمال فنية نوعية تُجسّد ثراء التراث اللامادي التونسي، وتُرسّخ مكانة المسرح الأثري بأوذنة فضاءً يحتضن الإبداع، ويُعيد وصل الماضي بالحاضر من خلال عروض تجمع بين الأصالة والتجديد، في تجربة ثقافية وإنسانية استثنائية.
المصدر:
الشروق