آخر الأخبار

عندما تريد الدنمارك إسكات الأذان: صوت التعصّب

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

هناك عبارات تكشف الكثير عن قائلها أكثر مما تكشفه عن الواقع الذي تزعم وصفه.

فعندما صرّح وزير الهجرة الدنماركي، مورتن بودسكوف، بأن «الأذان لا مكان له في الدنمارك»، وأن المرء قد يظن، أثناء تجوّله في البلاد، أنه «حطّ في إحدى ضواحي إسلام آباد»، فإنه لم يكتفِ بالإعلان عن مبادرة تشريعية، بل وضع دينًا بأكمله، ومعه مئات الآلاف من المواطنين، في موضع الجسم الغريب داخل وطنهم.

فما الذي نتحدث عنه في الواقع؟

يضمّ الدنمارك نحو 270 ألف مسلم، أي ما يقارب 5% من إجمالي عدد السكان البالغ ستة ملايين نسمة، إضافة إلى نحو مئة مسجد.

هؤلاء النساء والرجال ليسوا سياحًا ولا غزاة، بل هم دنماركيون، يدفعون الضرائب، ويعيشون جيرانًا وزملاء في العمل. وتصويرهم باعتبارهم أدوات لـ«أسلمة» يُقال إنها «تشغل حيّزًا مفرطًا من الفضاء العام» — وهي العبارة التي استخدمها الوزير نفسه — لا يندرج ضمن خطاب يسعى إلى التهدئة، بل ضمن خطاب يهدف إلى إثارة المخاوف.

مساس بمبدأ… لا بمستوى الضجيج

ولعل أكثر ما يثير القلق في هذه الحملة أنها تستهدف مشكلة تكاد تكون غير موجودة.

فعدد المساجد التي تبث الأذان علنًا في الدنمارك محدود للغاية، ما دفع منتقدين إلى التساؤل عمّا إذا كان الحظر المقترح يستجيب لمشكلة حقيقية أم أنه مجرد إجراء ذي طابع رمزي إلى حد كبير.

بل إن المسألة، حيثما طُرحت، جرى تنظيمها بالفعل. ففي كوبنهاغن، تعمل المسجد الكبير بموجب اتفاق مع السلطات المحلية يمنع بث الأذان عبر مكبرات الصوت في الهواء الطلق، كما أن العديد من البلديات تنظّم هذه المسألة أصلًا من خلال لوائح خاصة بالضوضاء.

وبذلك يجري سنّ تشريع وطني لمنع صوت لا يكاد يسمعه أحد. إنها ليست سياسة لمكافحة الضوضاء، بل سياسة قائمة على الرمزية.

الدنمارك دولة قانون، وهذا القانون نفسه هو المطروح اليوم أمام اختبار حقيقي. فقد أشار عدد من القانونيين إلى أن فرض قيود وطنية من هذا النوع قد يتعارض مع الدستور الدنماركي الذي يكفل حرية الدين وحق ممارسة الشعائر علنًا. كما أن حظر ممارسة دينية إسلامية بعينها، في وقت ظلّت فيه مظاهر دينية أخرى تشكّل جزءًا من المشهد الصوتي الأوروبي على مدى قرون، يطرح سؤالًا مبدئيًا لا يمكن لأي حديث عن «النظام العام» أن يحجبه، وهو: هل تُعامل جميع المعتقدات على قدم المساواة؟

فالديمقراطية لا تُقاس بطريقة تعاملها مع الأغلبية، بل بالحيّز الذي تتيحه للأقليات.

السياق الحقيقي: كبش فداء سهل

لفهم هذا الموقف، لا بد من النظر إلى المشهد السياسي في الدنمارك.

فقد جاء هذا المقترح في وقت تبدأ فيه رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن ولاية ثالثة، بعدما سجّل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي تقوده أسوأ نتيجة انتخابية له منذ أكثر من قرن، تحت ضغط غضب الناخبين بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط على دولة الرفاه، وقضايا الهجرة، في حين نجح حزب الشعب الدنماركي اليميني في مضاعفة نتائجه الانتخابية تقريبًا ثلاث مرات، بعدما جعل من الدعوة إلى وقف صافي الهجرة الإسلامية محور حملته. والحسابات السياسية هنا واضحة: عندما يتصاعد السخط الاجتماعي، يُقدَّم هدفٌ هوياتي لتوجيه الأنظار إليه.

وهكذا يتحول الأذان إلى كبش فداء مريح لأزمة لا تمت إليه بصلة. وليست هذه المرة الأولى، إذ تمثل هذه المحاولة الثالثة من نوعها التي يقودها وزير من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بعد محاولتين مماثلتين في عامي 2020 و2025.

أما الجدل، فهو محتدم. فقد جاءت ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي سريعة وحادة الاستقطاب؛ إذ أيّد البعض الإجراء باسم الحداثة أو مكافحة الإزعاج، بينما اعتبره منتقدوه إجراءً تمييزيًا وانتهاكًا لحرية الدين، بل رأى بعضهم فيه مخالفة صريحة لحقوق الإنسان.

ويؤكد المعارضون أن المقترح يستهدف دينًا واحدًا بصورة غير متناسبة. وفي المقابل، يستحق الرأي الآخر أن يُستمع إليه أيضًا، إذ يرى مؤيدو المشروع أنهم يدافعون عن فضاء عام علماني وعن توحيد القواعد القانونية على المستوى الوطني. غير أن العلمانية الحقيقية تحمي جميع الأديان، ولا تقصي أيًّا منها.

فالعلمانية التي لا تُطبَّق إلا على الإسلام لم تعد حيادًا، بل أصبحت شكلًا مقنّعًا من أشكال التمييز.

قد يرى بعضهم أن الأذان يثير الإزعاج، وهذا نقاش مشروع يتعلق بكيفية التعايش، ويمكن تسويته عبر الحوار المحلي، كما يحدث بالفعل في بعض المناطق.

لكن أن يعلن وزير أنه «لا مكان» للأذان في بلاده، مستحضرًا صورة إسلام آباد، فذلك أمر مختلف تمامًا؛ إذ يعني عمليًا إبلاغ مئات الآلاف من المواطنين بأن جزءًا من هويتهم أصبح غير مرغوب فيه.

والدنمارك، التي تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها وريثة لقيم عصر الأنوار وحقوق الإنسان، ستكون أحوج ما تكون إلى تذكّر حقيقة أساسية: فما يهدد المجتمعات حقًا ليس صوت الصلاة، بل الصمت الذي يُفرض على الآخرين.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا