آخر الأخبار

تحليل: إسرائيل… من الإفلات السياسي من المحاسبة إلى الكلفة الاستراتيجية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp
على مدى عقود، تمتعت إسرائيل بركيزة بدت وكأنها عصية على الاهتزاز: دعم الرأي العام الغربي، وما يترتب عليه من دعم الحكومات الغربية.

غير أن هذه الركيزة بدأت تتصدع. فالمعطيات الحديثة لعام 2026 لم تعد تعكس تراجعًا مؤقتًا مرتبطًا بحرب، بل تشير إلى تحول عميق وشامل، عابر للانقسامات الحزبية، ويرى عدد متزايد من المحللين أنه تحول بنيوي.

وفي الأنظمة الديمقراطية، لا يستطيع أي قائد أن يواصل السير إلى ما لا نهاية بعكس اتجاه ناخبيه. لذلك، فإن هذا التحول في الرأي العام، الذي لا يزال حضوره محدودًا في أروقة الدبلوماسية، قد يصبح خلال العقد المقبل أحد أبرز الوقائع الجيوسياسية في المنطقة.

أرقام واضحة لا تحتمل التأويل

في الولايات المتحدة أولًا، بدأت الدعامة التاريخية لإسرائيل تتراجع. فوفقًا لمركز Pew Research Center، بات 60% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ55% قبل عام، بزيادة تقارب 20 نقطة مئوية منذ عام 2022.

أما استطلاعات Gallup فتكشف عن تحول في ميزان التعاطف؛ إذ يبدي 46% من الأمريكيين تعاطفًا أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 28% مع الإسرائيليين. وللمرة الأولى منذ عام 2005، ينخفض بين الأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر عدد المؤيدين لإسرائيل إلى أقل من النصف.

والأهم أن هذا التراجع لم يعد مقتصرًا على اليسار؛ إذ إن 57% من الجمهوريين دون سن الخمسين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل. كما تؤكد أحدث البيانات الصادرة في يوليو أن حتى صورة الشعب الإسرائيلي، التي ظلت لفترة طويلة بمنأى عن التراجع، أخذت تتدهور، فيما يفضل الأمريكيون دون الثلاثين الفلسطينيين بنسبة 58% مقابل 32% للإسرائيليين.

ولا يقتصر هذا التحول على الولايات المتحدة، بل أصبح ظاهرة عالمية. فقد أظهر استطلاع Pew في 36 دولة أن الوسيط العالمي بلغ 67% من الآراء السلبية مقابل 25% فقط من الآراء الإيجابية.

أما متابعة Morning Consult في 43 دولة، فجاءت أكثر حدة، إذ انخفض صافي التأييد لإسرائيل بمعدل 18.5 نقطة، وتراجع في 42 دولة من أصل 43، ما أدى إلى انتقال دول كانت سابقًا مؤيدة لإسرائيل إلى خانة المواقف السلبية.

وقد تسارع هذا التدهور عقب اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، إلا أن جذوره أعمق من ذلك، وترتبط بما تنظر فيه محكمة العدل الدولية بشأن قضية الإبادة الجماعية في غزة، وهي الاتهامات التي يندد بها قطاع واسع من الرأي العام العالمي، والحركات المدنية، وخبراء الأمم المتحدة.

لماذا لا يُعد هذا تحولًا مؤقتًا؟

هناك ثلاثة عوامل تجعل هذا التحول طويل الأمد، ولا يمكن عكسه بمجرد وقف إطلاق النار.


* العامل الأول: الأجيال. فرفض إسرائيل بات واسعًا بين الشباب، سواء في اليسار أو، بشكل متزايد، في اليمين. والأجيال لا تغيّر قناعاتها بسهولة مع تبدل السياسات، بل تُستبدل بأجيال جديدة. والجيل الذي يكوّن اليوم رؤية نقدية تجاه إسرائيل سيحملها لعقود، فيما تميل الأجيال اللاحقة إلى مواقف أكثر انتقادًا.
* العامل الثاني: التوثيق. فالإجراءات الجارية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب تحقيقات الأمم المتحدة، تشكل أرشيفًا مكتوبًا ودائمًا لا يختفي بانتهاء العمليات العسكرية. وستستند الانتقادات المستقبلية إلى هذه الوثائق لسنوات طويلة.
* العامل الثالث: تجاوز الخط الأحمر. فقد امتد التراجع إلى المعسكر المحافظ الأمريكي، الذي كان تاريخيًا الأكثر دعمًا لإسرائيل. ولو كان الرفض محصورًا في اليسار، لكان من الممكن أن يتراجع بعد انتهاء الحرب، أما عندما يصبح عابرًا للحزبين، فإنه يشير إلى تغير في طبيعة المشهد.

الفرضية السياسية: الرأي العام يلحق بالسياسة في النهاية

ثمة مفارقة لافتة اليوم؛ إذ إن غالبية شعوب العالم ابتعدت عن إسرائيل، بينما لم تفعل ذلك بعد الدول القليلة التي لا تزال تزودها بالسلاح، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وألمانيا، اللتان توفران الجزء الأكبر من وارداتها العسكرية.

فعندما صوّت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 على قرار يطالب بفرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، كانت هذه الدول الموردة تحديدًا من بين الدول التي صوتت ضده.

وهنا تكمن جوهر المرحلة الراهنة: فالضغط السياسي والأخلاقي موجود بالفعل، لكنه لم يصل بعد إلى منابع التسليح.

غير أن هذا التباعد لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. ففي الديمقراطيات، يعتمد السياسيون على الانتخابات، والانتخابات تعتمد على الرأي العام.

وأي فجوة طويلة الأمد بين قناعات الناخبين وسياسات الحكومات تنتهي، عاجلًا أم آجلًا، بالانكماش، سواء عبر تداول السلطة، أو الانتخابات التمهيدية، أو ضغط القواعد الحزبية والحركات السياسية.

لقد تحول الدعم غير المشروط لإسرائيل، الذي كان يومًا ما موضع إجماع بين الحزبين في الولايات المتحدة، إلى قضية خلافية بينهما، وقد يصبح، مع تقدم الناخبين الشباب في العمر وارتفاع مشاركتهم الانتخابية، عبئًا سياسيًا. وفي هذا السياق، يبدو أن عامل الزمن لا يصب في مصلحة إسرائيل.

أولى مؤشرات الكلفة

لم يعد الأمر مجرد احتمال، بل بدأت الكلفة تظهر بالفعل، ولعل أبرزها يتعلق بالطائرات المقاتلة.

ففي 7 يوليو/تموز 2026، أعلن دونالد ترامب في أنقرة، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، عزمه رفع العقوبات المفروضة على تركيا بموجب قانون CAATSA، وأنه «سينظر» في بيعها مقاتلات F-35، وهي الطائرات نفسها التي مُنعت أنقرة من الحصول عليها عام 2019 بعد شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400.

غير أن الأهم من القرار، الذي لا يزال معلقًا ويواجه عقبات داخل الكونغرس، هو أن بنيامين نتنياهو كان قد ناشد واشنطن علنًا قبل أيام الامتناع عن هذه الخطوة، محذرًا من أنها ستقوض ميزان القوى الذي تضمنه الهيمنة الجوية الإسرائيلية، لكنه لم يلقَ استجابة من أقرب حلفائه، رغم أن الإدارة الأمريكية الحالية تُعد من أكثر الإدارات قربًا من إسرائيل.

ويضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة تناقش أيضًا صفقة لبيع مقاتلات F-35 إلى السعودية.

وبمعنى آخر، فإن التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، أي المبدأ القائم على بقائها المستفيد الإقليمي الوحيد من أحدث التقنيات العسكرية الأمريكية، لم يعد يُعامل بوصفه مسلمة ثابتة.

وفي جبهات أخرى، تتقاطع المؤشرات أيضًا؛ إذ يتزايد الاعتراف بدولة فلسطين، وتتكرر التصويتات المناهضة لإسرائيل داخل المؤسسات الدولية، كما تتصاعد الدعوات إلى مقاطعتها تجاريًا ورياضيًا وثقافيًا، فضلًا عن اتخاذ إجراءات تستهدف منتجات المستوطنات.

وقد تبدو كل إشارة، إذا نُظر إليها منفردة، محدودة التأثير، لكنها مجتمعة ترسم اتجاهًا واضحًا.

توقعات: كيف يمكن لهذا التحول أن يعيد رسم العالم؟

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات، تُطرح بوصفها توقعات لا يقينيات.

على الصعيد العسكري، يمثل تآكل التفوق النوعي الإسرائيلي النتيجة الأكثر وضوحًا. فإذا مضت واشنطن في تسليح تركيا والسعودية ودول أخرى بمقاتلات F-35، فلن تبقى إسرائيل الاستثناء العسكري في المنطقة. وعلى المدى البعيد، سيدفعها ذلك إلى تعزيز استقلالها الدفاعي واعتماد نهج أكثر تشددًا، باعتبار أن كل صفقة تسليح مع دولة مجاورة ستُنظر إليها كتهديد وجودي.

أما دبلوماسيًا، فمن المرجح أن تتسارع وتيرة الاعتراف بدولة فلسطين، وأن يزداد عزلة إسرائيل داخل المؤسسات الدولية. أما التحول الحقيقي، فقد يأتي يوم يتصدع فيه ما يمكن وصفه بـ«جدار حماية الدول الموردة»، عندما تصبح غالبية الحزب الديمقراطي الأمريكي، مدعومة بجزء من الجمهوريين، ترى أن الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل أصبح مكلفًا سياسيًا. ولم يحن ذلك اليوم بعد، لكنه لم يعد مستبعدًا.

واقتصاديًا، قد يؤدي اتساع نطاق المقاطعة وإعادة النظر في الاتفاقيات التجارية، وعلى رأسها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، إلى تحويل الضغوط الأخلاقية إلى كلفة اقتصادية فعلية، تمامًا كما أظهر استخدام قطر حق النقض داخل مجموعة Volkswagen أن رأس المال يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي.

ويبقى العامل الحاسم في الخلفية هو التجدد الجيلي في السياسة الأمريكية؛ إذ يشير تحول مواقف الجمهوريين الشباب إلى أن حتى القاعدة التقليدية للحزب الجمهوري قد لا تبقى على حالها خلال العقد المقبل.

الرأي المقابل… لتجنب اليقين المسبق

تقتضي الموضوعية الإقرار بوجود عوامل معاكسة، فهي حقيقية ومؤثرة.

فالتحالف الاستراتيجي الأمريكي ـ الإسرائيلي لا يزال متينًا في عهد ترامب، كما أن الرأي العام ليس هو السياسة، وقد يستمر التباعد بينهما لفترة طويلة.

كذلك، لم تختفِ مسارات التطبيع مع بعض الدول العربية. كما تستثمر إسرائيل بكثافة في تعزيز استقلالها العسكري تحسبًا لأي تراجع في دعم مورديها.

ويحمل التاريخ بدوره دعوة إلى الحذر، إذ سبق أن أُعلن أكثر من مرة عن عزلة إسرائيل من دون أن تتحقق بالكامل. فالتحول في الرأي العام أمر لا جدال فيه، أما ترجمته إلى قرارات سياسية ملموسة فستكون بطيئة، ومحل خلاف، ولن تسير في خط مستقيم.

ومع ذلك، يبدو أن الاتجاه العام قد تحدد، حتى وإن ظل إيقاعه غير محسوم. فقد اعتادت إسرائيل طويلًا على افتراض أن مواقف الشعوب لا تؤثر في سياسات الدول، لكن هذا الافتراض بدأ يتآكل.

ولذلك، لم يعد السؤال الاستراتيجي الحقيقي بالنسبة إليها هو ما إذا كانت ستحتفظ بدعم العواصم الغربية على المدى القريب — فهي لا تزال تحظى به — بل ما إذا كانت ستنجح في التكيف مع عالم يصبح فيه هذا الدعم، عامًا بعد عام، أكثر كلفة سياسيًا، أم أنها ستختار التمسك بالنهج القائم مهما ارتفعت الأثمان.

ففي الديمقراطيات، يمكن الإبحار لبعض الوقت عكس التيار… لكن ليس إلى الأبد.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا