هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتكشف بيانات الشمول المالي في تونس عن مفارقة لافتة إذ يعيش اقتصاد البلاد حالة من الازدواجية بين قطاع مصرفي تقليدي لا يزال بعيد المنال عن شرائح واسعة من المجتمع، وقطاع ناشئ للتمويل الأصغر يتوسع بثبات منذ أكثر من عقد.
وتشير أحدث معطيات البنك الدولي لسنة 2024 إلى أن 37 بالمائة فقط من التونسيين يمتلكون حسابات في مؤسسات مالية رسمية، فيما تتراجع هذه النسبة إلى 29 بالمائة لدى النساء و32 بالمائة لدى ذوي الدخل المحدود، وهو ما يعني أن أكثر من ستة من كل عشرة تونسيين ما زالوا خارج دائرة الخدمات المصرفية الرسمية. وتتخذ هذه الفجوة بعدًا مضاعفًا في المناطق الريفية، حيث تتقلص شبكة الفروع البنكية وتضعف البنية التحتية المالية.
واقع متحرك رغم استمرار الفجوة
سجّل مؤشر الشمول المالي للشباب تحسنًا ملموسًا، حيث ارتفع، وفق البنك المركزي التونسي، إلى 53.1 بالمائة نهاية سنة 2024، بفضل تعليمات نظمت فتح الحسابات ببطاقة التعريف الوطنية، وهو ما أفضى إلى فتح نحو مليون حساب فردي وأربعمائة ألف حساب لأنشطة اقتصادية بين سنتي 2022 و2024.
وواكب هذا التطور نمو متسارع في الدفع الرقمي، حيث قفز عدد المحافظ الإلكترونية النشطة من نحو 368 ألف محفظة اواخر 2024 إلى قرابة 469 ألف محفظة موفى 2025، بقيمة تحويلات تجاوزت 1.76 مليار دينار عبر أكثر من ثمانية ملايين عملية. ومع ذلك، يظل حجم السيولة المتداولة خارج القنوات البنكية مرتفعًا، إذ بلغ نحو 28.1 مليار دينار في مارس 2026 مقابل 23.2 مليار دينار في الفترة ذاتها من السنة السابقة، وهو مؤشر على استمرار هيمنة الاقتصاد غير النقدي المصرفي على جزء واسع من المعاملات اليومية.
القروض الصغرى: محرك متصاعد للإدماج المالي
تبرز دراسة تحليلية أُجريت على البيانات التونسية للفترة 2010-2023، باستخدام نموذج اقتصادي متقدم، وجود علاقة إيجابية وقابلة للقياس بين تمويلات القروض الصغرى والإدماج المالي، ذلك ان كل زيادة بنسبة 10 بالمائة في القروض الممنوحة من مؤسسات التمويل الأصغر تؤدي إلى ارتفاع بنسبة 3 بالمائة في الوصول إلى الخدمات المصرفية، مع أثر أقوى في المناطق الريفية.
وتؤكد الأرقام الحديثة استمرار هذا الزخم؛ إذ نما حجم التمويلات الممنوحة بمعدل سنوي قارب 16 بالمائة خلال الفترة 2021-2024، ليبلغ نحو 2.2 مليار دينار موزعة على أكثر من 627 ألف مقترض نهاية 2024، قبل أن يرتفع إلى نحو 2.6 مليار دينار لفائدة 805 آلاف مستفيد بنهاية مارس 2025، حسب معطيات استعرضتها اللجنة الاحترازية لمتابعة الأزمات المالية. ويعكس هذا التوسع أيضًا صلابة متانة القطاع، حيث لا تتجاوز نسبة محفظة المخاطر في حدود ثلاثين يومًا 3.5 بالمائة فقط، بينما بلغت نسبة الملاءة المجمعة لمؤسسات التمويل الأصغر ذات الصبغة التجارية 24.1 بالمائة سنة 2024، وهو مستوى يفوق بوضوح الحدود الدنيا المطلوبة دوليًا.
يستمد هذا النموذج جذوره من تجربة “بنك جرامين” التي أسسها محمد يونس، ويقوم على ثلاثية متكاملة تجمع بين قروض موجهة لدعم المشاريع الصغرى والعمل الذاتي، وتعبئة للمدخرات لتعزيز القدرة المالية للأسر، وتمكين اجتماعي يعزز المشاركة والثقة داخل المجتمعات المحلية. وتتقاطع هذه النتائج مع خلاصات دراسات دولية تؤكد أن القروض الصغرى تحسّن فعليًا الوصول إلى الخدمات المالية، وإن ظل أثرها المباشر على الحد من الفقر متغيرًا من سياق إلى آخر. ويبقى التحدي الأكبر أمام تونس متمثلًا في تضييق الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية، مع الحرص على ضبط مستويات مديونية مستدامة لدى المقترضين.
عقبات هيكلية تحد من اتساع الأثر
تصطدم فعالية القروض الصغرى بعقبات عدة تحد من مداها حيث ترتفع أسعار الفائدة المطبقة في تونس إلى مستويات تتراوح بين 18 و25 بالمائة، مقارنة بـ8 إلى 12 بالمائة في بعض الدول المجاورة، وهو تفاوت قد يرفع من مخاطر المديونية المفرطة لدى الفئات الهشة.
وتتقلص فرص نجاح المشاريع الممولة في غياب مرافقة كافية، إذ لا يكفي القرض وحده دون برامج تدريب مهني واستشارات في التصرف. كما تتسع الفجوة الجغرافية بدورها، إذ لا تتجاوز حصة الوكالات المتواجدة في المناطق الريفية 12 بالمائة من مجموع الشبكة، رغم أن هذه المناطق تؤوي نحو 30 بالمائة من إجمالي السكان، وهو ما يقلص الأثر الكلي للتمويلات رغم اتساع الشبكة إلى أكثر من 230 فرعًا موزعة عبر تسع مؤسسات ناشطة في القطاع منذ صدور المرسوم عدد 117 لسنة 2011.
وتتحرك الدولة موازاة مع ذلك نحو تعزيز آليات التمويل التكميلية؛ إذ خصصت وزارة التشغيل والتكوين المهني، في إطار الفصل 19 من قانون المالية لسنة 2024، خط تمويل بقيمة 20 مليون دينار لفائدة الفئات محدودة الدخل، يمنح قروضًا بدون فائدة تصل إلى 10 آلاف دينار على مدى 72 شهرًا مع سنة إمهال، استفاد منها نحو خمسة آلاف باعث مشروع خلال 2024. وامتد هذا التوجه إلى برنامج جديد أُطلق في أفريل 2026 يقدم تمويلات مماثلة بشروط ميسّرة، في مؤشر على تصاعد الاهتمام الرسمي بمعالجة الإقصاء المالي.
نحو حلول عملية لتعظيم الأثر
تفرض هذه المعطيات مجتمعة اعتماد مقاربة شاملة لتطوير القطاع. فتستدعي الحاجة وضع سقوف مدروسة لأسعار الفائدة تحمي المقترضين دون المساس باستدامة المؤسسات الممولة. ويستوجب التحول الرقمي تعميم الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول وتقنيات البلوك تشين لتبسيط الإجراءات وبلوغ مناطق أوسع، خصوصًا مع الزخم الذي تشهده المحافظ الرقمية حاليًا.
وتبقى برامج محو الأمية المالية ومرافقة المقترضين، مع تركيز خاص على النساء الرياديات، رافعة أساسية لتحويل التمويل إلى مشاريع مستدامة. وتفتح الشراكات مع المنظمات غير الحكومية والشبكات الإقليمية آفاقًا لتبادل أفضل الممارسات وتطوير خدمات مرافقة غير مالية، زراعية كانت أو ريادية.
لقد أثبتت القروض الصغرى قدرتها على فتح أبواب التمويل أمام آلاف التونسيين، لا سيما في الأرياف، غير أن تحويل هذا الزخم إلى رافعة تنموية مستدامة يستلزم مزيجًا متوازنًا من التنظيم المحكم والابتكار التكنولوجي والدعم التعليمي والمؤسساتي، بما يكفل توسيع دائرة الإدماج المالي دون التفريط في استقرار القطاع وسلامة ماليته.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية