آخر الأخبار

قمة مجموعة السبع في إيفيان : فرنسا تريد التأثير في العالم لكنها تتراجع على أرضها

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

ثمة مواقف دبلوماسية تقول أكثر مما تقوله الخطب. ففي نوفمبر 2025، وعلى هامش قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ، التي قاطعتها الولايات المتحدة، انفرد إيمانويل ماكرون بسيريل رامافوزا ليوجه إليه شخصيا دعوة لحضور قمة مجموعة السبع التي كانت فرنسا تستعد لاستضافتها في جوان 2026.

و بعد بضعة أشهر، كُشف عن قائمة المدعوين إلى قمة إيفيان، وضمت كوريا الجنوبية والهند والبرازيل وكينيا، فيما غابت عنها جنوب إفريقيا.

و بين الموقفين، تراجعت كلمة رئاسية. وهنا، أكثر بكثير مما ورد في التفسيرات الرسمية، تكمن المسألة الحقيقية.

روايتان وتراجع موثق

من الجانب الجنوب إفريقي، جاء التفسير واضحا ومباشرا. فقد أكد مسؤول في الرئاسة أن بلاده تلقت دعوة في البداية، قبل أن تُسحب الدعوة التي وجهها ماكرون شخصيا إلى رامافوزا.

و تحدث المسؤول عن «ضغوط متواصلة» مارستها الولايات المتحدة، وعن تهديد من دونالد ترامب بمقاطعة القمة في حال مشاركة الرئيس الجنوب إفريقي فيها.

أما الجانب الفرنسي، فينفي بشدة أن يكون قد خضع لأي ضغط. وتوضح باريس أنها اختارت دعوة كينيا في إطار مسعى يهدف إلى «تصحيح الاختلالات» الاقتصادية العالمية، وتقدم القائمة النهائية باعتبارها ثمرة قرار منسق مع شركائها في مجموعة السبع.

كما قلل رامافوزا نفسه من أهمية القضية، مذكرا بأن جنوب إفريقيا ليست عضوا في مجموعة السبع، ومؤكدا أنه، وفق المعلومات المتوفرة لديه، لم يتعرض لأي «ضغط من أي دولة».

و بالتالي، لا يزال الضغط الأمريكي بحاجة إلى إثبات رسمي، ولا يمكن تأكيده بالاستنتاج وحده.

أما تراجع ماكرون، فهو موثق: فقد وُجهت الدعوة إلى رامافوزا، قبل أن يُستبعد لاحقا من القائمة النهائية.

الطموح من جهة والاستقلالية من جهة أخرى

هذه النقطة تحديدا تستحق أن تُطرح بصراحة، لأنها تمس الصورة التي تسعى فرنسا إلى تقديمها عن نفسها.

فباريس تريد أن تكون قوة توازن. وتقدم نفسها جسرا بين الشمال والجنوب، ومدافعة عن التعددية، ورائدة لـ«استقلالية استراتيجية» يُفترض أن تحرر أوروبا من الوصاية الأمريكية.

و كانت قمة مجموعة السبع، التي تُنظم على الأراضي الفرنسية وتحت الرئاسة الفرنسية، المناسبة المثلى لتجسيد هذه الصورة.

لكن هذا هو المجال الذي تراجعت فيه الكلمة الفرنسية. فالدولة التي تؤكد رغبتها في التأثير في النظام العالمي، ثم لا تتمسك بدعوة أصدرتها بنفسها، تبعث برسالة يصعب عليها تحمل تبعاتها.

فالاستقلالية الاستراتيجية لا تُقاس بالخطب بقدر ما تُختبر في اللحظات التي تكون لها فيها كلفة سياسية.

تناقض يثير الانزعاج

لعل أكثر ما يكشف حقيقة الموقف هو المقارنة. ففي قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ، دعم عدد من الشركاء الأوروبيين ودول الجنوب العالمي المشاركة الكاملة لجنوب إفريقيا في مواجهة المقاطعة الأمريكية. وبعد بضعة أشهر، لم تتمسك باريس بالدعوة التي وجهتها إلى رامافوزا لحضور القمة التي تستضيفها هي.

كان الدفاع عن مبدأ داخل قمة ينظمها طرف آخر أمرا لا ينطوي على مخاطر تذكر. أما الدفاع عنه على الأراضي الفرنسية، مع تحمل استياء واشنطن، فكان ينطوي على كلفة حقيقية.

إن مساندة موقف عندما لا تكون له كلفة، ثم تعديله عندما يترتب عليه ثمن سياسي، لا ينسجم تماما مع دبلوماسية التوازن التي تتحدث عنها باريس.

بل يبدو أقرب إلى دبلوماسية الراحة وتجنب الإحراج.

ما الذي ستحتفظ به إفريقيا والجنوب العالمي؟

من منظور إفريقي ومغاربي، تتجاوز هذه القضية الحالة الجنوب إفريقية وحدها. فمنذ سنوات، تكثر فرنسا من الحديث عن «شراكة جديدة» مع القارة، وعن الإصغاء إلى دول الجنوب العالمي، وعن إنهاء العلاقات غير المتكافئة.

غير أن كل واقعة من هذا النوع تعمق الفجوة بين الخطاب والممارسة، وتغذي الشكوك في أن صوت شركاء الجنوب يظل أول ما تتم التضحية به عندما تكون مصالح حليف كبير على المحك.

أما جنوب إفريقيا، فلم تخسر شيئا جوهريا. فهي ليست عضوا في مجموعة السبع، ولا يزال وضعها داخل مجموعة العشرين قائما، بصرف النظر عما يقوله دونالد ترامب.

في المقابل، ربما خسرت فرنسا جزءا من المصداقية التي تتمسك بها أكثر من غيرها: مصداقية القوة القادرة على الثبات في مواقفها، حتى عندما يكون الثمن إثارة استياء الولايات المتحدة.

إن القوة التي تريد فرض حضورها على الساحة الدولية ينبغي لها، على الأقل، أن تكون قادرة على تحمل مسؤولية خياراتها المتعلقة بالدعوات والإعلان عنها بوضوح.

و في هذه النقطة تحديدا، تركت قمة إيفيان مجالا للشك.

و في الدبلوماسية، يكون الشك أحيانا جوابا في حد ذاته.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا