ستُحسم الثورة المقبلة في مجال الذكاء الاصطناعي داخل البنى التحتية للطاقة أكثر مما ستُحسم داخل مختبرات الحوسبة.
منذ الظهور اللافت للذكاء الاصطناعي التوليدي، يبدو أن العالم بأسره أصبح مفتونًا بالخوارزميات. غير أن وراء هذه الثورة التكنولوجية واقعًا أكثر جوهرية بكثير: فالذكاء الاصطناعي يتحول تدريجيًا إلى صناعة طاقة.
فكل استعلام، وكل محاكاة، وكل نموذج يستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه.
هيمنت البيانات والقدرة الحاسوبية على المرحلة الأولى من تطور الذكاء الاصطناعي، أما المرحلة الثانية فستهيمن عليها الطاقة.
فمراكز البيانات المستقبلية ستحتاج إلى قدرات كهربائية تعادل استهلاك مدن كاملة. وهكذا تصبح الطاقة العامل الرئيسي الذي يحد من نمو الذكاء الاصطناعي.
ستستعيد المناطق التي تمتلك موارد وفيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والموارد المائية ميزة استراتيجية كبرى. وستُبنى مراكز البيانات المستقبلية في الأماكن التي تتوفر فيها الطاقة بشكل مستدام وتنافسي وموثوق.
تجمع القمم الكبرى المخصصة للذكاء الاصطناعي المطورين والمستثمرين ومصنعي الرقائق الإلكترونية. ومع ذلك، غالبًا ما يغيب عنها منتجو الطاقة وخبراء الهيدروجين. إن جمع الفاعلين في مجال الذكاء الاصطناعي دون إشراك المتخصصين في الطاقة يشبه تنظيم قمة للطيران من دون منتجي الوقود.
يتيح الهيدروجين تخزين الطاقة المتجددة وإعادة توفيرها عندما تحتاج إليها البنى التحتية الرقمية. وهو يمثل الجسر الضروري بين الإنتاج المتقطع للطاقة والاستهلاك المستمر لها.
تولد مراكز البيانات كميات كبيرة من الحرارة، ويتطلب تبريدها موارد مائية وأنظمة حرارية متطورة. وبذلك تصبح المياه موردًا استراتيجيًا في الاقتصاد الرقمي.
بفضل أنظمة التوليد المشترك والتوليد الثلاثي للطاقة، يمكن للهيدروجين أن يساهم في الإنتاج المتزامن للكهرباء والحرارة المفيدة والتبريد الصناعي. وقد يصبح دوره محوريًا في البنية الطاقية لمراكز البيانات المستقبلية.
قد تدمج البنى التحتية المستقبلية الطاقة المتجددة والهيدروجين وتحلية المياه والتخزين والذكاء الاصطناعي ضمن منظومة صناعية واحدة متكاملة. وسيتولى الذكاء الاصطناعي إدارة الطاقة، بينما ستغذي الطاقة الذكاء الاصطناعي.
تمتلك هذه المناطق إمكانات استثنائية لاستضافة هذا الجيل الجديد من البنى التحتية، بفضل مواردها الشمسية الوفيرة، ومساحاتها الشاسعة المتاحة، وخبرتها المتراكمة في قطاع الطاقة.
وكما شكّل النفط أسس القوة العالمية خلال القرن العشرين، فإن الطاقة المتجددة والمياه والهيدروجين والذكاء الاصطناعي قد تعيد معًا رسم موازين القوى الاقتصادية الدولية خلال القرن الحادي والعشرين. ومن يسيطر على الطاقة والمياه والهيدروجين، سيملك كذلك مفاتيح السيطرة على الذكاء الاصطناعي.
بقلم عماد الدرويش
خبير في الطاقة والهيدروجين والتحول الرقمي.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية