هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل
وبالنسبة إلى التونسيين والجزائريين وسائر أبناء المغرب العربي، تتجاوز هذه القضية حدود ثانوية فرنسية. فهي تطرح تساؤلات بشأن المكانة التي تُمنح في فرنسا للشخصيات المنحدرة من العالم العربي والمغرب العربي عندما تتحول إلى رموز في الفضاء العام. كما تكشف جانبًا من العلاقة المعقدة بين المدرسة والسياسة والهوية وضغوط اليمين المتطرف.
وتقدم أيضًا لمحة عما قد تصبح عليه فرنسا إذا وصل حزب التجمع الوطني إلى السلطة.
في البداية، كان المشروع يقوم على منطق تربوي بسيط. فقد عمل تلاميذ ثانوية أرنو بيلترام في ميزيو، التابعة لإقليم الرون، على دراسة شخصيات نسائية مُلهمة في إطار مشروع حول المساواة بين الفتيات والفتيان.
وكانت من بين الأسماء المطروحة جيزيل حليمي وأولمب دو غوج وإيمان خليف. وفي النهاية، اختار التلاميذ اسم الملاكمة الجزائرية، التي أصبحت واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا في وسائل الإعلام خلال أولمبياد باريس 2024 بعد إحرازها الميدالية الذهبية في الملاكمة.
كان من الممكن مناقشة هذا الاختيار. وكان بالإمكان أن يكون موضوعًا لحوار تربوي. بل وكان من الممكن أيضًا وضعه في سياق الجدل الرياضي المعقد الذي أحاط بمسيرة خليف. غير أن الأمر كان، قبل كل شيء، تصويتًا أجراه تلاميذ داخل مؤسسة تعليمية حول النجاح النسائي والإصرار ومكانة المرأة في الرياضة.
لكن هذا الاختيار أُطيح به.
اتسع نطاق الجدل بعد تدخل النائبة عن حزب التجمع الوطني في إقليم الرون، تيفاني جونكور، التي نددت بالمشروع علنًا.
وفي أعقاب هذه الحملة، انتقد مسؤولون سياسيون آخرون اختيار إيمان خليف، مستندين إلى جنسيتها الجزائرية، وإلى الجدل الرياضي الذي رافق مسيرتها، أو إلى فكرة مفادها أن شخصية أجنبية لا ينبغي أن يُطلق اسمها على قاعة داخل ثانوية فرنسية.
وهنا أخذت القضية منحى مختلفًا.
فلم يعد النقاش يقتصر على اختيار بطلة أولمبية، بل انزلق إلى سؤال يتعلق بالهوية: هل يمكن تكريم رياضية جزائرية تنتمي إلى العالم العربي داخل مؤسسة تعليمية فرنسية؟ ومن يحدد في فرنسا الشخصيات التي يمكن للمدرسة أن تقدمها للتلاميذ باعتبارها نماذج يُحتذى بها؟
في هذا السياق، لم تعد إيمان خليف مجرد ملاكمة، بل تحولت إلى رمز. وهذا الرمز تحديدًا هو ما يثير انزعاج جزء من المشهد السياسي الفرنسي.
أمام هذا الجدل، لم تعتمد الأغلبية الإقليمية التابعة لحزب الجمهوريون، برئاسة فابريس بانيكوك، والتي لا تزال متأثرة بالإرث السياسي لـلوران فوكييه، نصًا يستهدف إيمان خليف بشكل مباشر. وبدلًا من ذلك، صوّتت على لائحة عامة تهدف إلى إحكام تنظيم آليات تسمية المرافق الإقليمية.
ومن الناحية الشكلية، قُدِّم القرار على أنه إجراء إداري منطقي يهدف إلى تجنب الجدل، وتوضيح القواعد، واستعادة السيطرة على الأسماء التي تُمنح للممتلكات الإقليمية.
أما من حيث الجوهر، فالنتيجة لا تحتمل التأويل: الاسم الذي اختاره التلاميذ لن يُعتمد.
ويُعد هذا الأسلوب بارعًا من الناحية السياسية، إذ يسمح بتجنب تصويت مباشر ضد إيمان خليف، مع تحقيق النتيجة نفسها. فاللائحة لا تذكرها بالاسم، لكنها تؤدي عمليًا إلى استبعادها.
تقول السلطات الإقليمية إن الهدف من القرار هو حماية الأسرة التربوية ومنع استمرار الجدل. غير أن هذا التبرير يترك سؤالًا جوهريًا دون إجابة: من الذي صنع هذا الجدل في الأصل؟
فالتلاميذ والمدرسون لم يسعوا إلى الاستفزاز، بل أنجزوا مشروعًا تربويًا، وطرحوا عدة شخصيات نسائية، ثم أجروا تصويتًا. أما الذي حوّل هذا المشروع التعليمي إلى قضية وطنية، فهو ردود الفعل السياسية والهجمات العلنية والضجيج الإعلامي.
وبالاستجابة لهذا الضغط، لم يقتصر الإقليم على استبعاد اسم واحد، بل وجّه إلى التلاميذ رسالة مقلقة مفادها أن خيارًا ديمقراطيًا جرى اتخاذه داخل إطار تربوي يمكن إلغاؤه إذا أصبح الجدل السياسي صاخبًا بما يكفي.
إن الدرس المستخلص من ذلك بالغ السلبية، إذ يوحي للشباب بأن النقاش لا يُحسم دائمًا بقوة الحجة، بل أحيانًا…
هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية