يكشف هذا التطور الكثير عن موازين القوة الفعلية بين الولايات المتحدة وحليفتها الرئيسية في الشرق الأوسط. ففي يوم الأحد 7 جوان 2026، استهدفت إسرائيل مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أيام قليلة من الإعلان في واشنطن عن آلية مشروطة جديدة لخفض التصعيد بين إسرائيل ولبنان.
و جاء الهجوم رغم أن الإدارة الأمريكية كانت قد طلبت صراحة من حكومة بنيامين نتنياهو عدم استهداف العاصمة اللبنانية، تفاديا لتجدد التصعيد الإقليمي.
و وفق الحصيلة الأولية المتوفرة، أسفرت الغارة عن مقتل شخصين على الأقل وإصابة عدد من الأشخاص. وقد اختلفت الأرقام خلال الساعات التالية، إذ تحدثت بعض المصادر عن إصابة 11 شخصا، بينما أشارت مصادر أخرى إلى نحو 20 مصابا.
و إلى جانب حصيلتها البشرية، تطرح هذه الضربة سؤالا سياسيا محوريا: إلى أي مدى تستطيع واشنطن التأثير فعليا في القرارات العسكرية الإسرائيلية؟
أكد جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه نفذ ضربة دقيقة استهدفت منشآت تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت.
و بحسب الرواية الإسرائيلية، جاءت العملية ردا على إطلاق الحركة اللبنانية أهدافا جوية باتجاه الأراضي الإسرائيلية. وتؤكد إسرائيل أنها ستواصل التحرك ضد أي تهديد يستهدف سكانها أو جنودها، وفقا لتوجيهات القيادة السياسية.
أما من الجانب اللبناني، فالرواية مختلفة تماما.
و تعتبر السلطات اللبنانية أن الغارة تمثل انتهاكا جديدا لجهود خفض التصعيد وللالتزامات التي تم التوصل إليها بوساطة أمريكية.
و كان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد دعا، عقب هجمات سابقة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، الولايات المتحدة وفرنسا، بصفتهما ضامنتين لترتيبات وقف الأعمال العدائية، إلى ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل من أجل وقف القصف.
فقبل أيام قليلة من هجوم 7 جوان، طلب دونالد ترامب من بنيامين نتنياهو عدم استهداف بيروت، خشية أن تؤدي عملية جديدة ضد العاصمة اللبنانية إلى اندلاع تصعيد أوسع.
و كانت إسرائيل قد وافقت حينها على تعليق هجوم كان مرتقبا على بيروت، مع مواصلة عملياتها العسكرية في جنوب لبنان.
إلا أن غارة 7 جوان أظهرت أن الالتزام بضبط النفس لم يكن دائما ولا مطلقا.
و تعتبر إسرائيل أنها تحتفظ بحق التحرك متى أكدت رصد تهديد أو انتهاك تنسبه إلى حزب الله. أما واشنطن، فتسعى إلى منع تحول كل حادث إلى حرب إقليمية جديدة.
و بذلك، لا يتمحور الخلاف حول مبدأ أمن إسرائيل بقدر ما يتعلق بتحديد الحدود العسكرية التي يمكن اعتبارها مقبولة.
جاء الهجوم بعد أيام قليلة من الإعلان عن اتفاق مشروط جديد لخفض التصعيد، جرى التفاوض بشأنه بوساطة أمريكية.
و لم تكن هذه الآلية بمثابة وقف كامل لإطلاق النار يحظى بموافقة جميع الأطراف ويلتزمون بتطبيقه.
فقد قبلت الحكومة اللبنانية وإسرائيل بعض الالتزامات، في حين عبّر حزب الله عن رفضه عددا من البنود، بينما واصل الجيش الإسرائيلي استهداف مواقع في جنوب لبنان.
و كانت هشاشة الاتفاق واضحة منذ الإعلان عنه.
فالغارة على بيروت لم تُنهِ هدنة كانت مطبقة بصورة كاملة، بل كشفت حدود ترتيب يستند إلى تفسيرات متعارضة لما يمكن اعتباره انتهاكا.
لم يكن ما حدث في 7 جوان حادثا معزولا.
فقد أُعلن عن وقف أول لإطلاق النار يوم 16 أفريل، ودخل حيز التنفيذ ليلة 16 إلى 17 أفريل 2026، عقب موجة من الغارات الإسرائيلية التي أودت بحياة أكثر من 250 شخصا في مختلف أنحاء لبنان.
و رغم هذا الاتفاق، عادت إسرائيل إلى استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت عدة مرات، بالتوازي مع مواصلة عملياتها اليومية في جنوب البلاد.
كما تحتل القوات الإسرائيلية شريطا يمتد على عدة مئات من الكيلومترات المربعة في جنوب لبنان، ويضم عشرات البلدات التي أُجلي سكانها.
و تقدر مساحة هذه المنطقة بنحو 600 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 6% من الأراضي اللبنانية.
و يغذي استمرار هذا الوجود العسكري التوترات مع بيروت، التي تطالب بانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية.
تواصل الولايات المتحدة أداء دور محوري في المفاوضات بين إسرائيل ولبنان.
و تمتلك واشنطن قنوات اتصال مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية والسلطات اللبنانية وعدد من الأطراف الإقليمية. كما تستطيع إبطاء بعض العمليات، أو انتزاع فترات تهدئة، أو المساهمة في إعادة إرساء هدنة بعد موجات التصعيد.
لكنها لا تبدو قادرة دائما على منع إسرائيل من التحرك عندما تعتبر أن مصالحها العسكرية معرضة للخطر.
و تجسد غارة بيروت هذه الحدود.
فقد طلبت واشنطن من إسرائيل عدم استهداف العاصمة، إلا أن الحكومة الإسرائيلية اعتبرت في النهاية أن سياسة ضبط النفس لم تعد قابلة للتطبيق بعد التحركات المنسوبة إلى حزب الله.
و بذلك، ما تزال الوساطة الأمريكية تمتلك قدرة على التأثير، لكنها لا تتمتع بحق نقض دائم على القرارات الإسرائيلية.
أثارت الغارة على الضاحية الجنوبية لبيروت مخاوف فورية من اتساع جديد لنطاق الصراع.
و كانت إيران قد حذرت من أن استهداف بيروت قد يعيد إشعال حرب واسعة النطاق في الشرق الأوسط.
و عقب العملية الإسرائيلية، أعلن الجيش الإسرائيلي أن إيران أطلقت عدة دفعات من الصواريخ باتجاه أراضيه.
و كانت هذه التطورات تنذر بإفشال المفاوضات الجارية بشأن وقف إطلاق النار، وإعادة إشعال عدة جبهات في الوقت نفسه، تشمل لبنان وإسرائيل وإيران والقواعد الأمريكية في المنطقة.
و ساهمت وساطة أمريكية لاحقا في وقف تبادل الهجمات بين إسرائيل وإيران، بينما واصلت واشنطن جهودها لفرض مسار جديد لخفض التصعيد في لبنان.
تقترب حكومة بنيامين نتنياهو من استحقاق انتخابي جديد.
و في هذا السياق، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى إقناع ناخبيه بأنه لن يسمح لحزب الله أو إيران بإعادة بناء قدراتهما العسكرية.
و يحد هذا الاعتبار الداخلي من هامش تحرك الوسطاء الأجانب.
فبالنسبة إلى نتنياهو، قد يستغل خصومه الاستجابة لفترة طويلة لدعوة واشنطن إلى ضبط النفس، لتصويرها على أنها علامة ضعف.
أما بالنسبة إلى دونالد ترامب، فإن اندلاع حرب جديدة في لبنان من شأنه تهديد المفاوضات مع إيران وأسواق النفط والتوازن الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى استعادته.
و بذلك، يتقاسم الحليفان بعض الأهداف الاستراتيجية، لكنهما لا يتبعان دائما الجدول الزمني نفسه، ولا يتبنيان المستوى ذاته من القبول بالمخاطر.
لا يسمح هذا التطور بالجزم بأن إسرائيل نكثت رسميا التزاما قدمته إلى دونالد ترامب.
فالدولة العبرية لا تعترف بخرق الاتفاقات، بل تؤكد، على العكس، أنها تطبقها من خلال الرد على انتهاكات تنسبها إلى حزب الله.
و يكتسي هذا التمييز أهمية خاصة.
فوفق المنطق الإسرائيلي، لا يمنع خفض التصعيد تنفيذ عمليات تقدم باعتبارها دفاعية.
أما بالنسبة إلى لبنان، فإن كل ضربة تستهدف بيروت تمثل اعتداء على سيادته وانتهاكا لروح الترتيبات المتفاوض بشأنها، إن لم يكن لنصها.
و لا يتعلق الخلاف، بالتالي، بالوقائع فحسب، بل يمتد إلى المعنى نفسه لوقف إطلاق النار.
لكن ما هو ثابت أن إسرائيل استهدفت عاصمة دولة مجاورة بعد طلب أمريكي صريح بالامتناع عن ذلك.
و من ثم، يتجاوز هذا التطور الإطار اللبناني وحده.
فهو يُظهر أن واشنطن ما تزال قادرة على احتواء أزمة بعد اندلاعها، والتفاوض بشأن تهدئة، ومنع اتساع المواجهة مؤقتا. إلا أن نفوذها لا يكفي دائما لمنع إسرائيل من تنفيذ تحرك عسكري.
و لا تزال الوساطة الأمريكية تنجح في إخماد بعض الحرائق بعد اندلاعها، لكنها تواجه صعوبة أكبر في الحيلولة دون اشتعالها من الأساس.
و مع اقتراب الانتخابات في إسرائيل وبقاء عدة جبهات إقليمية مفتوحة، تبدو حكومة نتنياهو مصممة على رسم خطوطها الحمراء بنفسها، حتى وإن أدى ذلك إلى وضع حليفتها الأمريكية أمام أمر واقع.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية