هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتتصدر تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج، للسنة الثانية على التوالي، قائمة الموارد الخارجية الأكثر حيوية للاقتصاد الوطني، بعد أن ناهزت قيمتها نحو 8.5 مليار دينار (قرابة 2.9 مليار دولار) عند نهاية سنة 2025، بارتفاع يفوق 6 بالمائة مقارنة بالسنة السابقة.
وتواصل هذه التدفقات مسارها التصاعدي خلال سنة 2026، إذ بلغت في حدود موفى شهر ماي الماضي نحو 3669 مليون دينار، بتطور نسبته 4.5 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة المنقضية، وفق المؤشرات النقدية الصادرة عن البنك المركزي التونسي. ويقدّر مسؤولو ديوان التونسيين بالخارج الحجم السنوي الإجمالي لهذه التحويلات، بما يشمل المساهمات غير المباشرة عبر الاستثمار والاستهلاك، بما يناهز 9 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تضع الجالية التونسية في مصاف أبرز الفاعلين الاقتصاديين المؤثرين في التوازنات المالية للبلاد.
رافعة تتفوق حجما على الاستثمار الأجنبي
تكشف المقارنة بين حجم تحويلات الجالية وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عن الوزن النسبي الهائل الذي باتت تمثله مدخرات المغتربين في معادلة التمويل الخارجي لتونس فبينما استقطبت البلاد سنة 2025 استثمارات خارجية بقيمة إجمالية بلغت 3572 مليون دينار، منها 3506.5 مليون دينار استثمارات أجنبية مباشرة مكّنت من إحداث 14085 موطن شغل، فإن تحويلات التونسيين بالخارج تجاوزت هذا الحجم بأكثر من الضعفين.
وقد انعكس هذا الزخم إيجابا على احتياطي البلاد من العملة الاجنبية، حيث استقرت الموجودات الصافية من العملة الأجنبية في حدود 25.5 مليار دينار مطلع جوان 2026، أي ما يعادل 104 أيام توريد، مقابل 22.6 مليار دينار و98 يوما فقط خلال الفترة نفسها من السنة الفارطة. ويعكس هذا التحسن، دورا مزدوجا لتحويلات الجالية تجمع فيه بين وظيفتها التقليدية كصمام أمان لميزان المدفوعات ووظيفة أحدث تتمثل في تمويل جزء من عجز الموازنة العمومية، في وقت أكدت فيه وكالة التصنيف الائتماني موديز أن تحسن هذه التدفقات ساهم في تراجع احتياجات تونس من التمويل الخارجي.
مناخ استثماري في تحسن تدريجي
يواجه تحويل هذه الموارد المالية من الطابع الاستهلاكي إلى الاستثمار المنتج عوائق هيكلية لا يمكن تجاهلها ضمن أي قراءة موضوعية للمشهد، فقد أظهرت مؤشرات دولية تراجع ترتيب تونس في سلم الحرية الاقتصادية، فيما لا تزال العمولات البنكية المرتفعة على التحويلات، تكبح جزءا من الإمكانات الاستثمارية لهذه الأموال وتدفع بعض أفراد الجالية إلى قنوات موازية أقل شفافية.
في المقابل، تسجل مؤشرات أخرى تحسنا ملموسا يستحق الإبراز، إذ نمت الاستثمارات الخارجية المباشرة بنسبة 30.1 بالمائة سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، فيما تستهدف الدولة استقطاب أربعة آلاف مليون دينار من الاستثمارات الأجنبية خلال سنة 2026، ضمن السنة الأولى لتفعيل المخطط التنموي الخماسي 2026-2030 الذي يضع تنقيح مجلة الاستثمار على رأس أولوياته. وتؤكد وكالة موديز، من جهتها، ثبات التصنيف السيادي لتونس مع نظرة مستقبلية مستقرة، معتبرة أن تحسن الصادرات الفلاحية ونمو تحويلات الجالية ساهما في دعم ميزان المدفوعات رغم التحديات الهيكلية التي لا تزال تحد من خلق فرص العمل وتطوير القطاع الخاص.
من التحويل الاستهلاكي إلى الاستثمار
تراهن السلطات التونسية اليوم على إرساء آليات مالية مبتكرة لتوجيه هذه التدفقات نحو مشاريع تحدث قيمة مضافة حقيقية وتوفر فرص عمل في الجهات الداخلية الأكثر حاجة للتنمية. وتشدد ناجية الغربي، المديرة العامة لصندوق الودائع والأمانات، على ضرورة تحويل هذه الموارد إلى رافعات للتنمية المستدامة، باعتبار الصندوق مستثمرا عموميا ملتزما بتعبئة الموارد للحد من الفوارق الجهوية.
ويعتمد الصندوق، في هذا الإطار، على برنامج “وطني” المنفذ بشراكة مع الوكالة الفرنسية للتنمية ووكالة “إكسبرتيز فرانس”، والذي يهدف إلى تسهيل نفاذ أفراد الجالية إلى المعلومة الاستثمارية ومرافقة المبادرات الريادية ذات الأثر الكبير. وتندرج هذه المقاربة ضمن سلسلة من أربعة ملتقيات جهوية نظمها ديوان التونسيين بالخارج بين 23 جويلية و6 أوت 2026، انطلقت من تطاوين ثم تونس العاصمة، وتتواصل ببنزرت يوم 4 أوت قبل أن تختتم بالقيروان يوم 6 منه، في مسعى لتشجيع أكثر من 1.8 مليون تونسي مقيم بالخارج على بعث المشاريع في مختلف جهات البلاد.
يبقى الرهان الحقيقي، في نهاية المطاف، معلقا بقدرة تونس على ترسيخ منظومة مالية شاملة توفر حلولا استثمارية شفافة وآمنة، وتحسّن التنسيق بين القطاعين العام والخاص، حتى تتحول تحويلات الجالية من مورد نقدي ظرفي إلى رافعة هيكلية دائمة للتنمية الجهوية المتوازنة.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية