آخر الأخبار

الاستدامة كخيار استراتيجي: تونس تتقدم نحو أهداف 2030

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تنطلق تونس من محطة دولية بالغة الأهمية بعد أن قدّم وزير الاقتصاد والتخطيط، سمير عبد الحفيظ، التقرير الوطني الطوعي الثالث للبلاد حول مسار تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وذلك في إطار فعاليات المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة الذي احتضنه مقر الأمم المتحدة بنيويورك بين 13 و15 جويلية 2026.

ويكتسي هذا الاستحقاق بعدا استراتيجيا مضاعفا، إذ يمثل المراجعة الأخيرة التي تقدمها تونس قبل الموعد النهائي لأجندة 2030، وهو ما يجعله محطة تقييمية حاسمة لرصد المسافة المتبقية بين الطموحات المعلنة والإنجازات الفعلية على أرض الواقع.

سياق دولي يعيد تعريف أولويات التنمية

يندرج هذا التقرير ضمن مسار تراكمي بدأته تونس منذ سنة 2019، حين قدّمت أول مراجعة طوعية لها، تلتها مراجعة ثانية سنة 2021، لتتوّج اليوم بمراجعة ثالثة تحمل طابعا تحليليا أعمق.

وتكشف المعطيات الصادرة عن مركز أهداف التنمية المستدامة لأفريقيا أن تونس كانت قد تصدرت في مناسبات سابقة ترتيب الدول الإفريقية الأكثر تقدما في تنفيذ الأهداف الأممية السبعة عشر، وهو موقع يمنحها اليوم شرعية إضافية للمطالبة بإصلاحات هيكلية في منظومة التمويل الدولي. وتشارك في أشغال المنتدى هذه السنة عشرات الوفود الحكومية من مختلف القارات، ما يعكس زخما تفاوضيا متجددا حول سبل تسريع وتيرة التنفيذ خلال السنوات الأربع المتبقية من الأجندة الأممية.

تونس تتقدم في مجالات التنمية المستدامة

يستعرض التقرير الطوعي الثالث حصيلة السياسات العمومية في مجالات محورية تشمل الموارد المائية والصرف الصحي، والانتقال الطاقي، والصناعة والابتكار، والبنية التحتية والمدن المستدامة، إلى جانب منظومة الشراكات الدولية.

وتبرز هذه المحاور، من زاوية اقتصاد كلي، تحولا تدريجيا في نموذج النمو التونسي نحو مزيد من الاستدامة، وإن كان هذا التحول لا يزال يصطدم بضغوط مالية وموازناتية تحد من وتيرة الاستثمار العمومي في البنى التحتية الخضراء. وتضع الحكومة، من خلال هذا الاستعراض، أسسا لقياس الفجوة بين الأهداف الكمية المرسومة والموارد الفعلية المعبأة لتحقيقها، وهي فجوة تتقاطع فيها اعتبارات النمو مع محدودية الهامش المالي المتاح.

وتسعى الحكومة التونسية، من خلال مخطط التنمية للفترة 2026-2030، إلى إرساء نموذج تنموي جديد يقطع مع المقاربات السابقة القائمة على مركزية النمو الكمي، ويضع بدل ذلك العدالة الاجتماعية والتوازن الجهوي والسيادة الاقتصادية في صلب أولوياته. وأكد وزير الاقتصاد والتخطيط، بمناسبة استعراضه لأبرز مرتكزات هذا المخطط أمام المنتدى الأممي، أن الغاية الأساسية من تحقيق النمو لا تنحصر في المؤشرات الماكرو-اقتصادية المجردة، بل تمتد إلى الارتقاء الفعلي بمستوى عيش المواطنين والحد من الفوارق بين الجهات. ويعكس هذا التوجه محاولة لإعادة التوازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي للتنمية، بما يستجيب لمطالب اجتماعية متراكمة منذ سنوات في المناطق الداخلية.

مطالبة بإصلاح النظام المالي الدولي

يشكل ملف تمويل التنمية أحد أبرز محاور الخطاب التونسي في نيويورك، إذ جدد وزير الاقتصاد دعوة البلاد لإصلاح شامل للهندسة المالية الدولية، بما يشمل تعزيز آليات تمويل التنمية، وتوفير السيولة اللازمة للدول النامية، وإيجاد حلول مستدامة لإشكالية الديون السيادية. وتندرج هذه المطالب في سياق أوسع تتقاسمه العديد من الاقتصادات الناشئة ومتوسطة الدخل، التي تجد نفسها مطالبة بمجابهة أزمات متراكمة – من تقلبات أسعار الطاقة إلى ارتفاع كلفة خدمة الدين – لم تكن هي المتسببة فيها أصلا. ويُظهر هذا الموقف انسجاما مع المقاربة الوطنية القائمة على التعاون متعدد الأطراف كأداة أساسية لتحويل التعهدات الدولية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

هذا وجمع لقاء ثنائي بين وزير الاقتصاد والتخطيط والمدير الإقليمي للدول العربية ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري، مناسبة لتقييم مسار التعاون القائم وبحث سبل تعزيزه خلال المرحلة المقبلة. وجدد الدردري، من جانبه، التزام البرنامج الأممي بمواصلة دعم أولويات تونس التنموية، ولا سيما في مجالات الطاقات المتجددة وإدارة الموارد المائية واقتصاد المعرفة والتنمية الجهوية، مع العمل على تعبئة الموارد والتمويلات الكفيلة بدعم هذه البرامج. ويحمل هذا التوجه دلالة اقتصادية مهمة، إذ يربط بين مجالات ذات كثافة معرفية عالية وقدرة تشغيلية واعدة، ما قد يسهم في تنويع مصادر النمو التونسي على المدى المتوسط.

تسجل تونس، بلا شك، مكتسبات مؤسساتية وسياساتية معتبرة في مسارها نحو أجندة 2030، سواء من خلال دمج الأهداف الأممية في التخطيط الوطني أو عبر الانخراط الفاعل في الحوار الدولي حول تمويل التنمية. غير أن استكمال هذا المسار يظل رهين قدرة الاقتصاد التونسي على تعبئة موارد إضافية في ظل هوامش مالية ضيقة، وعلى ترجمة الالتزامات الدولية إلى تدفقات استثمارية فعلية. ويبقى نجاح خطة 2026-2030 مرتبطا بمدى الانسجام بين الطموح الاجتماعي المعلن والقدرة الفعلية على التمويل، وهو ما ستكشف عنه السنوات القليلة المقبلة التي تفصل تونس عن الموعد النهائي لأجندة التنمية المستدامة.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا