حذّرت المختصة في طب العائلة وعضو الجمعية التونسية لطب العائلة، الدكتورة ربيعة الوسلاتي، من تنامي ظاهرة الإدمان في تونس، معتبرة أن الأرقام المسجلة خلال السنوات الأخيرة تدق ناقوس الخطر وتفرض اعتماد مقاربة وطنية شاملة تقوم على الوقاية والتوعية والعلاج والتأهيل.
وأكدت على هامش يوم علمي حول "الادمان: الفهم والوقاية والتكفل"، نظمته الجمعية التونسية للطب العام وطب الاسرة بالتعاون مع الجمعية التونسية للأطباء النفسانيين الممارسين بالقطاع الخاص، أن الحديث عن الإدمان لا يجب أن يقتصر على المخدرات فقط، بل يشمل مختلف أشكال الإدمان المنتشرة داخل المجتمع، من بينها إدمان التبغ والكحول والمواد المخدرة، إضافة إلى الإدمان السلوكي المرتبط بالألعاب والقمار وغيرها من السلوكيات التي يمكن أن تتحول إلى حالة مرضية تستوجب المتابعة والعلاج.
وأوضحت أن المؤشرات المتعلقة بالمراهقين تدعو إلى القلق، حيث أصبحت حالات الإدمان تُسجّل بشكل متزايد لدى الفئة العمرية المتراوحة بين 15 و17 سنة.
وأضافت أن نسب استهلاك مادة القنب الهندي "الكنابيس" شهدت ارتفاعاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقلت من حوالي 1.5 بالمائة سنة 2016 إلى نسب أعلى بكثير في بعض الفئات العمرية، وهو ما يؤكد أن الظاهرة تتجه نحو التوسع بدل الانحسار.
واعتبرت أن تونس أصبحت تسجل نسباً من الإدمان تقترب من المعدلات المسجلة في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما يجعلها بعيدة عن الصورة التقليدية المرتبطة بالمجتمعات العربية المجاورة، مؤكدة أن هذا التطور يتطلب التعامل مع الملف باعتباره أولوية صحية واجتماعية ووطنية.
وترى أن الحل الأكثر نجاعة يتمثل في بناء حصانة مجتمعية من خلال نشر ثقافة الوقاية والتوعية.
وأكدت أن التوعية يجب أن تبدأ منذ السنوات الأولى من الدراسة، عبر برامج مستمرة داخل المدارس الابتدائية والإعدادية والمعاهد والجامعات، مع إشراك الأولياء والعائلات في جهود الوقاية، حتى يتمكن الأطفال والشباب من إدراك مخاطر الإدمان قبل الوقوع فيه.
وفي الجانب العلاجي، شددت على ضرورة تغيير النظرة المجتمعية إلى المدمن، موضحة أن الإدمان مرض حقيقي مثل بقية الأمراض، بل هو مرض مزمن يحتاج إلى متابعة طويلة الأمد، وقد يرافق المريض لفترات طويلة من حياته، لذلك فإن الوصم الاجتماعي لا يساعد على العلاج، بل يدفع العديد من المرضى إلى العزلة وإخفاء معاناتهم.
وأكدت أهمية توفير التكوين اللازم للأطباء حتى يتمكنوا من اكتشاف الحالات مبكراً ومرافقتها وتوجيهها نحو المختصين في علاج الإدمان والصحة النفسية.
وأوضحت أن الاعتقاد السائد بأن جميع المدمنين يحتاجون إلى الإيواء داخل مراكز متخصصة غير دقيق، مشيرة إلى أن نحو 80 بالمائة من الحالات يمكن متابعتها وعلاجها خارج مراكز الإيواء من خلال برامج علاجية وإحاطة نفسية واجتماعية مناسبة، في حين تحتاج نسبة أقل إلى الإقامة داخل مؤسسات مختصة بسبب طبيعة الحالة أو شدة الإدمان.
كما دعت إلى توفير فرق متعددة الاختصاصات داخل هذه المراكز، تضم أطباء وأخصائيين نفسيين واجتماعيين ومؤطرين مختصين، حتى يشعر المرضى بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة المرض، ويتمكنوا من استعادة الثقة بأنفسهم والانخراط مجدداً في الحياة الاجتماعية والمهنية.
وتطرقت الوسلاتي إلى المعاناة الكبيرة التي تعيشها العائلات، وخاصة الأمهات اللواتي يجدن أنفسهن عاجزات أمام إدمان أبنائهن، مؤكدة أن هذه الأسر تحتاج بدورها إلى المرافقة النفسية والاجتماعية والتوجيه، لأن الإدمان لا يمس الفرد وحده بل يؤثر في محيطه العائلي بأكمله.
وختمت بالتأكيد على أن مكافحة الإدمان مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الدولة والمؤسسات الصحية والتربوية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والعائلات، من أجل حماية الشباب والحد من انتشار الظاهرة وبناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على مواجهة مختلف أشكال الإدمان.
نسرين علوش
المصدر:
جوهرة