من وادي السيليكون إلى عمالقة المال والصناعة، يشهد عام 2026 موجات متتالية من إلغاء الوظائف بوتيرة غير مسبوقة منذ أزمة عام 2009. وخلف الأرقام، يبرز سؤال يثير القلق: هل يعيد الذكاء الاصطناعي بالفعل تعريف معنى «الحاجة إلى الموظفين»؟
لقد تغيّر شيء ما في عالم العمل مع بداية عام 2026. وليس الأمر مقتصراً على حجم عمليات التسريح ــ وهو حجم هائل بالفعل ــ بل يتعلق أيضاً بالمنطق الذي يحكمها.
للمرة الأولى بهذا الحجم، تقوم شركات تتمتع بوضع مالي جيد، بل وتحقق في بعض الأحيان نمواً في أرباحها، بإلغاء آلاف الوظائف ليس من أجل البقاء، بل لإعادة تنظيم نفسها حول الذكاء الاصطناعي. وفي ما يلي نظرة عامة على موجة تسببت بالفعل في فقدان مئات الآلاف لوظائفهم.
في 26 فيفري 2026، أعلن جاك دورسي، مؤسس تويتر والرئيس التنفيذي لشركة Block (Square وCash App)، عن إلغاء أكثر من 40% من وظائف مجموعته.
وانتقلت الشركة من أكثر من 10 آلاف موظف إلى أقل من 6 آلاف، ولم يكن القرار مرتبطاً بأي صعوبات مالية. فقد كانت Block قد أعلنت قبل ذلك عن أرباح إجمالية فصلية بلغت 2.87 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 26%.
أما السبب المعلن فكان الذكاء الاصطناعي. ففي رسالة إلى المساهمين، أكد دورسي أن فريقاً أصغر بكثير، إذا امتلك الأدوات المناسبة، يمكنه تحقيق نتائج أفضل وبكفاءة أعلى، محذراً من أن «معظم الشركات متأخرة» في إدراك هذه الحقيقة.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت من الأسواق المالية؛ إذ قفز سهم الشركة بأكثر من 20% قبل افتتاح التداولات، بعدما رحّب المستثمرون بوعد تحسين الكفاءة. ووصف عدد من وسائل الإعلام هذه العملية بأنها أكبر عملية تسريح مرتبطة صراحةً بالذكاء الاصطناعي في التاريخ الحديث.
أن يقوم رئيس تنفيذي بتسريح نصف موظفيه ثم ترتفع القيمة السوقية لشركته، فذلك ربما يلخص أكثر من أي حدث آخر حالة القلق التي تطبع هذه المرحلة.
إذا كانت Block لفتت الأنظار بنسبة التخفيضات، فإن شركات أخرى تميزت بحجم الأعداد المطلقة.
فقد أكدت Amazon إلغاء نحو 16 ألف وظيفة خلال عام 2026، بعد موجة أولى في خريف 2025، ما يرفع إجمالي الوظائف الإدارية الملغاة إلى قرابة 30 ألف وظيفة.
أما شركة الخدمات اللوجستية UPS فقد ذهبت أبعد من ذلك، معلنة خططاً لإلغاء ما يصل إلى 30 ألف وظيفة تشغيلية خلال عام 2026، بعد أن كانت قد ألغت بالفعل 48 ألف وظيفة في عام 2025 وأغلقت 93 موقعاً.
وفي هذه الحالة، لا يُعد الذكاء الاصطناعي العامل الرئيسي بقدر ما يتعلق الأمر بأتمتة العمليات اللوجستية وإعادة تصميم نموذج التسليم.
شهد النصف الأول من عام 2026 سلسلة متواصلة من الإعلانات التي استندت إلى مبرر متكرر: تمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي عبر تخفيف كتلة الأجور.
فقد خفّضت Dell قوتها العاملة بنحو 11 ألف موظف (أي حوالي 10% من إجمالي العاملين)، بينما سرّحت Atlassian نحو 1600 موظف في 11 مارس، مبررة القرار بإعادة تنظيم تقودها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي 25 مارس، أطلقت Meta موجة جديدة من التسريحات شملت مختبرات Reality Labs وفرق التوظيف والمبيعات. وقدّم مارك زوكربيرغ عمليات التسريح التي طالت نحو 8 آلاف موظف على أنها نتيجة مباشرة للاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
كما أعلنت Pinterest إلغاء نحو 15% من وظائفها، في حين سرّحت Coinbase حوالي 14% من موظفيها. وصرّح رئيسها التنفيذي بأنه بات يرى مهندسين قادرين، بفضل الذكاء الاصطناعي، على إنجاز أعمال خلال أيام قليلة كانت تتطلب أسابيع كاملة من فرق العمل سابقاً.
لم تعد هذه الموجة حكراً على شركات التكنولوجيا.
ففي القطاع المالي، ألغت Morgan Stanley نحو 2500 وظيفة (3% من إجمالي الموظفين)، بينما تواصل Citi تنفيذ خطة قد تصل إلى 20 ألف وظيفة ملغاة، وأعلنت Mastercard خفض 1400 وظيفة رغم تحقيقها أرباحاً قوية.
أما في الصناعة والسلع الاستهلاكية، فقد ألغت شركة Dow الكيميائية 4500 وظيفة، وتعتزم Heineken الاستغناء عن ما يصل إلى 6 آلاف وظيفة، بينما أضافت Nike 1400 وظيفة أخرى إلى برامج التخفيضات التي تنفذها.
كما تخطط شركة Takeda الدوائية لإلغاء 4500 وظيفة، فيما تدرس شركة التأمين Ageas تقليص عدد موظفيها إلى ما يقارب النصف بعد سلسلة من عمليات الاستحواذ.
لم يسلم قطاع الإعلام بدوره من هذه الموجة.
فقد أعلنت صحيفة Washington Post في فيفري عن تسريح نحو ثلث موظفيها، سواء في هيئة التحرير أو في الإدارات الأخرى، في عملية تقليص نادرة الحجم بالنسبة لصحيفة بهذه المكانة، وتعكس الصعوبات الهيكلية التي تواجه قطاع الصحافة.
هذا هو جوهر النقاش اليوم، وتضع بيانات ماي 2026 القضية في صدارة المشهد.
فقد كان الذكاء الاصطناعي السبب الأكثر استشهاداً به في قرارات التسريح، عبر مختلف القطاعات، للشهر الثالث على التوالي. إذ ارتبط به 40% من عمليات إلغاء الوظائف خلال ماي، بعدما كانت النسبة 7% فقط في جانفي و26% في أفريل.
وبحلول نهاية ماي، تم رسمياً ربط 87,714 وظيفة ملغاة بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة منذ بداية العام، مقابل 54,836 وظيفة فقط خلال كامل عام 2025.
لكن الإشارة إلى الذكاء الاصطناعي في بيانات الشركات لا تعني بالضرورة أن التكنولوجيا قد حلّت فعلاً محل الموظفين الذين تم الاستغناء عنهم.
بل إن مؤسسة Challenger نفسها تؤكد أن الوضع لا يرقى بعد إلى «كارثة الوظائف» التي توقعها البعض.
وتأتي بعض الأصوات المشككة من قلب القطاع ذاته. فقد اتهم سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، الشركات بممارسة ما يُعرف بـ«غسل الذكاء الاصطناعي» (AI-washing)، أي تحميل الذكاء الاصطناعي مسؤولية قرارات تمليها في الواقع عوامل أخرى.
من جهته، يؤكد تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في Apollo، أنه لا يرى «أي دليل» على فقدان وظائف ناجم مباشرة عن الذكاء الاصطناعي.
بل إن ألتمان نفسه اعترف بأنه «كان مخطئاً»، بعدما توقع تدميراً أكبر بكثير لوظائف المكاتب مما شاهده فعلياً حتى الآن.
بعبارة أخرى، أصبح الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه تفسيراً مريحاً لكثير من القرارات ومحركاً حقيقياً لبعضها.
بالنسبة إلى تونس، تستحق هذه الإشارات المتابعة عن كثب.
فجزء من الاقتصاد الرقمي التونسي يعتمد على إسناد وظائف المعلوماتية والإدارة وخدمات الدعم إلى شركات تونسية من قبل مؤسسات أوروبية.
وإذا نجحت المجموعات الكبرى في خفض عدد الموظفين المطلوبين لإنجاز هذه المهام بشكل دائم، فقد تجد دول الأوفشورينغ نفسها معرضة بدورها للتأثيرات ذاتها.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات أو قياسات دقيقة على المستوى التونسي، لكن موجة 2026 تبدو وكأنها بروفة عامة لما قد يأتي لاحقاً، ومن غير الحكمة التعامل معها باعتبارها شأناً أمريكياً بحتاً.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية