آخر الأخبار

تونس والاقتصاد بلا نقد : مؤشرات تكشف تسارعا هيكليا

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تشهد المنظومات المالية العالمية تحولا هيكليا عميقا يعيد تعريف علاقة الأفراد والمؤسسات بالمال ذاته، إذ لم تعد المدفوعات الإلكترونية مجرد أداة تقنية مساعدة، بل غدت بنية تحتية حيوية تُسيّر دورة الاقتصاد الحديث بأكملها، من غرفة المقاصة المركزية إلى محفظة الهاتف المحمول في أبعد قرية. ويكشف تتبع مسار هذا التحول عن معادلة مركبة تتقاطع فيها الكفاءة الاقتصادية مع العدالة الاجتماعية، وتتشابك فيها السياسة النقدية مع سلوك المستهلك اليومي.

تقلص كلفة المعاملة وتوسع دائرة الإنتاجية

تنخفض تكاليف المعاملات المالية انخفاضا ملموسا كلما تراجع الاعتماد على التداول النقدي الورقي، ذلك أن التحول الرقمي يعفي البنوك والمؤسسات من أعباء البنية التحتية الفيزيائية للنقد، من الخزائن الامنة إلى عمليات النقل والفرز والحراسة، فضلا عما توفره أتمتة الإجراءات الورقية من كسب في الوقت والموارد البشرية. وتتجلى هذه الكفاءة بوضوح في تجربة السعودية، حيث بلغت حصة المدفوعات الإلكترونية 85 بالمائة من إجمالي مدفوعات التجزئة خلال سنة 2025 وفق مؤسسة النقد العربي السعودي، وهي نسبة تعكس تحولا سلوكيا عميقا لدى المستهلكين والتجار على حد سواء.

وتتيح المنصات الرقمية للفئات المهمشة تاريخيا فرصة الاندماج في المنظومة المالية الرسمية دون الحاجة إلى فروع بنكية تقليدية، وهو ما يفسر القفزة النوعية التي رصدها تقرير “غلوبال فيندكس” الصادر عن البنك الدولي سنة 2025، حيث ارتفعت نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابا ماليا أو محفظة رقمية إلى 79 بالمائة عالميا، مقابل 74 بالمائة سنة 2021 و51 بالمائة فقط سنة 2011. ويؤدي أكثر من 60 بالمائة من البالغين في الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل اليوم عمليات دفع أو استلام رقمية، فيما يمارس 40 بالمائة منهم الادخار الرسمي بفضل هذه الأدوات. ورغم هذا التقدم، يظل 1.3 مليار بالغ خارج المنظومة المالية الرسمية، يتركز 650 مليونا منهم في ثماني دول فقط، وهو ما يكشف أن التفاوت الرقمي لا يزال يعيد إنتاج التفاوت الاقتصادي التقليدي.

هذا وتؤكد صناعة الأموال المتنقلة على المستوى العالمي هذا الاتجاه، إذ تجاوزت قيمة معاملاتها 2 تريليون دولار خلال سنة 2025 وفق تقرير “جي إس إم إيه”، بعد أن بلغ عدد الحسابات المسجلة 2.3 مليار حساب، وارتفع عدد الحسابات النشطة شهريا بنسبة 15 بالمائة ليصل إلى 593 مليون حساب، في مؤشر على تسارع اندماج الفئات السكانية غير المصرفية في المنظومة الرقمية.

تقدّم تونس نموذجا دالا على تسارع التحول

ترتبط زيادة معدلات اعتماد المدفوعات الإلكترونية ارتباطا وثيقا بديناميكية الناتج المحلي الإجمالي، بحكم انها تسرّع الرقمنة دورة رأس المال وتحسّن الامتثال الجبائي وتعزز الشفافية الاقتصادية، وهي عناصر تصب مجتمعة في معادلة النمو. كما تستفيد البنوك المركزية من هذا التحول لتتبع الكتلة النقدية بدقة أكبر وضبط أدوات السياسة النقدية استجابة لمعطيات آنية، وهو ما يفسر التسارع الملحوظ في مشاريع العملات الرقمية للبنوك المركزية حول العالم بوصفها امتدادا طبيعيا لهذا المسار. وتفتح المدفوعات الرقمية كذلك الباب أمام نماذج اقتصادية مبتكرة كالاشتراكات والمعاملات متناهية الصغر ومنصات الاقتصاد التشاركي، فتغدو العمود الفقري للتجارة الإلكترونية العابرة للحدود.

وفي هذا الصدد، تعكس المؤشرات المالية الرقمية الصادرة عن البنك المركزي التونسي عن الثلاثي الأول من سنة 2026 وتيرة تحول هيكلي متسارع نحو الوسائل الرقمية، إذ قفز عدد المحافظ الإلكترونية النشطة عبر منظومة “تون باي” بنسبة 22.2 بالمائة ليتجاوز 477 ألف محفظة، بينما ارتفعت عمليات الدفع عبر هذه المنظومة بنسبة 67.1 بالمائة لتبلغ 2.7 مليون عملية بقيمة إجمالية ناهزت 487.6 مليون دينار، أي بزيادة 34.5 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الفارطة. وواصلت التجارة الإلكترونية توسعها بنسبة 28.2 بالمائة لتبلغ 1288 موقعا تجاريا نشطا، فيما نمت معاملات الدفع القريب عبر أجهزة نقاط البيع، البالغ عددها 45 ألف جهاز، بنسبة 19.7 بالمائة لتسجل 1381.6 مليون دينار. وعالجت منظومة المقاصة الإلكترونية الوطنية في المقابل 14.7 مليون سند دفع بقيمة إجمالية بلغت 53.4 مليار دينار، في مؤشر إضافي على عمق الاندماج الرقمي داخل المنظومة المصرفية التونسية.

الدفع الرقمي يتيح الامان والشفافية

يوفر التشفير وأنظمة المراقبة الآلية للاحتيال حماية أعلى مقارنة بالتداول النقدي التقليدي، باعتبار انه يمكن تجميد البطاقات المفقودة أو المسروقة فورا خلافا للنقد الذي يصعب استرجاعه بعد ضياعه. كما تخلّف المعاملات الرقمية أثرا رقابيا يعزز شفافية إدارة المالية العامة والخاصة على حد سواء، فيحدّ من هامش الفساد ويحسّن جودة الحوكمة. وأثبتت جائحة كوفيد-19 كذلك الدور الاجتماعي لهذه الوسائل في الحد من مخاطر العدوى عبر تقليص التلامس المادي، فضلا عما تتيحه من راحة متاحة على مدار الساعة تخدم بشكل خاص كبار السن وذوي الإعاقة، وتسهّل التحويلات المالية العابرة للحدود التي تربط مجتمعات الشتات بأوطانها الأصلية.

تتطلب استدامة هذا التحول معالجة اختلالات لا تزال قائمة، إذ يشير تقرير “جي إس إم إيه” إلى أن نسبة النشاط الشهري للحسابات المسجلة عالميا لا تتجاوز 25.7 بالمائة، فيما تبقى فجوة النوع الاجتماعي حاضرة في سبع من كل عشر دول شملها الاستقصاء. وتبرهن هذه المعطيات على أن اتساع البنية التحتية الرقمية لا يكفي وحده لضمان اندماج فعلي، بل يستوجب سياسات مواكبة تعزز الثقة الرقمية وتقلص كلفة المعاملات وتوسع التغطية الشبكية. ومع تصاعد إقبال الأجيال الشابة على التفاعلات المالية الرقمية، تبدو المدفوعات الإلكترونية مرشحة لتكريس موقعها بوصفها أحد أعمق التحولات التي عرفتها البنية الاقتصادية منذ نشأة الصيرفة ذاتها.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل مصر

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا