هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتتكثف الضربات الأمريكية داخل إيران، لكن القلب السياسي في طهران لا يزال حتى الآن خارج نطاق الحملة العسكرية. وفي المقابل، تستهدف إيران قواعد ومنشآت مرتبطة بالولايات المتحدة في عدة دول بالمنطقة، من دون شن هجوم واسع على حاملات الطائرات أو الوحدات الرئيسية للأسطول الأمريكي المنتشر في محيطها.
هذا التحفظ المتبادل لا يعكس تهدئة أو نقصًا في القدرات، بل يستند إلى حسابات دقيقة. فواشنطن تسعى إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية حول مضيق هرمز من دون التسبب في انهيار غير محسوب للنظام، بينما تحاول طهران ممارسة الضغط على دول الخليج من دون إشعال تحالف دولي قد يهدد بقاءها.
ويستند هذا التفسير إلى تحليل نشرته قناة الجزيرة استنادًا إلى مقابلات مع عدد من الباحثين، وقد أعادت TN عرض أبرز خلاصاته مع الفصل بينها وبين الوقائع العسكرية المعلنة رسميًا.
تركز واشنطن ضرباتها على الوسائل التي تتيح لإيران مراقبة مضيق هرمز وتهديد القواعد الأمريكية في المنطقة، بينما تستهدف طهران تلك القواعد، لكنها تتجنب تنفيذ هجوم استعراضي على الأسطول الأمريكي قد يحول النزاع إلى حرب دولية ضد النظام الإيراني.
بعد مرحلة أولى استمرت أربعين يومًا وانتهت بمذكرة تفاهم مؤقتة، لم يدم الهدوء طويلًا. فقد اتهمت واشنطن طهران بمهاجمة سفن تجارية في مضيق هرمز، قبل أن تعلن انتهاء الاتفاق واستئناف عملياتها العسكرية.
وبحلول 20 يوليو، دخلت الضربات الأمريكية ليلتها التاسعة على التوالي، وتركزت بصورة كبيرة على جنوب إيران وسواحلها، قبل أن تمتد إلى بعض المناطق الداخلية والشمال الغربي من البلاد.
غير أن هذا التوسع الجغرافي لا يعني أن واشنطن قررت جعل المركز السياسي في طهران الهدف الرئيسي لحملتها. ووفقًا لتحليل الجزيرة، فإن العمليات المنفذة قرب العاصمة قد تهدف أيضًا إلى اختبار رد الفعل الإيراني وإظهار قدرة القوات الأمريكية على الوصول إلى أهداف أكثر حساسية.
وطالما بقيت مراكز السلطة والوحدات البحرية الكبرى خارج دائرة الاستهداف المباشر، يستطيع كل طرف تقديم المواجهة باعتبارها تصعيدًا مضبوطًا، وليس حربًا شاملة بلا حدود.
يرى الباحثون الذين استند إليهم تحليل الجزيرة أن الأهداف الأمريكية تطورت بين المرحلتين من النزاع.
ففي الحملة الأولى، كان الهدف إضعاف القوة الإيرانية بشكل عام، مع ممارسة ضغط كبير على النظام ومؤسساته العسكرية. أما في المرحلة الجديدة، فتسعى واشنطن أساسًا إلى تحييد القدرات التي يمكن أن تهدد القواعد الأمريكية، ومنشآت الطاقة في الخليج، وحركة الملاحة التجارية.
ويفسر ذلك تركيز الضربات على المناطق الساحلية، والمنشآت البحرية، والرادارات، وبطاريات الدفاع الجوي، ومستودعات الصواريخ، ومراكز القيادة المرتبطة بمضيق هرمز.
ولا يمثل هذا التفسير عقيدة أمريكية معلنة بشكل رسمي، لكنه يساعد على فهم سبب استخدام واشنطن قوة نارية كبيرة من دون استهداف مباشر لمركز السلطة الإيرانية حتى الآن.
يشكل مضيق هرمز الرهان العسكري والاقتصادي والسياسي الأبرز في هذه المرحلة من الحرب.
وخلال النصف الأول من عام 2025، عبر المضيق نحو 20.9 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للمنتجات النفطية. وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة ينعكس فورًا على أسعار الطاقة، والنقل البحري، وإمدادات عدد من الاقتصادات الكبرى.
20.9 مليون برميل يوميًا عبرت المضيق خلال النصف الأول من عام 2025.
يمثل ذلك نحو خُمس الاستهلاك العالمي للمنتجات النفطية.
وتشير القراءة التحليلية إلى أن الضربات الأمريكية نُفذت على مراحل متتالية، استهدفت أنظمة المراقبة الساحلية، والرادارات، وبطاريات الصواريخ، ومستودعات الأسلحة، ومراكز القيادة، والدفاعات الجوية، وخطوط الإمداد التي تربط الداخل الإيراني بالساحل.
والهدف من ذلك، بحسب التحليل، هو “إعماء” القوات الإيرانية، وتقليص قدرتها على متابعة تحركات السفن والطائرات، ثم تدمير الوسائل التي تمكنها من تهديد أو السيطرة على المضيق.
كما أن امتداد بعض الضربات إلى شمال غرب إيران يظهر أن واشنطن لم تعد تقتصر على الشريط الساحلي، إذ قد تستهدف البنى التحتية تحت الأرض، ومستودعات الصواريخ، وشبكات الإمداد اللوجستي التي تغذي القوات المنتشرة جنوبًا، من دون أن يعني ذلك إطلاق هجوم مباشر على طهران.
يطرح تحليل الجزيرة تفسيرًا آخر، مفاده أن الولايات المتحدة قد تفضل بقاء نظام إيراني ضعيف بشدة على انهيار مفاجئ للدولة.
فسقوط السلطة بشكل مفاجئ قد يفتح مرحلة يصعب السيطرة عليها في بلد يتجاوز عدد سكانه 90 مليون نسمة، ويملك قوات مسلحة كبيرة، ومراكز قرار متعددة، ومساحة جغرافية جبلية شاسعة.
كما أن أي عملية تهدف إلى احتلال إيران لفترة طويلة أو فرض سلطة جديدة ستتطلب قوات برية ضخمة، وستعرض الولايات المتحدة لخسائر أكبر بكثير، خاصة في ظل الطبيعة الجغرافية الإيرانية المعقدة التي تجمع بين السلاسل الجبلية والصحارى والمسافات الواسعة.
لذلك قد يكون هدف واشنطن تقليص القدرات العسكرية للنظام، وعزله، ودفعه إلى التفاوض، من دون تحمل مخاطر فراغ سياسي لا يمكن لأحد ضمان مآلاته.
لا تستطيع إيران استهداف الأراضي الأمريكية مباشرة بالسهولة نفسها التي تستطيع بها واشنطن ضرب أراضيها، لكنها تمتلك في المقابل عددًا كبيرًا من الأهداف الأمريكية في المنطقة، تشمل القواعد العسكرية، والمطارات، والمراكز اللوجستية، ومنشآت الرادار، والمواقع الموجودة في دول الخليج.
ورغم أن نجاح هجوم على حاملة طائرات أمريكية أو قطعة بحرية كبرى سيحقق مكسبًا رمزيًا هائلًا لطهران، فإنه قد يؤدي أيضًا إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، ودفع حلفاء واشنطن إلى الاصطفاف معها، وتحويل المواجهة الحالية إلى تحالف دولي واسع ضد إيران.
ترى طهران أن استهداف القواعد الأمريكية الموجودة في الدول المجاورة يرفع الكلفة الإقليمية للحرب، ويدفع الدول المضيفة إلى المطالبة بخفض التصعيد. أما إغراق حاملة طائرات أمريكية فقد يؤدي، على العكس، إلى توحيد هذه الدول خلف رد عسكري أوسع.
ولهذا، فإن استهداف المواقع الأمريكية في الأردن وقطر والكويت والبحرين يهدف، وفق التحليل، إلى توزيع كلفة الحرب على المنطقة بأكملها.
ومن شأن ذلك أن يدفع الحكومات المعنية، في ظل المخاطر التي تهدد سكانها وبناها التحتية، إلى ممارسة ضغوط على واشنطن لوقف الضربات أو الحد منها.
كما تتيح هذه الاستراتيجية لطهران إثبات أن سلسلة القيادة لديها لا تزال تعمل، وأن صواريخها وطائراتها المسيّرة ما زالت قادرة على العمل، وأنها لا تزال تمتلك أوراق تفاوض رغم الخسائر التي تكبدتها.
يمثل طول أمد الحرب وعدد القتلى الأمريكيين عاملًا ضاغطًا آخر على الرئيس دونالد ترامب.
وبحسب الحصيلة التي أعلنها الجيش الأمريكي ونقلتها وكالة أسوشيتد برس، قُتل 17 عسكريًا أمريكيًا منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026.
17 جنديًا أمريكيًا لقوا مصرعهم منذ 28 فبراير 2026، في حرب تعتمد أساسًا على الضربات الجوية والصواريخ والطائرات المسيّرة، من دون غزو بري واسع النطاق.
وفي حرب لا تشهد انتشارًا بريًا واسعًا، تصبح كل خسارة بشرية أكثر وضوحًا، ما يغذي الجدل حول أهداف التدخل ومدته والنتائج التي يمكن لواشنطن تحقيقها فعليًا.
وتكتسب هذه المسألة حساسية سياسية بالنسبة لرئيس وصل إلى السلطة متعهدًا بعدم إدخال الولايات المتحدة في حروب طويلة جديدة. وكلما ارتفعت الخسائر، ازدادت حاجة البيت الأبيض إلى إثبات أن أهدافه محدودة وقابلة للتحقيق وترتبط مباشرة بالمصالح الأمريكية.
إن غياب الضربات المباشرة والواسعة على المركز السياسي في طهران لا يعني أن واشنطن تتراجع، بل يشير إلى أن أهداف المرحلة الحالية تتركز بصورة أكبر على مضيق هرمز، والقدرات البحرية الإيرانية، وحماية القواعد الأمريكية في المنطقة.
وبالمثل، فإن امتناع إيران عن شن هجوم كبير على حاملة طائرات أمريكية لا يعني تخليها عن المواجهة، بل يعكس تفضيلها أهدافًا توزع كلفة الحرب من دون استجلاب رد دولي واسع قد يهدد النظام.
وعليه، فإن هذا الحذر المتبادل لا يعكس سعيًا إلى السلام، وإنما يدل على أن الطرفين لا يزالان يحاولان اختيار مستوى التصعيد الذي يعتقد كل منهما أنه قادر على تحمله.
غير أن هذا التوازن يبقى شديد الهشاشة، وقد ينهار مع أي هجوم جديد على سفينة، أو سقوط خسائر عسكرية كبيرة، أو إذا اعتبر أحد الطرفين أن الآخر تجاوز أحد الخطوط الحمراء.
الولايات المتحدة وإيران لا تتجنبان المواجهة، بل لا تزالان تنتقيان أهدافهما. فواشنطن تضرب القدرات العسكرية المرتبطة بمضيق هرمز من دون جعل طهران الهدف المركزي، بينما تستهدف إيران المواقع الأمريكية في المنطقة، لكنها تتجنب عملية ضد الأسطول الأمريكي قد تؤدي إلى اندلاع حرب أوسع بكثير.
مصدر التحليل الاستراتيجي: الجزيرة.
التحقق الإضافي من الوقائع: TN.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية