لم يكن افتتاح الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي مجرد انطلاق لبرنامج صيفي جديد، بل كان احتفاءً بمحطة مفصلية في تاريخ واحدة من أعرق التظاهرات الثقافية في تونس والعالم العربي. ستة عقود من العروض واللقاءات الفنية جعلت من ركح الحمامات فضاء لصناعة الذاكرة الثقافية، وهو ما اختزلته إدارة المهرجان في شعار هذه الدورة: "ذاكرة تعيش". وقد اختارت الهيئة المنظمة أن تفتتح هذه الدورة الاستثنائية بمسرحية "الهاربات" للمخرجة وفاء الطبوبي، في استمرار لتقليد راسخ يجعل المسرح بوابة الدخول إلى المهرجان.
هذا الاختيار لم يكن اعتباطيًا، فالمسرحية تحصلت سابقا على عدد من الجوائز، وهو ما جعلها مرشحة طبيعيًا لتوقيع سهرة الافتتاح، غير أن افتتاح مهرجان بحجم الحمامات لا يخضع فقط لمنطق الجوائز، بل يضع العمل أمام امتحان أكثر صعوبة، يتمثل في مواجهة جمهور متنوع، يضم المسرحيين والنقاد والمهتمين، إلى جانب جمهور واسع يبحث عن تجربة فنية قادرة على أن تلامس وجدانه وتدفعه إلى التفكير في آن واحد.
ظل المسرح، على امتداد تاريخ مهرجان الحمامات، أكثر من مجرد عرض افتتاحي؛ كان دائمًا إعلانًا عن التوجهات الفنية للدورة ورسالة ثقافية حول طبيعة الخيارات الجمالية للمهرجان.
وبعيدًا عن منطق الاحتفاء، يظل السؤال النقدي مشروعًا: هل نجح عرض الافتتاح في أن يكون حدثًا فنيًا يليق برمزية الدورة الستين؟
هذا السؤال لا يتعلق بقيمة العمل أو الجهد المبذول فيه، بقدر ما يتعلق بقدرته على إحداث المفاجأة. فالجمهور الذي تابع المسرح التونسي خلال العقدين الأخيرين بات مألوفًا لديه حضور موضوعات مثل التهميش، والهامش الاجتماعي، والعنف، والبحث عن الخلاص، أصبحت جزءًا من المشهد المسرحي المحلي. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في اختيار الموضوع، وإنما في إعادة صياغته برؤية مختلفة ولغة مسرحية تفتح أفقًا جديدًا للمتلقي.
لا يمكن إنكار أن العرض جاء مدعومًا بسينوغرافيا مدروسة وإضاءة دقيقة وأداء جسدي تطلّب جهدًا واضحًا من الممثلين. كما كشف عن حرفية تقنية في إدارة الفضاء المسرحي وصناعة الصورة. لكن هذه العناصر، رغم أهميتها، لم تكن كافية لتمنح العمل عمقه الفكري أو فرادته الفنية.
تكمن المعضلة الأساسية في أن المسرحية أعادت طرح قضايا مألوفة في المسرح التونسي، مثل التهميش والاغتراب والعنف والبحث عن الخلاص، من دون أن تقدم زاوية قراءة جديدة أو معالجة مختلفة. فالقضية في الفن ليست في "ماذا نقول؟"، بل في "كيف نقول؟". وحين يكتفي العمل بإعادة إنتاج أفكار سبق أن تناولتها أعمال عديدة، فإنه يفقد عنصر المفاجأة ويصبح أقرب إلى التكرار منه إلى التجديد.
كما بدا أن العرض يراهن على كثافة الصورة والرمز أكثر من رهانه على البناء الدرامي. ففي أكثر من محطة، طغت اللوحات البصرية على تطور الحدث، وأصبح الإبهار التشكيلي هدفًا في حد ذاته، بينما تراجع السرد المسرحي والتصاعد الدرامي. صحيح أن المسرح المعاصر لا يقوم بالضرورة على الحكاية التقليدية، لكن التجريب لا يعني التخلي عن التواصل مع المتلقي أو إغراقه في الغموض.
في النهاية، تبقى "الهاربات" عملًا محترمًا من حيث الجهد والإمكانات الفنية، لكنه لا يرتقي، في تقديري، إلى مستوى الانتظارات التي يفرضها افتتاح مهرجان عريق يمتد تاريخه إلى ستة عقود. فالمسرحية تنجح في إبهار العين، لكنها لا تنجح بالقدر نفسه في إبهار الفكر، وتغادر الخشبة تاركة انطباعًا بأن الشكل سبق المضمون، وأن التقنية تقدمت على الرؤية.
ويبقى الحكم النهائي على هذه الدورة مرهونًا بما ستقدمه بقية العروض، وبقدرتها على تحويل شعار "ذاكرة تعيش" إلى تجربة فنية تترك أثرًا يتجاوز زمن الفرجة، ليبقى في ذاكرة جمهور الحمامات كما بقيت دورات سابقة صنعت
المصدر:
الشروق