أصبحت الحرب في أوكرانيا تضرب اليوم قلب منظومة الطاقة الروسية. فبحسب مصدرين مطّلعين نقلت عنهما وكالة رويترز، تراجع الإنتاج اليومي للبنزين في روسيا بشكل حاد هذا الأسبوع، عقب سلسلة من الهجمات التي شنّتها طائرات مسيّرة أوكرانية على عدد من المصافي الكبرى الواقعة في وسط البلاد.
ووفقاً للمصدرين، فقدت روسيا نحو 25% من إنتاجها من البنزين مقارنة بمتوسط الإنتاج اليومي المسجّل في جوان 2025. وبذلك انخفض الإنتاج إلى نحو 90 ألف طن يومياً، أي ما يعادل قرابة 765 ألف برميل يومياً.
ويُعدّ هذا التراجع من أدنى المستويات المسجلة منذ عدة أشهر. ويُعزى ذلك بشكل رئيسي إلى توقف منشأتين كبيرتين عن العمل، هما مصفاة موسكو ومصفاة TANECO الواقعة في جمهورية تتارستان. ويُصنَّف الموقعان ضمن أهم منشآت التكرير في البلاد، وقد أدى إغلاقهما الأسبوع الماضي وحده إلى خسارة تُقدَّر بنحو 15 ألف طن من البنزين يومياً.
وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، كثّفت أوكرانيا هجماتها بالمسيّرات على البنية التحتية للطاقة في روسيا. واستهدفت الضربات بشكل أساسي المصافي ومستودعات التخزين والمنشآت المرتبطة بمعالجة النفط. وقد تسببت هذه الحملة في تعطيل نشاط عدد من المصانع الحيوية، ما أدى إلى ضغوط على إمدادات الوقود وارتفاع أسعار البنزين للمستهلكين في بعض المناطق الروسية.
وتزداد خطورة هذا التراجع لأنه يأتي مع بداية موسم الصيف، الذي يشهد تقليدياً ارتفاعاً كبيراً في استهلاك الوقود. وبحسب المصادر التي تحدثت إلى رويترز، يبلغ الطلب المحلي الروسي على البنزين ما لا يقل عن 110 آلاف طن يومياً خلال ذروة الصيف. غير أن الإنتاج الحالي، المقدر بنحو 90 ألف طن يومياً، أصبح الآن أدنى بكثير من هذا المستوى.
وقد ترسّخ هذا الاتجاه تدريجياً خلال الأشهر الأخيرة. فالإنتاج الروسي من البنزين تراجع من نحو 120 ألف طن يومياً في مارس، قبل تصاعد الهجمات على المصافي، إلى 110 آلاف طن في أفريل، ثم إلى 100 ألف طن في ماي، قبل أن يهبط إلى 90 ألف طن في جوان. وبالمقارنة مع مستويات مارس، تتراوح نسبة الانخفاض حالياً بين 20% و25%.
ويثير هذا التطور مخاوف من حدوث نقص أوسع في السوق المحلية الروسية. فقد تم الإبلاغ بالفعل عن ضغوط في بعض المناطق، فيما اضطرت موسكو إلى اتخاذ إجراءات لضمان الإمدادات، من بينها الحد من صادرات البنزين ودراسة اللجوء إلى الواردات البحرية، في خطوة غير مألوفة بالنسبة إلى إحدى أكبر الدول المصدّرة للنفط ومشتقاته في العالم.
وبدأ ملف الطاقة ينعكس أيضاً على السياسة النقدية الروسية. فقد خفّض البنك المركزي الروسي يوم الجمعة سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 14.25%. وجاء هذا الخفض أقل من التوقعات التي رجّحت تقليصاً بمقدار 50 نقطة أساس. وبرّر البنك حذره بوجود عدة مخاطر، من بينها سياسة مالية أكثر توسعاً وتداعيات انخفاض إنتاج الوقود على الاقتصاد.
وفي بيانه، أقرّ البنك المركزي بارتفاع مخاطر التضخم نتيجة «انخفاض مؤقت في إنتاج وقود السيارات». ويُعدّ هذا التصريح مؤشراً مهماً، إذ يمثل أحد أوائل التأكيدات الرسمية رفيعة المستوى على التأثير الاقتصادي للضربات الأوكرانية على قطاع الطاقة الروسي.
كما عادت محافظة البنك المركزي الروسي، Elvira Nabiullina، إلى الظهور العلني بعد غياب دام ثلاثة أسابيع، وهو ما أثار تكهنات بشأن احتمال مغادرتها منصبها. وأوضحت خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب قرار السياسة النقدية أنها كانت مريضة بالإنفلونزا وفقدت صوتها لفترة من الوقت.
وعلى صعيد الأسعار، بدأت الضغوط تظهر بوضوح. فبحسب وكالة الإحصاء الروسية روستات، ارتفع متوسط سعر البنزين بنسبة 1% خلال الأسبوع المنتهي في 15 جوان. ومنذ بداية العام، زادت أسعار البنزين بنسبة 6.6%، متجاوزة معدل التضخم العام المقدّر بـ5.3%.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تتواصل فيه الهجمات المتبادلة بين موسكو وكييف. ووفقاً لوكالة فرانس برس، شنّت روسيا صباح الجمعة هجمات بالمسيّرات على عدة مدن أوكرانية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص على الأقل وإصابة آخرين. كما أكد المتحدث باسم الكرملين، Dmitry Peskov، أن الضربات الجوية الروسية ضد أوكرانيا «ستستمر».
وجاءت هذه الهجمات الروسية بعد يوم واحد من عملية جوية أوكرانية واسعة استهدفت منطقة موسكو. وقد أُبلغ عن أضرار كبيرة، من بينها اندلاع حريق في إحدى المصافي الكبرى بالعاصمة الروسية.
وبعيداً عن البعد العسكري المباشر، تكشف الضربات على المصافي الروسية عن نقطة ضعف استراتيجية مهمة؛ فروسيا لا تزال قوة نفطية كبرى، لكن اقتصادها الداخلي يعتمد على شبكة من المنشآت الصناعية التي باتت المسيّرات الأوكرانية قادرة على الوصول إليها في عمق الأراضي الروسية.
وإذا استمرت هذه الديناميكية، فقد تصبح الحرب أكثر تأثيراً بشكل مباشر على حياة المواطنين الروس، من خلال ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على شرعية القرارات التي يتخذها فلاديمير بوتين.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية