يمثل «الوعي الوطني» للشعب الإيراني مبحثا علميا في حدّ ذاته لفهم أسرار عقيدة متفردة جعلت أقوى جيش في العالم يتخبط بين حرب بلا أفق وسلام صعب المنال.
فالواضح أن 90 مليون مواطن إيراني يصبحون جنودا على جبهة القتال كلما تعلق الرهان بصد عدوان خارجي وهو مشهد بلغ ذروته عندما احتشد الإيرانيون من الطفل إلى الشيخ على الجسور وحول محطات الطاقة متحدين تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدمير البنية التحتية في نهاية حرب الأربعين يوما.
كما لم يسبق أن شاهد العالم شعبا يقيم الإحتفالات في الساحات والشوارع أثناء غارات عنيفة ومكثفة بالطائرات المقاتلة والصواريخ معبرين بذلك عن عقيدة وطنية قوية تبدو مزيجا بين تنظم الشعب الصيني المقتبس من «خلية النحل» والدافع الحضاري للشعب الروسي الذي يظل بلا منازع أسطورة في تجسيد مفهوم «الفداء» بتقديم 27 مليون ضحية لصدّ الحملة النازية في الحرب العالمية الثانية.
هذه الصورة التي تتسبب في إحباط وإرباك أي عدو تمثل في الواقع تتويجا لمسار مترابط الحلقات يمارس من خلاله على مواطن مفهوم الهوية الوطنية التي تمثل بدورها مفترقا تلتقي فيه عناصر التراث مع استحقاقات العصر ولاسيما الإيمان بحتمية التفوق المعرفي والتكنولوجي.
وفي هذا الإطار أكد الدكتور «جعفر مُوْرواريد» مدير المركز الثقافي الإيراني بتونس أن الشعب الإيراني بمختلف اتجاهات يتوحد عندما يكون الرهان هو الوطن مشيرا إلى أن هذه العقيدة تتأسس على ربط الماضي بالحاضر عبر ترسيخ الإعتزاز بملاحم الشعب الإيراني على امتداد التاريخ سواء إبان الإمبراطورية الفارسية أو تحت راية الحضارة الإسلامية والفكر التحديدي الذي يؤدي إلى اكتساب القدرة الشاملة ولاسيما التفوق المعرفي والتكنولوجي وتؤدي ممارسة الهوية الوطنية إلى ربط مفهوم «العزة» باكتساب الإستقلالية الفكرية والثقافية والتكنولوجية والمعرفية كما تترسخ عقيدة رفض الظلم والظالم سواء كان في الداخل أو الخارج.
كما لاحظ محدثنا أن القائد الشهيد «آية اللّه علي خامينئي» اشتغل كثيرا على إحياء التراث على أساس أن الفكر التجديدي إذا لم يتحقق تكون إيران في وضعية تبعية .
كما أقيمت في عهدة مؤسسات للتقريب بين المذاهب بهدف توجد الأمة الإسلامية في مواجهة قوى الإشتكبار ولاسيما العدو الصهيوني.
ومن خلال هذه العقيدة تتحدد خطوط العلاقة مع الآخر فالحوار مع الغرب يكون مطلوبا إذا انتهى إلى العزة ويصبح مرفوضا رفضا قاطعا كلما انتهى إلى الذّل وتمتزج عزة إيران بعزة سائر المسلمين.
كما يترسخ الإيمان بأن الدفاع عن الوطن يقود إلى التنمية الحقيقية التي لا تتحقق إلا بالقدرات الذاتية للشعب الإيراني.
وبهذه العقيدة تختلف معايير الوجاهة الإجتماعية في إيران عن مثيلاتها في دول أخرى حيث يتموقع «الشهداء» في قمة هرم المجتمع كما يتحول الدفاع عن الوطن إلى دفاع عن الخير تتمخص عنه فلسفة الصبر الإستراتيجي الذي تكون مكافأته انتصار المستضعفين على الظلم والظالم.
وعلى هذا الأساس يقف كل أطياف الشعب الإيراني في ظهور قواتهم المسلحة فيما يقف القادة على خط المواجهة حتى يكونو قدوة لشعبهم وهو ما يفسر كيف كانت القيادات السياسية والعسكرية والنخب العلمية في الصفوف الأولى للشهداء بالمحصلة اكتسب البعد الإيراني دافعا حضاريا قويا من خلال الإعتزاز بتراثه واكتساب أدوات العصر بما يرجح أنه لا توجد قوة في العالم قادرة على إخضاعه وهو ما يفسر المأزق الذي علقت فيه الولايات المتحدة بعدوانها الغادر على إيران في فيفري الفارط.
كما أن ما يبدو انتقالا من دولة وطنية إلى قوة إقليمية ثم قوة عالمية يمثل بالمنظور الإيراني حلقات مترابطة في مسار الثورة الإسلامية الذي يجب أن تفضي في آخر المطاف إلى قيام الحضارة الإسلامية الحديثة.
المصدر:
الشروق