آخر الأخبار

لماذا اختار المستثمرون الأجانب تونس مجددا في 2025 ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

استعادت تونس، خلال سنة 2025، جزءا مهما من جاذبيتها لدى المستثمرين الدوليين، في مؤشر يحمل دلالات عميقة على مسار التعافي التدريجي لاقتصاد ظل لسنوات يصارع تداعيات الجائحة والاضطرابات الجيوسياسية المتلاحقة وتراجع الثقة لدى الأسواق المالية العالمية.

وكشف التقرير السنوي لسنة 2025، الصادر عن البنك المركزي التونسي، والذي تسلّم رئيس الجمهورية قيس سعيد نسخة منه يوم 6 جويلية 2026، عن تحول لافت في اتجاهات تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو البلاد، بما يعكس تحسنا نسبيا في مناخ الأعمال وقراءة أكثر تفاؤلا من قبل الفاعلين الاقتصاديين الدوليين لمخاطر الاستثمار في السوق التونسية.

قفزة تعيد الثقة إلى الاقتصاد الوطني

بلغت قيمة تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو تونس خلال سنة 2025 نحو 3506.5 مليون دينار، مسجلة بذلك ارتفاعا بنسبة 30.1 بالمائة مقارنة بسنة 2024. وتُعدّ هذه النسبة من أعلى معدلات النمو التي سجلتها تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس خلال السنوات الأخيرة، في وقت لا تزال فيه اقتصادات عديدة في منطقة جنوب المتوسط وشمال إفريقيا تواجه صعوبات في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، على خلفية ارتفاع تكلفة التمويل العالمي وتشديد السياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى طيلة السنوات الماضية.

وتجاوزت هذه الاستثمارات دورها التمويلي المباشر للاقتصاد الوطني وموازنة الحساب الخارجي، لتنعكس مباشرة على سوق الشغل، إذ ساهمت في إحداث 14085 موطن شغل جديد خلال سنة 2025 وحدها، دون احتساب قطاع الطاقة الذي يحمل خصوصياته الاستثمارية والتشغيلية.

وتوزعت هذه الاستثمارات بين 819 مشروع توسعة بقيمة 2579 مليون دينار، و102 مشروع إحداث بقيمة 357 مليون دينار، وهو ما يعكس أفضلية واضحة لدى المستثمرين الأجانب لتوسيع أنشطتهم القائمة مقارنة بإطلاق مشاريع جديدة من الصفر، في مؤشر على استمرارية الثقة لدى المستثمرين الذين سبق لهم التموقع في السوق التونسية. وبلغ عدد الشركات ذات المساهمة الأجنبية المنتصبة في تونس، دون اعتبار قطاع الطاقة، حوالي 4211 وحدة اقتصادية في نهاية سنة 2025، وهو رقم يعكس عمق النسيج الصناعي والخدماتي المرتبط بالاستثمار الأجنبي في البلاد.

الصناعات المعملية تتصدر المشهد

استقطب قطاع الصناعات المعملية وحده أكثر من 60 بالمائة من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، بعد أن سجلت الاستثمارات الموجهة إليه ارتفاعا بنسبة 24 بالمائة لتبلغ 2194 مليون دينار. وتفسَّر هذه الدينامية أساسا بتعزز الاستثمارات في الصناعات الكهربائية والإلكترونية التي ارتفعت من 846 مليون دينار سنة 2024 إلى 1018 مليون دينار سنة 2025، تليها الصناعات الميكانيكية والمعدنية والحديدية التي انتقلت من 318 مليون دينار إلى 374 مليون دينار، ثم صناعة النسيج والملابس التي قفزت من 178 مليون دينار إلى 214 مليون دينار، وأخيرا صناعة البلاستيك التي شهدت أعلى نسق نمو نسبي بانتقالها من 143 مليون دينار إلى 202 مليون دينار، أي بزيادة تناهز 41 بالمائة. ويؤكد هذا التوزع القطاعي استمرار تموقع تونس كقاعدة تصدير تنافسية ضمن سلاسل القيمة الأوروبية والمتوسطية، خاصة في الصناعات ذات المحتوى التكنولوجي المتوسط والمرتفع.

في المقابل، تراجعت حصة قطاع الطاقة إجمالا من 18 بالمائة سنة 2024 إلى 16.3 بالمائة سنة 2025، رغم ارتفاع قيمة استثماراته بنسبة 17.8 بالمائة لتبلغ 571 مليون دينار، وهو ما يعني أن نمو القطاعات الأخرى، وعلى رأسها الصناعات المعملية، كان أسرع وتيرة. وشهدت الاستثمارات في قطاع المحروقات شبه استقرار، بتراجع طفيف بلغ 0.8 بالمائة، نتيجة تأثير متعاكس بين ارتفاع الإنفاق على أشغال التطوير وتراجع أنشطة الاستكشاف الجديدة، في مؤشر على دخول القطاع مرحلة نضج نسبي بعد سنوات من ضعف الاستكشاف.

في هذا الصدد، برزت الطاقات المتجددة كأحد أكثر القطاعات جاذبية للاستثمار الأجنبي، بتسجيلها زيادة لافتة بنسبة 35.5 بالمائة، مدفوعة أساسا بمشاريع توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية. ويأتي هذا التوجه متناغما مع الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي وأهداف تونس في رفع حصة الطاقات المتجددة ضمن مزيجها الكهربائي، فضلا عن الاهتمام المتنامي عالميا باستثمارات الطاقة النظيفة في ظل تسارع التزامات خفض الانبعاثات الكربونية على المستوى الدولي.

القطاع المالي وميزان المحفظة

ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة للقطاع المالي من 176 مليون دينار سنة 2024 إلى 252 مليون دينار سنة 2025، بزيادة تفوق 43 بالمائة، وتعلقت أساسا بعمليات الترفيع في رأس مال بمساهمة أجنبية داخل بنكين محليين، وهو ما يعكس استمرار اهتمام المؤسسات المالية الأجنبية بتعزيز حضورها في السوق المصرفية التونسية.

أما ميزان الاستثمارات في المحفظة، فقد سجل فائضا بقيمة 3105 مليون دينار خلال سنة 2025، مرتبطا كليا بانخفاض صافي الخصوم، خاصة في شكل سندات صادرة عن الحكومة التونسية. ويعكس هذا التطور بالأساس تسديد الخزينة العامة لقرض رقاعي بقيمة مليار دولار أمريكي، كانت قد أصدرته في السوق المالية الدولية سنة 2015، علما أن الخزينة لم تصدر أي قرض رقاعي جديد في الأسواق الدولية منذ سنة 2020، في ظل الصعوبات التي واجهتها تونس للولوج إلى أسواق التمويل الخارجي بشروط تنافسية.

وبالتوازي، سجلت الاستثمارات في المحفظة على شكل حصص ملكية وأسهم صناديق استثمار زيادة صافية في الخصوم بقيمة 53 مليون دينار سنة 2025، ناتجة عن عمليات شراء وبيع من قبل غير المقيمين في بورصة تونس للأوراق المالية، بقيمة 66 مليون دينار للشراء مقابل 13 مليون دينار للبيع. وحققت الاستثمارات الأخرى حاصلا دائنا بقيمة 35 مليون دينار، إذ بلغ صافي عمليات شراء الأصول المالية 421 مليون دينار، مقابل ازدياد في صافي الخصوم بقيمة 386 مليون دينار.

تُظهر هذه المعطيات مجتمعة أن تونس بدأت فعليا تجني ثمار جهود تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز الاستقرار الماكرو-اقتصادي النسبي الذي شهدته البلاد خلال الفترة الأخيرة، خاصة في ظل تراجع الضغوط على سعر الصرف واحتواء عجز الحساب الجاري مقارنة بالسنوات السابقة.

ويبقى التحدي الأكبر أمام صانعي القرار الاقتصادي متمثلا في ترسيخ هذه الدينامية وتحويلها إلى مسار مستدام، عبر مواصلة تطوير التشريعات المتعلقة بالاستثمار، وتسريع مشاريع البنية التحتية الطاقية والصناعية، والعمل على استعادة القدرة على الولوج إلى أسواق التمويل الدولية بشروط أقل كلفة، بما يعزز موقع تونس كوجهة استثمارية تنافسية في محيطها الإقليمي والمتوسطي.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا