تواصل الحرب في أوكرانيا امتدادها على أكثر من جبهة في وقت واحد. فقد شهدت الأيام الأخيرة تطورات بارزة، تمثلت في ضربة أوكرانية جديدة استهدفت منشأة طاقية استراتيجية داخل روسيا، واجتماع مهم لصيغة رامشتاين في بروكسل، إلى جانب أول تحرك بريطاني قرب سواحل المملكة المتحدة ضد ناقلة نفط مرتبطة بما يعرف بـ«الأسطول الشبح» الروسي.
وتؤكد هذه التطورات الثلاثة اتجاها واضحا في مسار الحرب: في ظل غياب اختراق دبلوماسي، يتواصل الصراع على المستويات العسكرية والصناعية والاقتصادية والبحرية. وتسعى كييف إلى إضعاف قدرة موسكو على تمويل وإمداد حربها، بينما يعمل حلفاؤها الغربيون على تعزيز قدراتها الدفاعية وتقليص عائدات النفط الروسي.
في 18 جوان، استهدفت طائرات مسيّرة هجومية تابعة لقوات الدفاع الأوكرانية مصفاة النفط في موسكو. ووفق المعطيات التي أعلنتها كييف، فإن هذه العملية تمثل ثاني هجوم ناجح خلال أسبوع واحد ضد هذه المنشأة، باستخدام طائرات مسيّرة مصنّعة محليا.
وتحمل هذه الضربة بعدا رمزيا واستراتيجيا مهما، باعتبار أن منطقة موسكو تعد من أكثر المناطق الروسية تحصينا ضد الهجمات الجوية. ومن خلال تبني هذه العملية، تسعى أوكرانيا إلى إظهار قدرتها على بلوغ منشآت حساسة حتى داخل المناطق التي تحظى بأعلى مستويات الحماية الروسية.
وتكتسي مصفاة موسكو أهمية استراتيجية، إذ تساهم في تزويد الجيش الروسي بالوقود، إلى جانب تأمين احتياجات العاصمة ومحيطها. وبالنسبة لكييف، فإن مثل هذه المنشآت تدخل ضمن البنية الداعمة للمجهود الحربي الروسي.
تندرج الضربات الأوكرانية ضد المصافي ومستودعات الوقود والمواقع الصناعية الروسية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص قدرة روسيا على تزويد جيشها بالموارد، وتعطيل سلاسل الإمداد العسكري، والحد من العائدات المستخدمة في تمويل الحرب.
وتقول كييف إن أضرارا إضافية لحقت بمصفاة موسكو نتيجة عمل أنظمة الدفاع الجوي الروسية نفسها. وكما هو الحال في أغلب الهجمات بعيدة المدى، تبقى صعوبة التثبت المستقل من حجم الأضرار قائمة، في ظل تضارب الروايات بين الطرفين.
وتؤكد أوكرانيا أن وقف هذه الضربات مرتبط بقرار سياسي من موسكو، معتبرة أن إنهاء الهجمات ممكن إذا أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.
وتسعى كييف من خلال هذا الخطاب إلى تحميل الكرملين مسؤولية أي نقص في الوقود أو اضطرابات قد تمس السكان المدنيين الروس، باعتبارها، وفق الرواية الأوكرانية، نتيجة مباشرة للحرب التي أطلقتها موسكو.
في اليوم نفسه، 18 جوان، انعقد في بروكسل الاجتماع الخامس والثلاثون لمجموعة الاتصال الخاصة بالدفاع عن أوكرانيا، المعروفة بصيغة رامشتاين.
وخلال أكثر من أربع سنوات، تحولت هذه الصيغة إلى المنصة الرئيسية لتنسيق المساعدات العسكرية الدولية الموجهة إلى أوكرانيا. وتضم المجموعة أكثر من 50 دولة، وتمكنت من تعبئة مساعدات عسكرية تجاوزت 150 مليار دولار لتعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية.
وتعتبر كييف أن صيغة رامشتاين تظل آلية أساسية في مواجهة الهجوم الروسي، إذ مكنت أوكرانيا من الحصول على أسلحة استراتيجية، ومنظومات دفاع جوي، وصواريخ، وطائرات مسيّرة، ومعدات عسكرية متطورة.
شهد اجتماع بروكسل الإعلان عن حزم دعم جديدة لأوكرانيا. فقد قررت ألمانيا تخصيص 200 مليون يورو لبرنامج PURL، و200 مليون يورو إضافية لبرنامج Jumpstart، إلى جانب نقل صواريخ جو-جو من مخزونها العسكري.
كما وافقت المملكة المتحدة على حزمة مساعدات بقيمة 752 مليون جنيه إسترليني، تشمل 150 ألف طائرة مسيّرة، و350 صاروخ دفاع جوي، ورادارات.
من جهتها، أعلنت هولندا عن حزمة تتضمن 700 صاروخ كروز، فيما تستعد بلجيكا لتقديم مساهمة جديدة ضمن آلية PURL.
وتقوم آلية PURL، أو «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية»، على تمويل تسليم أسلحة أمريكية عبر مساهمات طوعية من الشركاء. وقد تمكنت هذه الآلية من تعبئة نحو 6 مليارات دولار لشراء معدات أمريكية وتسليمها بشكل سريع إلى أوكرانيا.
رحبت كييف أيضا بالتقدم المحرز في إنشاء تحالف أوروبي مضاد للصواريخ الباليستية، معوّلة على قرارات قوية من الشركاء خلال قمة حلف شمال الأطلسي المنتظرة في جويلية بأنقرة.
وتبقى مسألة الدفاع الجوي من أبرز أولويات أوكرانيا، في ظل استمرار الضربات الروسية ضد المدن والمنشآت الطاقية والقواعد العسكرية والمواقع الصناعية.
وفي هذا السياق، يمثل توفير الصواريخ والرادارات والمنظومات القادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية رهانا استراتيجيا بالنسبة لكييف.
الجبهة الثالثة خلال الأيام الأخيرة كانت بحرية. ففي 14 جوان، أوقفت المملكة المتحدة، للمرة الأولى قرب سواحلها، ناقلة النفط SMYRTOS، التي تُصنف ضمن «الأسطول الشبح» الروسي.
وتخضع هذه الناقلة لعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا وأوكرانيا وسويسرا.
ورحبت أوكرانيا بالتحرك البريطاني، معتبرة أنه خطوة مهمة ضد الشبكة التي تستخدمها موسكو للالتفاف على العقوبات الدولية. كما أشادت كييف بدور فرنسا وتنسيقها مع لندن في التعامل مع السفينة الخاضعة للعقوبات.
يشير مصطلح «الأسطول الشبح» إلى مجموعة من ناقلات النفط التي تستخدمها روسيا لتصدير النفط والمنتجات البترولية، مع الالتفاف على العقوبات الغربية وسقف الأسعار المفروض على النفط الروسي.
وغالبا ما تكون هذه السفن مسجلة باسم مالكين أجانب وهميين أو عبر شركات واجهة يصعب تحديد هويتها الحقيقية. كما يغير بعضها أسماءه أو أعلامه أو جهات إدارته بشكل متكرر بهدف تعقيد عملية تتبعه.
وتقدر أوكرانيا عدد هذه الناقلات بأكثر من 1500 سفينة، في حين فُرضت عقوبات دولية على أكثر من 600 منها.
ولا يقتصر الرهان على الجانب الاقتصادي فقط، إذ تؤكد كييف أن العائدات التي تحققها هذه الناقلات تساعد موسكو على تمويل جزء من مجهودها الحربي. ولذلك، فإن استهداف هذه الشبكة يهدف إلى تقليص الموارد المتاحة للجيش الروسي.
يمثل «الأسطول الشبح» أيضا خطرا على سلامة الملاحة والبيئة البحرية. فكثير من هذه الناقلات قديمة، وبعضها يفتقر إلى الصيانة الكافية، كما أن وضعيات التأمين الخاصة بها غالبا ما تكون غامضة أو غير كافية.
وقد يؤدي أي حادث كبير بإحدى هذه السفن إلى كارثة بيئية، على غرار تسرب نفطي واسع، مع تحميل الدول الساحلية كلفة مالية وبيئية باهظة.
ولهذا السبب، تدعو أوكرانيا إلى تعزيز الإجراءات ضد هذا الأسطول ضمن إطار المنظمة البحرية الدولية، خاصة عبر مكافحة التسجيل الاحتيالي للسفن وتحسين آليات تحديد المالكين الحقيقيين لها.
تظهر تطورات الأيام الأخيرة أن الحرب في أوكرانيا لم تعد محصورة في خط الجبهة البري.
فهي تُخاض عسكريا عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ والمعارك في المناطق المحتلة، وصناعيا من خلال استهداف المصافي والبنى الطاقية الروسية، ودبلوماسيا وعسكريا عبر صيغة رامشتاين وحزم الدعم الغربية، وبحريا من خلال ملاحقة «الأسطول الشبح» الروسي.
ويؤكد هذا المسار أن النزاع دخل مرحلة استنزاف شاملة، أصبحت فيها القدرة على إنتاج السلاح، وحماية المنشآت الحيوية، وتمويل المجهود العسكري، والحفاظ على الدعم الدولي، عناصر لا تقل أهمية عن المكاسب الميدانية المباشرة.
بالنسبة إلى أوكرانيا، تمثل الضربات في العمق والدعم الغربي وسيلتين لفرض كلفة متزايدة على روسيا. أما موسكو، فتسعى إلى مواصلة الضغط العسكري والالتفاف على العقوبات الاقتصادية.
وفي ظل هذه المعادلة، لا تلوح في الأفق مؤشرات قريبة على خفض التصعيد، إذ تستمر الحرب كصراع طويل الأمد، سيكون فيه عامل الصمود الاستراتيجي للطرفين وحلفائهما حاسما في تحديد مسار المرحلة المقبلة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية