أكد الأسبوع المنقضي استمرار الجمود الدبلوماسي في الحرب الأوكرانية، في وقت واصلت فيه كييف استراتيجيتها القائمة على استهداف المنشآت النفطية والعسكرية الروسية.
وعلى الصعيد السياسي، رفض فلاديمير بوتين مقترح فولوديمير زيلينسكي بعقد لقاء مباشر بالتزامن مع وقف لإطلاق النار. أما ميدانيًا، فقد أعلنت القوات الأوكرانية مسؤوليتها عن عدة هجمات استهدفت مصفاة روسية ومنشآت عسكرية في الأراضي الأوكرانية المحتلة. وفي الوقت نفسه، عزز الاتحاد الأوروبي إجراءاته ضد «أسطول الظل» الذي تستخدمه موسكو لتصدير نفطها والالتفاف على العقوبات.
وتكشف هذه التطورات الثلاثة عن توجه واحد: في ظل غياب أي تقدم دبلوماسي، تتواصل الحرب على الجبهات العسكرية والاقتصادية والبحرية.
في 5 جوان، أعلن فلاديمير بوتين أنه لا يرى، في الوقت الراهن، «أي جدوى» من لقاء فولوديمير زيلينسكي.
وكان الرئيس الأوكراني قد وجّه إليه رسالة مفتوحة اقترح فيها عقد لقاء مباشر في دولة ثالثة، مثل سويسرا أو تركيا. واقترحت كييف بدء المفاوضات انطلاقًا من خط الجبهة الحالي، مع إقرار وقف شامل لإطلاق النار طوال فترة المحادثات.
كما أراد فولوديمير زيلينسكي أن تشارك الولايات المتحدة والدول الأوروبية في هذه العملية بصفتها أطرافًا شريكة أو ضامنة.
ورفض فلاديمير بوتين المقترح، معتبرًا أن الرسالة لا تمثل، من وجهة نظره، عرضًا صادقًا. كما انتقد لهجتها التي وصفها بالاستفزازية، ورأى أن عقد قمة لا يمكن أن يتم إلا بعد عمل تحضيري يجريه الخبراء.
ومع ذلك، أكد الرئيس الروسي أنه لا يستبعد بصورة نهائية عقد لقاء، موضحًا أنه يرفض أساسًا ما يعتبره «محادثات فارغة».
ويُظهر الرد الروسي أن الطرفين ما زالا متباعدين بدرجة كبيرة، سواء بشأن آلية التفاوض أو مضمون أي تسوية محتملة.
وتطالب أوكرانيا بوقف القتال خلال المفاوضات، فيما ترفض موسكو هدنة مؤقتة ترى أنها قد تسمح للجيش الأوكراني بإعادة تنظيم صفوفه. كما تواصل روسيا المطالبة بتنازلات إقليمية وسياسية تعتبرها كييف غير مقبولة.
اعتبر وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها أن رفض فلاديمير بوتين يمثل دليلًا جديدًا على عدم اهتمام موسكو بالتوصل إلى حل تفاوضي.
وبحسب الموقف الرسمي الأوكراني، أعلنت كييف مرارًا استعدادها لوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات، في حين تجاهلت روسيا هذه المقترحات أو رفضتها.
غير أن هذه الرواية يجب وضعها ضمن سياق حرب إعلامية متواصلة. فموسكو تتهم كييف وحلفاءها الغربيين بعرقلة المفاوضات، بينما تؤكد أوكرانيا أن روسيا تستخدم المحادثات لكسب الوقت وفرض مطالبها بالقوة.
لكن الثابت هو أن المقترح الأوكراني بعقد لقاء مباشر وتعليق القتال لم يلقَ ردًا إيجابيًا من فلاديمير بوتين.
ويواصل الرئيس الروسي التأكيد أن بلاده ستحقق أهدافها العسكرية، وهو موقف يقلص، على المدى القصير، فرص عقد قمة بين رئيسي الدولتين.
بالتوازي مع تحركها الدبلوماسي، أعلنت أوكرانيا مسؤوليتها عن سلسلة جديدة من الضربات ضد منشآت داخل روسيا وفي الأراضي الأوكرانية المحتلة.
وأعلنت هيئة الأركان الأوكرانية استهداف مصفاة أفيبسكي في إقليم كراسنودار الروسي، وهي منشأة تؤدي دورًا في تكرير المنتجات النفطية وتوفيرها.
وأقرت السلطات الإقليمية الروسية باندلاع حريق داخل المصفاة، لكنها قالت إنه نجم عن سقوط حطام طائرات مسيرة اعترضتها الدفاعات الجوية.
وتمت السيطرة على الحريق لاحقًا، وفق السلطات الروسية.
وكما يحدث عادة بعد الضربات بعيدة المدى، تتضارب الروايات بشأن الحجم الحقيقي للأضرار. فبينما تؤكد كييف أنها أصابت الهدف، تسعى السلطات الروسية إلى تقديم الخسائر على أنها نتيجة غير مباشرة لعملية اعتراض ناجحة.
وتعتبر أوكرانيا المصافي ومستودعات النفط والمنشآت اللوجستية أهدافًا مشروعة عندما تسهم في دعم المجهود الحربي الروسي.
وتهدف هذه الهجمات إلى تقليص عائدات موسكو من الطاقة، وعرقلة إمدادات الجيش، وإجبار روسيا على توزيع أنظمة دفاعها الجوي على مساحة جغرافية شاسعة.
أعلنت القوات الأوكرانية أيضًا أنها استهدفت عدة مواقع عسكرية في المناطق المحتلة من دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا، إلى جانب شبه جزيرة القرم وسيفاستوبول.
وبحسب هيئة الأركان الأوكرانية، شملت الأهداف مستودعات للطائرات المسيرة وورشات إصلاح ومراكز قيادة ووحدات لأنظمة غير مأهولة ومنظومات دفاع جوي.
وفي سيفاستوبول، قالت أوكرانيا إنها استخدمت صاروخ «نبتون» محلي الصنع لاستهداف منشأة عسكرية روسية.
ووصفت السلطات العسكرية الأوكرانية الهدف بأنه موقع مرتبط بتخزين أو تجميع أو صيانة الأنظمة البحرية غير المأهولة ومعدات أسطول البحر الأسود الروسي.
ويبقى من الصعب التحقق بصورة مستقلة وكاملة من هذه الادعاءات، لكنها تعكس تطور قدرات أوكرانيا على تنفيذ ضربات متوسطة وبعيدة المدى.
وكان صاروخ «نبتون» قد صُمم في الأصل كسلاح مضاد للسفن، قبل أن تعمل أوكرانيا تدريجيًا على تكييفه لاستهداف مواقع برية أيضًا.
تؤكد كييف أن عددًا من هذه الهجمات نُفذ بواسطة طائرات مسيرة وصواريخ مصنعة في أوكرانيا.
ويحمل هذا الجانب أهمية استراتيجية.
فقد حدّ الاعتماد على الأسلحة الغربية، لفترة طويلة، من قدرة كييف على تنفيذ ضربات في عمق الأراضي الروسية، إذ فرض عدد من شركائها قيودًا على استخدام أسلحتهم.
ويتيح تطوير أنظمة محلية لأوكرانيا اختيار أهدافها بحرية أكبر، دون انتظار موافقة حلفائها.
وباتت الطائرات المسيرة الأوكرانية تصل بانتظام إلى مصافٍ ومستودعات ومنشآت عسكرية تقع على بعد مئات الكيلومترات من الحدود.
ولا يعني هذا التطور أن أوكرانيا أصبحت تتمتع بتفوق استراتيجي، إذ تحتفظ روسيا بقدرات أكبر بكثير في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والطيران والمدفعية.
لكنه يثبت أن كييف باتت قادرة على فرض كلفة متزايدة على موسكو، بما في ذلك في مناطق بعيدة عن خط الجبهة.
تمثلت الجبهة الثالثة خلال الأسبوع في المجال البحري.
ففي 8 جوان، أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أن العملية البحرية الأوروبية «إيريني» عدّلت قواعد اشتباكها في البحر الأبيض المتوسط.
وبات بإمكان السفن المشاركة في المهمة تفتيش واعتراض بعض السفن المشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي.
وكانت عملية «إيريني» قد أُطلقت أساسًا لمراقبة حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، قبل أن يتم توسيع نطاق تدخلها.
وبحسب كايا كالاس، يُفترض أن يسهم هذا التطور في تقليص العائدات التي تستخدمها روسيا لتمويل الحرب في أوكرانيا.
يشير مصطلح «أسطول الظل» إلى مجموعة من ناقلات النفط المستخدمة لنقل الخام والمنتجات النفطية الروسية، مع الالتفاف على العقوبات وسقف الأسعار اللذين فرضتهما الدول الغربية.
وغالبًا ما تكون هذه السفن قديمة ومسجلة تحت أعلام دول أجنبية، فيما قد تعود ملكيتها إلى شركات واجهة يصعب تحديد هويتها.
ويغير بعضها أسماءه أو أعلامه أو الجهات التي تتولى إدارته بصفة منتظمة. كما تعمد سفن أخرى إلى تعطيل نظام التعريف الآلي أو التلاعب به، بهدف جعل تتبع تحركاتها أكثر صعوبة.
وتقدّر كييف أن هذا الأسطول يضم أكثر من 1500 ناقلة نفط، غير أن هذا الرقم يختلف بحسب التعريفات المعتمدة. وتشير الوثائق الأوروبية إلى أن نحو 600 سفينة كانت قد خضعت للعقوبات أو صُنفت باعتبارها مثيرة للشكوك بدرجة كبيرة خلال سنة 2025.
وإلى جانب دورها في الالتفاف على العقوبات، تمثل هذه السفن خطرًا بيئيًا.
فقدمها وضعف صيانتها أحيانًا والغموض المحيط بتغطيتها التأمينية تزيد مخاطر التصادم أو التسرب أو حدوث بقع نفطية. وقد يؤدي حادث كبير إلى تحميل الدول الساحلية الكلفة المالية والبيئية لعمليات التنظيف.
يمثل التوجه الجديد لعملية «إيريني» تحولًا مهمًا.
فحتى الآن، كان التحرك الأوروبي يرتكز أساسًا على تتبع السفن، وفرض العقوبات المالية، ومنع دخول الموانئ، والتعاون مع الدول التي ترفع السفن أعلامها.
أما التفتيش الميداني للسفن في البحر الأبيض المتوسط، فيمثل انتقالًا نحو سياسة أكثر فاعلية على المستوى العملياتي.
ومع ذلك، تبقى هذه الصلاحية خاضعة للقانون البحري الدولي، وشروط التفويض الأوروبي، والظروف الفعلية التي قد تطرأ في البحر.
ولن يكون بإمكان الاتحاد الأوروبي اعتراض جميع ناقلات النفط التي تنقل الخام الروسي بصورة آلية، بل سيتعين عليه الاستناد إلى أساس قانوني كافٍ وتنسيق تحركاته مع الدول المعنية.
وقد تعتبر روسيا عمليات التفتيش هذه تصعيدًا، وترد عليها بإجراءات مضادة.
يُظهر الأسبوع المنقضي أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مقتصرة على المعارك البرية.
فهي تدور بالتزامن على أربع جبهات على الأقل.
الجبهة الأولى عسكرية، وتشمل الهجمات البرية وضربات الطائرات المسيرة والصواريخ.
والجبهة الثانية اقتصادية، من خلال الضربات الأوكرانية ضد المصافي والجهود الغربية الرامية إلى تقليص عائدات النفط الروسي.
أما الجبهة الثالثة فبحرية، وتتعلق بمواجهة «أسطول الظل» ومراقبة طرق التصدير.
في حين أن الجبهة الرابعة دبلوماسية، إذ يحاول كل طرف إقناع شركائه بأن خصمه يتحمل مسؤولية غياب السلام.
وقد أسهم مقترح فولوديمير زيلينسكي ورفض فلاديمير بوتين له في تصعيد هذه المواجهة السياسية.
وتريد كييف الظهور بوصفها الطرف المستعد للتفاوض انطلاقًا من وقف لإطلاق النار، بينما تؤكد موسكو أن أي لقاء لا يمكن أن يُعقد دون اتفاق مسبق بشأن المعايير الأساسية للتسوية.
وفي انتظار ذلك، لا تلوح في الأفق أي انفراجة دبلوماسية كبرى.
وتواصل روسيا عملياتها، في حين تحاول أوكرانيا تعويض الصعوبات التي تواجهها على الأرض عبر توجيه ضربات أعمق إلى البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية لخصمها.
وهكذا تدخل الحرب مرحلة تصبح فيها القدرة على الصمود بشريًا وصناعيًا وماليًا وسياسيًا، بأهمية المكاسب الميدانية المباشرة نفسها.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية