تحت شعار "ذاكرة تعيش"، وفي إطار الدورة الـ60 لمهرجان الحمامات الدولي، لم تكن عودة الموسيقى العربي مارسيل خليفة إلى مدارج مسرح الهواء الطلق مجرد محطة في جولة فنية، بل كانت تجلّيا حيا لكيفية استمرارية التميّز والتفرد، أمام جمهور غفير ملأ المدرجات عن آخرها، وقف الفنان اللبناني مسكونا بإرث نغمي وفكري يمتد لخمسة عقود ؛ إرثٌ نبض بالحياة، وامتزج بالالتزام الإنساني وبأشجان الشعوب التائقة للحرية.
فوق ركح الحمامات، أدار مارسيل خليفة حوارا وجدانيا ساحرا مع الجمهور، حوّل السهرة من مجرد استماع إلى فعل مشاركة و حنين جماعي، استهل العرض بـ "يا طير الحمام"، قبل أن ينتقل بين محطاته الى اغان خالدة "أحن إلى خبز أمي"، و"ريتا" ، مستحضرا في البال شموخ "منتصب القامة أمشي".
ولم تكن أغنية "انتظرها" مجرد مقطع غنائي، بل لحظة ذروة تلاشت فيها المسافة بين الركح والمدارج، حيث تحول الجمهور إلى كورال واحد نسج الأمل بصوت مشترك مع الفنان مارسال خليفة لتختتم السهرة باأغنية رددها الحضور "يا بحرية هيلا هيلا".
وشارك في السهرة نجل الفنان، ساري خليفة، حين عزف على آلة "التشيللو"و أدى مقطوعة "صلاة" وسط خشوع وانضباط جماهيري لافت؛ تلته عاصفة من التصفيق، تحية للغة النغم المنبعث الصافي.
على ركح الحمامات، التقت أنامل مارسيل خليفة على آلة العود بأنامل شابّة، في تبادل نغمي متفرّد ، شَكّل حوارا حيا بين أجيال الموسيقى، وكأن خليفة يسلم المشعل بوعي وسخاء لجيل جديد يواصل حمل الراية.
ويبقى مارسيل خليفة فنانا لا يستريح ، بل يسعى دائما الى تحقيق أحلام كبرى ، وفي كشف فني جديد، أعلن خليفة عن انتهائه من عمل فني جديد ، عمل موسيقي لـ "الجدارية"- إحدى أروع مطولات الشاعر الراحل محمود درويش- وهو مشروع ضخم استغرق إنجازه أكثر من سنتين صيغ برؤية مركبة تدمج الأوركسترا، الكورال، المسرح، والرقص التعبيري، مع ابتكار فني يتجلى في حضور صوت محمود درويش نفسه في دور الراوي، إلى جانب مشاركة الفنان التونسي العالمي ظافر يوسف، عملٌ متكامل الأركان يتطلع خليفة لتجسيده على أكبر المسارح العربية والعالمية، متى توفرت الظروف الإنتاجية المناسبة، ليكون بمثابة الاعمال الفنية الكبرى والتتويج الأصيل لمسيرة جعلت من النغمة جسرا نحو الخلود.
روضة العلاقي
المصدر:
جوهرة