أحياناً، لا بدّ من النظر إلى الأرقام كما هي، مهما كانت قاسية.
خمسة أهداف استقبلتها الشباك أمام السويد، وأربعة أمام اليابان، وهدف وحيد مسجّل في مباراتين: فارق أهداف يبلغ ناقص ثمانية، صفر من النقاط، ومنتخب وطني يتجه مباشرة نحو إقصاء جديد من الدور الأول في مونديال 2026.
لكن ما يثير القلق، أبعد من النتائج، هو طريقة الأداء. ومعها، صورة كرة قدم تونسية تبدو، مرة أخرى، عاجزة عن تحويل الأمل إلى أداء مستدام.
مباراتان و السيناريو نفسه
ما يلفت الانتباه ليس الهزيمة في حد ذاتها. فقد يسقط منتخب كبير في كرة القدم أمام منافس أقوى. لكن ما يبعث على القلق هو المسار والتكرار.
أمام السويد كما أمام اليابان، تكرر المشهد ذاته: هدف مبكر، منذ الدقيقة الرابعة أمام اليابانيين، منظومة دفاعية تتفكك، وهجوم شبه غائب. لا شيء يُصحَّح من مباراة إلى أخرى. بل إن الأخطاء نفسها تُعاد.
و الحال أن شيئاً لا يتغير عندما نعيد بلا توقف الخيارات نفسها، على أمل الحصول على نتيجة مختلفة.
و لنقلها بوضوح : تونس لم تتجاوز أبداً الدور الأول في كأس العالم. في كل موعد، يتجدد الأمل، مدفوعاً بجماهير شغوفة وجالية متحمسة. وفي كل مرة، يرتفع جدار الدور الأول من جديد.
لذلك، فإن المشكلة ليست ظرفية فقط، بل هيكلية أيضاً.
مسألة صورة أيضاً
لنكن واقعيين : هذه النتائج المخيبة لا تقتصر آثارها على الميدان. فالرياضة واحدة من أكثر واجهات أي بلد بروزاً.
عندما يشاهد ملايين المتابعين، ومن بينهم جالية تونسية واسعة في الخارج، المنتخب الوطني ينهار بنتيجة 5-1 ثم 4-0، فإن صورة ما تتصدع أيضاً: صورة كرة قدم تونسية قادرة على صناعة الأمل، لكنها نادراً ما تنجح في تحويله إلى نتائج.
الفخر الوطني لا يُعلَن بقرار. بل يُبنى بالأداء، والتنظيم، والانسجام، والقدرة على التطور.
من كرة القدم إلى الرياضة التونسية بأكملها
و هنا، تتوقف كرة القدم عن كونها حالة معزولة، لتصبح عرضاً من أعراض أزمة أوسع.
لقد كانت تونس أرضاً رياضية محترمة: بطلة لإفريقيا في كرة القدم عام 2004، وقوة قارية في كرة اليد، وبلداً أنجب أبطالاً في ألعاب القوى والسباحة. هذا الماضي موجود. لكن العيش على الماضي لم يكن يوماً مشروعاً للمستقبل.
و قبل كل شيء، يجب قولها بوضوح: المشكلة لا تبدأ في المنتخب الوطني، بل تنتهي إليه. فالمنتخب ليس سوى قمة الهرم، وهذا الهرم هشّ من قاعدته.
أندية ضعيفة رياضياً ومالياً؛ بطولة غير مستقرة، مضطربة باستمرار، لا توفر لا الانتظام ولا التطور التدريجي؛ غياب واضح للاستمرارية في المشاريع كما في الأشخاص؛ بنية تحتية متقادمة أو غير كافية؛ وفي قلب الأزمة، تكوين شبان ظل مهملاً لفترة طويلة، تماماً مثل الإعداد البدني والذهني.
عندما تهتز الأسس، تنهار القمة. وهذا بالضبط ما نراه على أرض الملعب.
التكوين، الورشة الوطنية الحقيقية
لذلك، فإن الورشة الحقيقية ليست فقط لدى الأكابر، بل في المراحل السابقة. يجب إعادة الإمكانيات إلى أصناف الشبان، من الانتقاء إلى التكوين، ومن التأطير الفني إلى الإعداد الذهني.
لا يصنع بلد جيلاً قادراً على المنافسة خلال ثلاثة أسابيع من التربص قبل كأس العالم. بل يبنيه بصبر، على مدى عشر أو خمس عشرة سنة، في المدارس، والأندية، ومراكز التكوين، والبطولات.
وهذا يتطلب رؤية. مؤطرين مكوّنين. بنية تحتية متاحة. مسابقات منتظمة. سياسة لمتابعة المواهب. وفوق كل ذلك، استمرارية بعيدة عن ردود الفعل الانفعالية التي تعقب كل هزيمة.
في كثير من الأحيان، تتقدم الرياضة التونسية وفق المزاج والنتائج الآنية. نغيّر مدرباً، ونعقد اجتماع أزمة، ونعد بانتفاضة، ثم نعيد الأمر نفسه، بالطريقة نفسها، إلى حين خيبة الأمل التالية.
الخروج من الحلقة المفرغة
أسوأ ردّ سيكون البحث عن مسؤول وحيد ثم المرور إلى شيء آخر. تحميل لاعب أو مدرب أو مسؤول كل الحساب، يعني إعادة «الشيء نفسه»: منح أنفسنا وهم التحرك دون تغيير أي شيء في العمق.
ما تحتاجه الرياضة التونسية هو استراتيجية وطنية حقيقية وخطة عمل، بأهداف واضحة، معلنة للرأي العام، ومشتركة بين جميع المتدخلين، والأهم من ذلك، يتم تنفيذها ومتابعتها على المدى الزمني.
ليست وثيقة جديدة تُوضع في درج، بل خارطة طريق مرفقة بمؤشرات، وآجال، وآليات محاسبة.
إصلاح الهياكل بدل تغيير الوجوه، الاستثمار في التكوين بدل الشعارات، والتفكير على مدى عشر سنوات بدل مباراة واحدة: هذا هو الاتجاه المطلوب.
فالسمعة الرياضية لأي بلد لا تُستعاد بضربة حظ، بل بعمل صبور، ومنهجي، ومسؤول أمام الرأي العام.
تبقى مباراة واحدة، أمام هولندا. ربما من أجل حفظ ماء الوجه. لكن الكرامة، من الآن فصاعداً، ستُحسم بعيداً عن الأضواء: في مراكز التكوين، والجامعات، والأندية، والمدارس الرياضية، والمكاتب التي يُقرَّر فيها مستقبل الرياضة التونسية.
و ما لم ينطلق هذا العمل، ستظل ليالي كأس العالم شبيهة بتلك التي عشناها للتو.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية