آخر الأخبار

راس العام في تونس: الملوخية والكسكسي بالقديد وتقاليد تختلف من جهة إلى أخرى

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لا تمثل رأس السنة الهجرية في تونس مجرد تاريخ في التقويم الديني، إذ تظل مناسبة «راس العام الهجري» مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمائدة العائلية، والمؤن المحفوظة من موسم إلى آخر، والعادات المتوارثة جيلًا بعد جيل.

ولم تعد جميع العائلات متمسكة بهذه العادات، كما تختلف الممارسات باختلاف الجهات والأوساط الاجتماعية والتقاليد المنزلية. لكن طبقين لا يزالان يحتلان مكانة بارزة في الذاكرة الجماعية: الكسكسي الذي يُعدّ لتوديع السنة المنقضية، والملوخية التي تُقدّم لاستقبال السنة الجديدة.

ولا تُختار هذه الأطباق لمذاقها فقط، بل لأنها تعبّر عن معنى الاستمرارية: إنهاء السنة بما تبقى من مؤونة العام السابق، ثم استقبال السنة الجديدة تحت شعار الخضرة والوفرة والبركة.

الكسكسي بالقديد لاختتام السنة

في ليلة الأول من محرم، تُعدّ عائلات كثيرة كسكسي بالقديد، وهو اللحم المملح والمجفف والمحفوظ منذ عيد الأضحى.

وقد يُضاف إلى الطبق الفول المجفف والحمص والبيض أو غيرها من المكونات المرتبطة تقليديًا بالوفرة والخصب واستمرار العائلة.

ويصنع استعمال القديد صلة بين مناسبتين دينيتين، إذ يعود اللحم الذي أُعدّ بعد العيد الكبير إلى المائدة بعد أسابيع قليلة، ليختتم السنة الهجرية.

وتُحضّر بعض العائلات الكسكسي بمرق أبيض، فيما تفضله عائلات أخرى بمرق أحمر. وتختلف الوصفات بحسب الجهات والعادات والمنتجات المتوفرة.

أما المعنى الرمزي فيبقى واحدًا: استهلاك جزء من مؤونة السنة الماضية قبل الدخول في سنة جديدة.

الملوخية حتى تكون السنة «خضراء»

في يوم رأس السنة، تحتل الملوخية مكانة أساسية على موائد كثير من العائلات التونسية.

ويرتبط لونها الأخضر بالأمل في سنة خصبة ومزدهرة وهادئة. وفي التعبير الشعبي، يتمنى الناس أن تكون السنة «خضراء»، أي نابضة بالحياة وحافلة بالنجاح والمحاصيل الجيدة.

وغالبًا ما يبدأ إعداد الملوخية منذ الليلة السابقة، لتواصل طهيها لساعات طويلة على نار هادئة.

وفي بعض العائلات، يُتجنب استعمال الثوم أيضًا، انطلاقًا من اعتقاد منزلي يربطه بالدموع. وهذه الممارسة ليست عامة، بل تندرج ضمن الرمزية الشعبية ولا تستند إلى حكم ديني.

وهكذا، تظل الملوخية أقل ارتباطًا بكونها طبقًا مفروضًا، وأكثر تعبيرًا عن لغة عائلية خاصة، إذ يعلن لونها وطهيها البطيء ورائحتها الانتقال إلى سنة جديدة.

في تونس العاصمة: بين الاستمرارية والتحول

لدى كثير من العائلات التونسية في العاصمة، يظل الكسكسي بالفول والقديد من أكثر الأطباق ارتباطًا برأس العام.

وقد يُنقع الفول منذ الليلة السابقة قبل إضافته إلى الكسكسي، فيما تُكمل ملوخية اليوم الأول هذا العبور الغذائي من سنة إلى أخرى.

غير أن هذه العادة لم تعد منتظمة في تونس الكبرى كما كانت في السابق. فبعض العائلات لا تزال تعدّ الوجبتين، بينما تكتفي أخرى بغداء عائلي أو رسالة تهنئة أو زيارة للأقارب.

وقد ساهم تغير نسق الحياة، وتراجع حجم العائلات، والوقت الطويل الذي يتطلبه إعداد بعض الأطباق، في تعديل هذه العادات تدريجيًا.

لم تختف التقاليد، لكنها أصبحت أكثر مرونة.

في الوطن القبلي: حين تتحول المائدة إلى زينة

في نابل وقربة وعدد من مناطق الوطن القبلي، يمكن أن تتخذ احتفالات رأس العام طابعًا أكثر زخرفة.

وتتحدث تقاليد عائلية عن كسكسي بالقديد يُقدّم مع العصبان المجفف والبيض المسلوق والفواكه الجافة والحلويات.

كما تحتل عرائس السكر ومجسماته مكانة خاصة في ذاكرة رأس السنة الهجرية، إذ يمكن تقديمها للأطفال في بداية شهر محرم، ووضعها في طبق كبير مزيّن بالفواكه الجافة والحلويات.

وتحصل الفتيات تقليديًا على عرائس من السكر، بينما يختار الفتيان أشكالًا حيوانية، مثل الديك والأسد والحصان والأرنب وغيرها من المجسمات الملونة.

وبحسب العائلات، ترتبط هذه التحف السكرية بالأول من محرم أو تُحفظ إلى يوم عاشوراء، بعد عشرة أيام.

وتحوّل هذه المجسمات الوجبة إلى ذكرى طفولة، كما تُظهر أن انتقال التقاليد لا يتم عبر الروايات الدينية فقط، بل أيضًا من خلال الأشكال والألوان والمذاقات.

في صفاقس والساحل والجنوب: عادات عائلية متنوعة

في صفاقس والساحل وبعض مناطق الجنوب، تتحدث العائلات عن عادات أخرى مرتبطة بالأول من محرم.

وتجمع بعض العائلات بين الملوخية والعصيدة أو طبق حلو، تعبيرًا عن أمنية بسنة طيبة ومزدهرة.

وفي الساحل، تمنح الروايات العائلية أحيانًا مكانة خاصة للسميد والحبوب والمؤن المحفوظة من محصول السنة الماضية. وتعبر الوجبة حينها عن فكرة بسيطة: السنة الجديدة تتغذى أيضًا مما أنتجته السنة القديمة.

وفي الجنوب، ولا سيما في توزر وبعض الواحات، قد تتجاوز العادات المائدة. فقد تتزين النساء بالحناء، بينما تُعطر المنازل بالبخور أو العنبر.

وليست هذه الممارسات موحدة، كما لا تلتزم بها جميع العائلات. فهي تقاليد محلية انتقلت شفويًا، وقد تستمر داخل حي أو سلالة عائلية، فيما تبقى مجهولة على بعد بضعة كيلومترات فقط.

وهذا التنوع تحديدًا هو ما يميز رأس العام في تونس، إذ لا يوجد طقس وطني واحد، بل فسيفساء من العادات المنزلية.

في جربة: الاحتفال يمر أيضًا عبر المشاركة

في جربة، ولا سيما في حومة السوق، تمنح بعض العادات القديمة رأس السنة الهجرية بعدًا جماعيًا أكبر.

وتفيد روايات محلية بأن الأطفال كانوا ينتقلون في الماضي من منزل إلى آخر وهم يغنون، ويحصلون في المقابل على الفواكه الجافة أو البقول أو كميات صغيرة من المؤونة.

وفي بعض العائلات، كان الآباء يرسلون إلى بناتهم المتزوجات طبقًا كبيرًا من الكسكسي أو المعكرونة، مرفقًا بالقديد والبيض والحمص والفول.

وبذلك، لم تكن الوجبة تبقى داخل المنزل، بل كانت تنتقل بين الأجيال وتحافظ على الروابط بين العائلات.

وتوضح هذه العادة بُعدًا آخر لرأس العام: الانتقال إلى سنة جديدة لا يتعلق فقط بما نطبخه، بل أيضًا بما نتقاسمه.

تقاليد تتراجع أو تنتقل أو تُعاد صياغتها

لم تعد تونس الحضرية في سنة 2026 تحتفل برأس العام بالطريقة نفسها التي كانت تتبعها الأجيال السابقة.

فقد أصبحت العائلات أصغر حجمًا، وتغيرت ساعات العمل، كما تتطلب بعض الوصفات ساعات طويلة من التحضير. وتراجع حضور القديد في بعض المنازل، وانقطعت أحيانًا سلسلة نقل بعض المهارات والعادات الغذائية.

لكن التقاليد لا تختفي بالضرورة، بل تغير وسيلة انتقالها.

فقد أصبحت وصفات الملوخية والكسكسي بالقديد والعصيدة تنتشر عبر «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك» و«يوتيوب». ويعيد طهاة شباب إعدادها في مقاطع مصورة، ويشرحون مراحل التحضير، ويسألون آباءهم أو جداتهم لاستعادة حركة أو وصفة منسية.

وقد أصبح الانتقال الذي كان يتم سابقًا حول الكانون أو في المطبخ العائلي، يمر اليوم عبر الهاتف المحمول.

وهكذا، تحولت رأس العام إلى تراث قديم ورقمي في آن واحد.

بعيدًا عن تونس: رأس العام في المهجر

بالنسبة إلى التونسيين المقيمين في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وكندا، غالبًا ما تحل رأس السنة الهجرية في يوم عمل ودراسة عادي.

ولا توجد عطلة تلقائية بهذه المناسبة، لذلك تحتفل العائلات غالبًا مساءً، أو خلال أقرب عطلة أسبوعية، أو عبر مكالمة بسيطة مع الأقارب المقيمين في تونس.

وتصبح المائدة حينها رابطًا قويًا بشكل خاص.

فإعداد الملوخية أو الكسكسي بالقديد في شقة بباريس أو مونتريال أو ميلانو أو بروكسل يسمح باستعادة رائحة وطقس وجزء من أجواء المنزل العائلي.

وعندما يصعب العثور على القديد أو بعض المكونات، تتكيف التقاليد. فقد تكفي ملوخية تُعد بعد العمل، أو وجبة مشتركة يوم الأحد، أو مكالمة بالفيديو مع الأجداد، أو وصفة تُنقل عن بعد، للحفاظ على الرابط.

أما بالنسبة إلى الأطفال المولودين في الخارج، فتمثل المناسبة أيضًا فرصة للتعلم: لماذا يستعمل أجدادهم تقويمًا مختلفًا؟ وما معنى كلمة الهجرة؟ ولماذا لا تبدأ السنة الإسلامية في التاريخ الميلادي نفسه كل عام؟

ولا يقتصر الأمر على الجانب الديني، بل يتعلق أيضًا بنقل ذاكرة ومفردات وشعور بالانتماء.

تراث لا يجب تجميده

تذكّر رأس العام الهجري بأن التقاليد ليست موحدة تمامًا.

فقد تتغير الوصفة من عائلة إلى أخرى. وقد يغيب طبق يُعد أساسيًا في تونس العاصمة عن موائد جربة أو صفاقس. كما يمكن أن ترتبط عادة من الوطن القبلي بالأول من محرم في منزل، وبعاشوراء في منزل آخر.

ولا يضعف هذا التنوع التقاليد، بل يجعلها حية.

لذلك، ينبغي تجنب تحويل العادات العائلية إلى قواعد دينية أو التزامات وطنية. فالملوخية والكسكسي بالقديد ومجسمات السكر والحناء والعصيدة تنتمي إلى التراث الشعبي التونسي، ولا تمثل فرائض مفروضة على الجميع.

إنها طرق لمنح مرور الزمن شكلًا ولونًا ومذاقًا.

وقت لمراجعة الذات

يمكن أيضًا النظر إلى رأس السنة الهجرية بوصفها لحظة للتوقف والتأمل.

فالهجرة تذكّر بأن التحول الحاسم قد يبدأ أحيانًا برحيل أو تخلٍّ أو نية جديدة.

وفي التراث الروحي الإسلامي، تمنح «النية» العمل اتجاهه، بينما تدعو «المحاسبة» الإنسان إلى النظر في ما أنجزه، وما أهمله، وما يرغب في إصلاحه.

ولا يتعلق الأمر بنسخ قرارات رأس السنة الميلادية أو فرض طقس غير موجود.

لكن الانتقال إلى سنة 1448 يمكن أن يمنح كل شخص، سواء كان ملتزمًا دينيًا أو مجرد مرتبط بهذه الذاكرة، مساحة للتفكير: ما الذي ينبغي الاحتفاظ به من السنة الماضية؟ وما الذي يجب التحلي بالشجاعة للتخلي عنه؟

ولعل هذا هو المعنى الأكثر راهنية للهجرة: ألا نغير المكان فقط، بل أن نختار اتجاهًا جديدًا.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا