بعد مرور عام على وفاة الدكتور ميشيل لوكا نوشيزي، المعروف فنيًا باسم DJ Godzi، ماذا يقول تقرير الطب الشرعي الذي طلبته عائلته؟ وكيف يتعارض مع الرواية الرسمية الإسبانية؟ فيما يلي عرض للوقائع، ومقارنة تقنية بين الروايتين، وشهادات ذويه، إضافة إلى قراءة سريرية للملف.
وفاة واحدة... بلدين... وحقيقتين
في 19 جويلية 2025، توفي ميشيل لوكا نوشيزي، البالغ من العمر 36 عامًا والمنحدر من مدينة نابولي، داخل شقته في جزيرة إيبيزا الإسبانية.
وكان معروفًا في عالم الموسيقى باسم DJ Godzi.
وأصبحت وفاته واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الصحافة الإيطالية خلال العام الماضي، ليس فقط بسبب صغر سنه أو شهرته الفنية، بل لأن هناك، بعد عام كامل، روايتين رسميتين مختلفتين جذريًا بشأن ما حدث داخل تلك الشقة، وكلتاهما تؤكد أنها تستند إلى أسس علمية.
فمن جهة، ترى السلطات الإسبانية أن ميشيل توفي نتيجة توقف القلب المرتبط بتعاطي المخدرات، وأنه لم تكن على جسده آثار عنف.
ومن جهة أخرى، تؤكد العائلة، استنادًا إلى تقرير طب شرعي خاص أعده الدكتور رافاييلي زينو وأودعه لدى النيابة العامة في روما بتاريخ 18 أفريل 2026، أن الوفاة نتجت عن الاختناق بسبب التثبيت الجسدي القسري، مع تحميل طريقة تدخل عناصر الحرس المدني الإسباني (Guardia Civil) دورًا حاسمًا في حدوث الوفاة.
ولا يتعلق الأمر هنا بخلاف بسيط حول تفاصيل تقنية، بل بقراءتين متعارضتين تمامًا لسلسلة الأحداث نفسها، وما يترتب على ذلك من نتائج قانونية مختلفة.
فبحسب الرواية الأولى، تعد الوفاة طبيعية - رغم مأساويتها - وترتبط بالحالة الصحية والهشاشة الجسدية للضحية.
أما وفق الرواية الثانية، فقد تكون الوفاة ناتجة عن جريمة، إذ فتحت نيابة روما تحقيقًا بتهمة القتل غير العمد المتجاوز للنية، كما أثار محامو العائلة احتمال تطبيق جريمة التعذيب المنصوص عليها في المادة 613 مكرر من قانون العقوبات الإيطالي، وهي المادة التي أُدرجت بعد قضية ستيفانو كوتشي.
و للتوضيح فأن هذه الفرضية لا تزال حتى الآن مجرد فرضية تحقيق تستند إلى تقرير الخبرة الخاص وإلى دفوع محامي العائلة، وليست حكمًا قضائيًا نهائيًا.
ولا تزال نيابة روما تدرس العلاقة السببية بين طريقة التدخل والوفاة، فيما سيبقى القرار النهائي بيد القضاء الإيطالي والإسباني بعد انتهاء الإجراءات القضائية الطويلة والمعقدة
* التسلسل الزمني للأحداث :
إن إعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث أمر أساسي لفهم نقطة الخلاف بين الروايتين.
19 جويلية 2025 – إيبيزا
كان ميشيل نوشيزي داخل شقته عندما اشتكى الجيران من ارتفاع صوت الموسيقى، فتدخلت عناصر الحرس المدني الإسباني (Guardia Civil).
ووفقًا لرواية عناصر الأمن، كان ميشيل تحت تأثير مواد ذات تأثير نفسي، وفي حالة هياج شديد مصحوبة بما وُصف بالهلوسات.
كما ذكرت الرواية أنه أبدى مقاومة عنيفة، بل واعتدى - بحسب أقوالهم - على أحد الجيران بسكين قبل أن تتم السيطرة عليه.
وخلال تفتيش الشقة، عُثر على بقايا عدة مواد مخدرة. وبعد وقت قصير من تثبيته، توفي ميشيل
الساعات الأولى بعد الوفاة
أظهر تشريح الجثة الذي أُجري في إيبيزا أن سبب الوفاة هو قصور قلبي تنفسي حاد في سياق نُسب إلى تعاطي عدة مواد مخدرة.
غير أن التقرير الأولي الصادر عن معهد الطب الشرعي والعلوم الجنائية في جزر البليار أشار أيضًا إلى وجود احتقان في الرأس والعنق ووذمة في منطقة الكتفين والرقبة، وهي معطيات ستصبح لاحقًا من العناصر الأساسية التي استندت إليها العائلة في تفسيرها المخالف.
نهاية جويلية 2025
لم يقتنع والد ميشيل، الدكتور جوزيبي نوشيزي، وهو طبيب جرّاح ذو خبرة طويلة في الطب الإنساني وطب الكوارث، بالرواية الأولى.
وقبل إعادة الجثمان إلى إيطاليا، طلب وعلى نفقته الخاصة إجراء تصوير طبقي محوري لكامل الجسم وتصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ داخل مصحة خاصة في إيبيزا.
ووفقًا للعائلة، أظهرت هذه الفحوصات:
كسورًا في سبعة أضلاع.
كسرًا في عظم الترقوة.
وجود هواء داخل التجويف الصدري.
كسرًا عظميًا إضافيًا.
وذمة اعتبر الخبراء أن جزءًا منها قد يكون مرتبطًا بإجراءات التشريح.
بعد ذلك، أعادت العائلة الجثمان إلى إيطاليا وأبلغت السلطات الإيطالية بشكوكها حول ظروف الوفاة
1 أوت 2025
أصدرت نيابة روما قرارًا بحجز الجثمان لأغراض التحقيق، وفتحت ملفًا ضد مجهول بتهمة القتل غير العمد المتجاوز للنية.
ويعود اختصاص القضاء الإيطالي إلى كون الضحية مواطنًا إيطاليًا توفي خارج البلاد في ظروف أثارت الشبهات.
الأشهر التالية
أُجري في إيطاليا تشريح جديد للجثمان، واعتمد الخبراء أيضًا على نتائج التصوير الشعاعي الذي أُنجز سابقًا في إيبيزا.
18 أفريل 2026
أودع الدكتور رافاييلي زينو تقرير الخبرة الطبية الشرعية لدى نيابة روما، وهو التقرير الذي يستند إليه هذا المقال بصورة أساسية.
بين 24 و29 أفريل 2026
قدّم المحامي فاني تشيرينو، إلى جانب زميليه أنجيلو ساماركو ودورسو، تقرير الخبرة رسميًا إلى النيابة العامة في روما، كما عرضوا أمام النيابة فرضية ارتكاب عناصر الحرس المدني الإسباني جريمة تعذيب أثناء تدخلهم صباح يوم الوفاة.
جويلية 2026
بعد مرور عام على وفاة ميشيل، لا يزال الملف قيد الدراسة لدى نيابة روما، التي تواصل التحقيق لتحديد ما إذا كانت هناك علاقة سببية بين طريقة تدخل قوات الأمن ووفاته.
الجزء الثالث: الرواية الإسبانية وتقرير الخبرة الإيطالي
الرواية الإسبانية :
تنسب الرواية التي نشرتها قوات الحرس المدني الإسباني في بيان رسمي وفاة ميشيل إلى التعاطي المستمر للمواد المخدرة، مؤكدة أن الجثمان لم يكن يحمل آثارًا تدل على تعرضه للعنف.
ووفقًا لهذه الرواية، فإن حالة الهيجان، والهلوسات المزعومة، والسلوك العدواني الذي أبداه ميشيل تجاه الآخرين، كانت تبرر التدخل لتثبيته والسيطرة عليه، بينما كان الانهيار القلبي التنفسي - بحسب الرواية الرسمية - نتيجة مباشرة للحالة السمية الناجمة عن تعاطي المواد المخدرة، وليس نتيجة لطريقة التدخل الأمني.
لكن عائلة ميشيل رفضت هذه الرواية منذ الساعات الأولى بعد الوفاة، وازدادت شكوكها بعد الفحوصات الإشعاعية التي أُجريت في إيطاليا، والتي أظهرت وجود كسور متعددة في الأضلاع، وكسور في عظمتي الترقوة، واسترواحًا صدريًا، وهي إصابات ترى العائلة وخبراؤها أنها لا تنسجم مع فرضية وفاة خالية من أي عامل رضحي خارجي.
*تقرير الخبرة الإيطالي: إعادة بناء آلية الوفاة
لا يقتصر تقرير الدكتور رافاييلي زينو على رفض الاستنتاج الإسباني، بل يقدم تفسيرًا طبيًا مفصلًا لآلية الوفاة، خطوة بخطوة، وهو التفسير الذي يمثل جوهر الخلاف العلمي في هذه القضية.
أولًا: حالة هشاشة... لكنها ليست وفاة وشيكة
يرى الخبير أن حالة الهياج النفسي الحركي الناتجة عن تعاطي عدة مواد مخدرة كانت تمثل بالفعل حالة من الهشاشة البيولوجية وعامل خطر، لكنها لم تكن تعني أن الوفاة كانت وشيكة أو حتمية.
ففي تلك المرحلة، كان الجسم - بحسب التقرير - لا يزال قادرًا على تعويض زيادة حاجته إلى الأكسجين من خلال رفع معدل التنفس وزيادة ضخ القلب، أي أن الحالة كانت لا تزال قابلة للعلاج والعودة إلى الاستقرار.
ثانيًا: غياب أسلوب التهدئة (De-escalation)
يشير التقرير إلى أن أول خطأ تمثل في عدم استخدام وسائل التهدئة وخفض التوتر قبل اللجوء إلى القوة.
ويؤكد أن التهدئة ليست إجراءً ثانويًا، بل هي الوسيلة الأساسية لتخفيف الإحساس بالتهديد وتقليل نشاط الجهاز العصبي الودي، مما يؤدي إلى خفض استهلاك الجسم للأكسجين.
ثالثًا: التثبيت الجسدي القسري
يرى التقرير أن اللجوء إلى التثبيت البدني لشخص يعيش أصلًا حالة هياج شديد يؤدي إلى زيادة شعوره بالخطر، وبالتالي يرفع أكثر فأكثر استهلاك الجسم للأكسجين، في الوقت الذي تصبح فيه قدرته على الحصول على هذا الأكسجين أقل فأقل.
رابعًا: وضعية الجسم
ويعتبر التقرير أن هذه هي النقطة الأكثر أهمية من الناحية الطبية.
فبحسب إعادة البناء التي يقدمها الخبير، كان ميشيل مثبتًا منبطحًا على بطنه، بينما كان صدره مضغوطًا على السرير، وأطرافه مثبتة، مع وجود ضغط إضافي على ظهره.
وفي هذه الوضعية تصبح حركة القفص الصدري اللازمة للتنفس محدودة من الجهتين:
من الأمام بسبب ضغط السرير.
ومن الخلف بسبب الضغط الواقع على الظهر.
وبالتالي تنخفض كفاءة التنفس تدريجيًا، في الوقت الذي تكون فيه حاجة الجسم إلى الأكسجين مرتفعة جدًا بسبب حالة الهيجان.
خامسًا: الاختناق الوضعي
ويخلص التقرير إلى أن هذه الظروف تتوافق مع ما يعرف في الأدبيات الطبية باسم الاختناق الوضعي الناتج عن التثبيت الجسدي (Restaint Asphyxia أو Postural Asphyxia).
ويشير إلى أن هذه الظاهرة موثقة في العديد من الدراسات الطبية الشرعية، حيث قد تحدث الوفاة دون وجود إصابة قاتلة واضحة، وإنما نتيجة تدهور تدريجي في وظيفة التنفس حتى يتوقف الجسم عن الحصول على الأكسجين الكافي.
الجزء الرابع: الأدلة الطبية والإصابات التي استند إليها تقرير الخبرة الإيطالي
يرى تقرير الدكتور رافاييلي زينو أن نتائج التشريح والفحوصات الطبية، عند النظر إليها مجتمعة، تدعم فرضية الوفاة الناتجة عن الاختناق بسبب التثبيت الجسدي.
ومن أبرز هذه النتائج:
وذمة منتشرة داخل الحويصلات الرئوية واحتقان شديد في الأوعية الدموية للرئتين، وهي علامات تتوافق مع حدوث قصور حاد في القلب والجهاز التنفسي.
وجود مؤشرات على نقص الأكسجين في الدماغ.
احتقان شديد في الرأس والعنق، ووذمة في منطقتي العنق والكتفين، يفسرها الخبير بأنها قد تكون ناجمة عن إعاقة عودة الدم الوريدي بسبب الضغط الميكانيكي على الجسم.
احتقان في منطقة العنق والرأس، ووذمة حول الترقوتين، ونزف بين الأضلاع، وهي إصابات يعتبر التقرير أنها لا يمكن تفسيرها بعمليات الإنعاش القلبي الرئوي وحدها، بل تشير إلى تعرض الصدر لضغط خارجي.
كسور متعددة في الأضلاع على الجانبين، وكسور في عظمتي الترقوة، ويرى التقرير أنها لا يمكن أن تكون ناجمة فقط عن إجراءات التشريح أو الإسعاف، وإنما تتوافق مع إصابة ناتجة عن ضغط قوي على القفص الصدري.
كما سُجل وجود استرواح صدري، وانتفاخ هوائي تحت الجلد، وانصباب في التجويف الجنبي، وهي علامات يرى التقرير أنها تعزز فرضية الضغط الميكانيكي، مؤكدًا أن عمليات حفظ الجثمان بعد الوفاة لا يمكن أن تفسر ظهورها.
الإصابات الظاهرة على الجثمان
ويصف التقرير كذلك عددًا من الإصابات الخارجية، منها:
كدمات في فروة الرأس.
سحجات وكدمات في الوجه.
كسر في عظام الأنف مع دخول الهواء إلى داخل الجمجمة.
إصابة رضحية في العظم اللامي (عظم يقع في العنق).
كسور في الأضلاع من الضلع الأول حتى الثامن.
كسور في عظمتي الترقوة.
أما على مستوى الأطراف، فقد لوحظت:
سحجات خطية حول الرسغين اعتبرها الخبير متوافقة مع استعمال الأصفاد المعدنية.
إصابات عند الكاحلين نُسبت، استنادًا إلى الشهادات، إلى تثبيت الساقين أيضًا.
كما وصف التقرير ورمًا دمويًا وسلسلة من السحجات الخطية على الجانب الأيمن من الجسم، واعتبرها الخبير ربما تمثل "بصمة ميكانيكية" ناتجة عن ضغط ركبة أو ساعد شخص آخر على جسم ميشيل أثناء تثبيته وهو منبطح على بطنه.
الاستنتاج الطبي
وفي خاتمة التقرير، يطرح الخبير سؤالًا افتراضيًا:
هل كان ميشيل سيتوفى لو لم يُثبَّت بهذه الطريقة، ولو استُخدمت وسائل التهدئة المناسبة؟
ويجيب بأن الاحتمال الطبي المرتفع جدًا، والقريب من اليقين، هو أن الوفاة لم تكن لتقع في الظروف نفسها لو لم يحدث ذلك التثبيت الجسدي.
* انتقاد فرضية "متلازمة الهذيان المثار" (Excited Delirium Syndrome)
يناقش التقرير أيضًا فرضية متلازمة الهذيان المثار (ExDS)، التي استند إليها أحد خبراء النيابة العامة باعتبارها تفسيرًا مستقلًا للوفاة.
ويرى الدكتور زينو أن هذه المتلازمة لا تزال موضع جدل علمي واسع، إذ لا يوجد حتى اليوم تعريف طبي موحد لها، ولا آلية مرضية مثبتة بشكل قاطع، كما لا توجد علامات تشريحية خاصة تسمح بتأكيدها بعد الوفاة.
وبعبارة أخرى، لا يمكن للجزم علميًا بأن شخصًا ما توفي بسبب "متلازمة الهذيان المثار" بالطريقة نفسها التي يمكن بها إثبات الوفاة بسبب احتشاء عضلة القلب أو نزيف دماغي موثق.
وانطلاقًا من ذلك، يخلص التقرير إلى أنه إذا لم يثبت وجود سبب مستقل للوفاة ناجم عن هذه المتلازمة، فإن التحليل يجب أن يركز على ما حدث فعليًا أثناء التدخل: كيف جرى تثبيت الشخص؟ وفي أي وضعية؟ وكم استمرت عملية التثبيت؟ وما مقدار القوة المستخدم
وبعبارة أخرى، لا يمكن للجزم علميًا بأن شخصًا ما توفي بسبب "متلازمة الهذيان المثار" بالطريقة نفسها التي يمكن بها إثبات الوفاة بسبب احتشاء عضلة القلب أو نزيف دماغي موثق.
وانطلاقًا من ذلك، يخلص التقرير إلى أنه إذا لم يثبت وجود سبب مستقل للوفاة ناجم عن هذه المتلازمة، فإن التحليل يجب أن يركز على ما حدث فعليًا أثناء التدخل: كيف جرى تثبيت الشخص؟ وفي أي وضعية؟ وكم استمرت عملية التثبيت؟ وما مقدار القوة المستخدم
المصدر:
الشروق