آخر الأخبار

القيمة المضافة العالية… رهان استراتيجي للصادرات التونسية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تكشف أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء حول التجارة الخارجية التونسية خلال السداسي الأول من سنة 2026 عن مشهد اقتصادي يحمل في طياته إشارات إيجابية لافتة، رغم استمرار تحدي العجز التجاري البنيوي.

في هذا الاطار، سجلت الصادرات نموا مهما بلغت نسبته 9 بالمائة لتصل إلى 34645,2 مليون دينار، في حين ارتفعت الواردات بوتيرة أسرع بلغت 13,3 بالمائة لتستقر عند 47214,6 مليون دينار، ما أفرز عجزا تجاريا ارتفع إلى 12569,4 مليون دينار مقابل 9900,4 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من سنة 2025، وتراجعا في نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 73,4 بالمائة. وتستدعي هذه المعطيات قراءة تحليلية متأنية تتجاوز الأرقام الظرفية لتلامس الرهانات الهيكلية التي تحدد مستقبل الاقتصاد التونسي ضمن منظومة الشراكة الدولية.

تثمين الصادرات ذات القيمة المضافة العالية

تُظهر قراءة تفصيلية للأداء القطاعي أن القطاعات الأكثر قدرة على خلق قيمة مضافة حقيقية هي التي قادت النمو التصديري، فقد ارتفعت صادرات الصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 9,1 بالمائة، في حين قفزت صادرات المنتجات الفلاحية والغذائية بنسبة استثنائية بلغت 25,2 بالمائة، مدفوعة أساسا بارتفاع مبيعات زيت الزيتون إلى 3383,8 مليون دينار مقابل 2346,6 مليون دينار خلال نفس الفترة من سنة 2025.

تعكس هذه الأرقام نجاحا نسبيا في الانتقال التدريجي نحو منتجات ذات تثمين أعلى، غير أنها تكشف في الآن ذاته هشاشة الاعتماد على منتج واحد كزيت الزيتون الذي يبقى عرضة لتقلبات المناخ والأسواق العالمية. وتبرز هنا أهمية مضاعفة الجهود لتوسيع دائرة المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، عبر الاستثمار في الصناعات التحويلية المتقدمة والابتكار التكنولوجي، عوض الاكتفاء بتصدير المواد الخام أو شبه المصنعة التي لا تحقق للاقتصاد التونسي كامل مردوديتها الممكنة.

وتشير المقارنة مع تراجع صادرات الفسفاط ومشتقاته بنسبة 19 بالمائة، وقطاع النسيج والملابس والجلود بنسبة 3,5 بالمائة، إلى ضرورة إعادة النظر في استراتيجيات الارتقاء بالقيمة داخل هذه القطاعات التقليدية التي طالما شكلت عمادا للتصدير التونسي.

تنويع أسواق التصدير

يستحوذ الاتحاد الأوروبي على النصيب الأوفر من الصادرات التونسية بنسبة 70,4 بالمائة، وهو ما يعكس عمق الشراكة التاريخية بين الطرفين، لكنه يطرح في المقابل إشكالية التمركز المفرط الذي يجعل الاقتصاد التونسي رهين التقلبات الظرفية لأسواق بعينها، على غرار التراجع المسجل نحو ألمانيا بنسبة 0,5 بالمائة واليونان بنسبة 27,4 بالمائة.

وتبرهن، في المقابل، الأرقام المتعلقة بالأسواق العربية على جدوى التوجه نحو التنويع الجغرافي، حيث سجلت الصادرات نحو مصر نموا استثنائيا بلغ 104,8 بالمائة، ونحو المملكة العربية السعودية 52,4 بالمائة. وتستوجب هذه المؤشرات المشجعة استثمارا أكبر في تطوير آليات الولوج إلى الأسواق الإفريقية والآسيوية الواعدة، بموازاة معالجة التراجع المسجل في المبادلات مع الشركاء المغاربيين، إذ انخفضت الصادرات نحو المغرب بنسبة 26,2 بالمائة والجزائر بنسبة 18,7 بالمائة وليبيا بنسبة 3,9 بالمائة، وهو تراجع يستدعي تفعيلا أنجع لاتفاقيات التبادل الحر الإقليمية وتذليل العراقيل اللوجستية والجمركية التي تحد من الاندماج الاقتصادي المغاربي.

دعم الدبلوماسية الاقتصادية

تتطلب ترجمة هذه المؤشرات الإيجابية إلى مكاسب مستدامة مواصلة تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية التونسية بوصفها أداة محورية لفتح أسواق جديدة وتثبيت الحضور في الأسواق التقليدية.

وتؤكد وتيرة النمو المسجلة نحو الأسواق العربية والإفريقية أن الجهود الدبلوماسية الاقتصادية المبذولة بدأت تؤتي أكلها، غير أن استدامة هذا المسار تستوجب مرافقة مؤسساتية أكثر نجاعة تشمل تكثيف المفاوضات التجارية الثنائية والإقليمية، ودعم تواجد الشركات التونسية في المعارض والمنتديات الاقتصادية الدولية، وتفعيل دور الملحقين التجاريين والغرف الاقتصادية المشتركة.

هذا وتكتسي معالجة عجز الطاقة، الذي بلغ وحده 6779,3 مليون دينار مقابل 5214,8 مليون دينار خلال السداسي الأول من سنة 2025، أهمية استراتيجية خاصة، إذ يُظهر أن العجز التجاري خارج قطاع الطاقة ينخفض إلى 5790,1 مليون دينار، وهو ما يعكس أن الاختلالات الهيكلية للميزان التجاري ترتبط بشكل كبير بالتبعية الطاقية، وتستدعي بالتالي تسريع الانتقال الطاقي وتنويع مصادر التزود كأولوية موازية لجهود ترقية الصادرات.

تفرض هذه المعطيات مجتمعة رؤية اقتصادية شمولية تجمع بين تثمين الإنتاج الوطني، وتنويع الشراكات التجارية، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية بوصفها استثمارا في المستقبل لا مجرد نشاط ظرفي. وتبقى الفرصة سانحة أمام تونس لتحويل مكاسبها التصديرية الجزئية إلى دينامية اقتصادية شاملة، شريطة مواصلة الإصلاحات الهيكلية ودعم القطاعات ذات القدرة التنافسية العالية، بما يمكّن من تقليص الفجوة التجارية تدريجيا وترسيخ موقع تونس كشريك اقتصادي موثوق في محيطها الإقليمي والدولي.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا