أقرّ مجلس النواب الأمريكي، الأربعاء 3 جوان 2026، قرارًا يهدف إلى تقييد صلاحيات الحرب للرئيس دونالد ترامب وإلزامه بسحب القوات الأمريكية المشاركة في النزاع ضد إيران. ويُعدّ هذا التصويت انتكاسة سياسية بارزة للبيت الأبيض، رغم أن تأثيره العملي لا يزال، في هذه المرحلة، رمزيًا إلى حدّ كبير.
و بحسب النتائج التي أوردتها وسائل الإعلام الأمريكية، فقد تم اعتماد القرار بأغلبية 215 صوتًا مقابل 208 أصوات، بدعم من أربعة نواب جمهوريين انضموا إلى الديمقراطيين. ويعكس هذا الانشقاق المحدود، لكنه ذو دلالة سياسية مهمة، تنامي الانقسامات داخل المعسكر الجمهوري بشأن مواصلة التدخل العسكري الأمريكي ضد إيران.
و يأتي القرار في إطار الجدل الأمريكي المستمر حول صلاحيات الحرب، إذ يهدف إلى إجبار الرئيس على سحب القوات الأمريكية المنخرطة في العمليات ضد إيران، ما لم يحصل على تفويض صريح من الكونغرس أو في حال وجود خطر وشيك يهدد الولايات المتحدة أو حلفاءها.
و يرى مؤيدو القرار أنه يهدف إلى إعادة تأكيد الدور الدستوري للكونغرس في أي قرار يتعلق بخوض حرب طويلة الأمد.
صفعة سياسية لدونالد ترامب
يأتي هذا التصويت في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة، منذ 28 فيفري 2026، حربًا مفتوحة ضد إيران عقب ضربات أمريكية–إسرائيلية استهدفت مواقع إيرانية. ومنذ ذلك الحين، اتسعت رقعة المواجهة في منطقة الخليج لتشمل هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة واعتراضات جوية، إلى جانب تصاعد التوترات حول مضيق هرمز.
و بالنسبة إلى دونالد ترامب، يمثل اعتماد هذا القرار إشارة سياسية محرجة. فقد نجح البيت الأبيض، حتى الآن، في احتواء عدة محاولات برلمانية هدفت إلى تقييد أو إبطاء الانخراط العسكري الأمريكي. غير أن جزءًا من الحزب الجمهوري اختار هذه المرة الاصطفاف إلى جانب الديمقراطيين، ما يعكس تزايد القلق بشأن مدة الحرب وتكاليفها ومخاطر اتساعها.
و وفقًا لوكالة «أسوشيتد برس»، يمثل هذا القرار أول نجاح فعلي لمجلس النواب في مواجهة سياسة ترامب تجاه إيران منذ اندلاع هذه الحرب قبل ثلاثة أشهر. ويأتي ذلك في ظل تصاعد الانتقادات داخل الكونغرس والرأي العام بسبب كلفة النزاع، التي تُقدّر بنحو 100 مليار دولار.
قرار قوي سياسيًا… لكنه هش قانونيًا.
و رغم موافقة مجلس النواب على القرار، فإن ذلك لا يعني نهاية فورية للمشاركة الأمريكية في الحرب ضد إيران. إذ لا يزال النص بحاجة إلى تجاوز عدة عقبات مؤسساتية، أبرزها الحصول على موافقة مجلس الشيوخ. وحتى إذا أقرّه المجلسان، فإن الرئيس دونالد ترامب يملك حق النقض (الفيتو).
و لإبطال فيتو رئاسي، يحتاج الكونغرس إلى أغلبية الثلثين في كل من المجلسين، وهو سيناريو يُنظر إليه على أنه غير مرجح في الوقت الراهن. ولهذا السبب، يبقى الأثر الأساسي للقرار سياسيًا بالدرجة الأولى؛ فهو لا يوقف الحرب فورًا، لكنه يضعف الادعاء بوجود دعم برلماني واسع للاستراتيجية العسكرية التي يعتمدها البيت الأبيض.
من جهته، حذّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من تداعيات هذا القرار، معتبرًا أنه قد يبعث برسالة ضعف إلى طهران عبر الإيحاء بأن الخيارات العسكرية الأمريكية أصبحت محدودة.
جدل أوسع حول صلاحيات الحرب
أعاد هذا التصويت إحياء نقاش قديم في الولايات المتحدة يتعلق بالتوازن بين الرئيس، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، والكونغرس الذي يمنحه الدستور وحده سلطة إعلان الحرب. وعلى مدى عقود، أطلق رؤساء أمريكيون عمليات عسكرية دون إعلان رسمي للحرب، مستندين إلى تفسيرات موسعة لصلاحياتهم التنفيذية.
و قد أعادت الحرب ضد إيران هذا الملف إلى صدارة المشهد السياسي.
فبالنسبة إلى معارضي النزاع، أدخل ترامب البلاد في مواجهة كبرى دون تفويض واضح من الكونغرس. أما أنصاره فيرون أنه يتحرك ضمن صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة لحماية المصالح الأمريكية ومصالح الحلفاء.
و بالتالي، فإن القرار الذي أُقرّ الأربعاء لا يعكس مجرد خلاف تكتيكي بشأن إيران، بل يعبّر عن مخاوف أعمق من أن تتولى السلطة التنفيذية إدارة حرب طويلة ومكلفة وقابلة للانفجار في منطقة تُعدّ حيوية للاقتصاد العالمي.
تصويت يكشف اتساع التململ داخل الحزب الجمهوري
أضفى دعم أربعة نواب جمهوريين للقرار أهمية خاصة على عملية التصويت. ورغم أن الأمر لا يرقى إلى انقسام واسع داخل المعسكر الرئاسي، فإنه يمثل مؤشرًا واضحًا على أن الإجماع الجمهوري حول الحرب بدأ يتآكل.
و بحسب عدة وسائل إعلام أمريكية، يزداد قلق بعض النواب المحافظين من الكلفة المالية للتدخل العسكري، والمخاطر التي تواجه الجنود الأمريكيين المنتشرين في الشرق الأوسط، فضلًا عن غياب أفق سياسي واضح لإنهاء النزاع. كما أن تزايد الهجمات في منطقة الخليج، لا سيما ضد مواقع تضم قدرات عسكرية أمريكية، يعزز هذه المخاوف.
و يأتي هذا التململ أيضًا في ظل رأي عام غير مؤيد للحرب.
و وفقًا لصحيفة «وول ستريت جورنال»، أظهر استطلاع حديث أجرته شبكة «فوكس نيوز» أن 60% من الأمريكيين يعارضون الحرب ضد إيران. ويشكل هذا الرقم عامل ضغط على المشرعين، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية قد تتحول فيها الكلفة البشرية والمالية للنزاع إلى قضية محورية.
ضغوط متزايدة على البيت الأبيض
ورغم أن القرار لا يجبر دونالد ترامب، حتى الآن، على تغيير استراتيجيته، فإنه يزيد من الضغوط السياسية على إدارته، ويؤكد أن جزءًا من الكونغرس يسعى إلى استعادة زمام المبادرة في نزاع يبدو مرشحًا للاستمرار.
وسيتعين على البيت الأبيض الدفاع عن سياسته تجاه إيران ليس فقط في مواجهة الديمقراطيين، بل أيضًا أمام جناح داخل الحزب الجمهوري نفسه. وقد يشجع تصويت الأربعاء على إطلاق مبادرات تشريعية أخرى داخل مجلسي الشيوخ والنواب تتعلق بصلاحيات الحرب وتمويل العمليات العسكرية ودعم الحلفاء الإقليميين.
أما بالنسبة إلى إيران، فقد يُنظر إلى هذا التصويت بوصفه دليلًا على وجود انقسامات داخلية في الولايات المتحدة. وبالنسبة إلى حلفاء واشنطن، فإنه يؤكد أن الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط لا تزال رهينة تجاذبات سياسية داخلية قوية.
و هكذا، فإن مجلس النواب لم ينهِ الحرب ضد إيران، لكنه وجّه رسالة واضحة إلى دونالد ترامب مفادها أن دعم الكونغرس لانخراطه العسكري لم يعد مضمونًا. فبأغلبية 215 صوتًا مقابل 208 أصوات، من بينها أصوات أربعة جمهوريين، يشكل القرار الذي تم اعتماده الأربعاء محطة مهمة في مسار المعارضة البرلمانية للحرب.
و رغم أن تأثيره المباشر سيظل محدودًا ما دام مجلس الشيوخ والبيت الأبيض لم يغيّرا موقفيهما، فإن الرسالة السياسية تبدو قوية: فبعد ثلاثة أشهر من النزاع، بات جزء متزايد من النخبة السياسية في واشنطن يسعى إلى منع تحول الحرب ضد إيران إلى عملية مفتوحة بلا رقابة، ولا جدول زمني واضح، ولا نقاش ديمقراطي حقيقي.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية